الكتاب: استراتيجيات تهويد القدس والأقصى،
مقاربات في السياسات الاحلالية الديموغرافية والدينية والثقافية والبيئية
الكاتب: علي إبراهيم، تحرير: د. هشام يعقوب
الناشر: مؤسسة القدس الدولية، بيروت، عام
2025م.
عدد الصفحات: 134 صفحة.
انتهت مرحلة الصراع العسكري على مدينة القدس
بانتهاء حرب عام 1967م، التي أتبعتها إسرائيل بحروب من نوع أخرى لا تقل ضراوة عن
العمليات العسكرية، فسلاح اليوم هو الأسطورة الصهيونية الدينية والثقافية، التي
حرصت إسرائيل خلالها على شن حربها الدينية لتصفية الهوية الثقافية للمدينة،
ومحاربة الطابع الديني عبر تفكيك النسيج الحضاري للمدينة، ومحاربة الوجود
الديمغرافي في القدس الشرقية وتحديداً في البلدة القديمة، عبر مشاريع تهويدية
مارستها الحكومات الإسرائيلية اليسارية واليمينية على حد سواء وفق مخطط يهدف
لتحويل المدينة إلى مدينة يهودية خالصة، يتم خلالها تبني الأسطورة الصهيونية تجاه
مدينة القدس.
دارت أوراق هذه الدراسة حول ما تعرضت له
المسجد
الأقصى ومدينة القدس من هجمة شرسة خلال الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة،
من اقتحامات وأسرلة وعمليات تهويد متتابعة طالت مفاصل مدينة القدس، وأمعن
الاحتلال
في سياسة تكميم الأفواه للخطباء والسياسيين، التي استهدفت رأس الهرم الديني داخل
القدس المفتي عكرمة صبري وتقديمه للمحاكمة الإسرائيلية.
الاقتحامات في الحرب:
تصاعدت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى
تزامنا مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لإداء الطقوس الدينية اليهودية
العلنية، وتم ادخال الأدوات الدينية اليهودية إلى المسجد، ففي الشهر الأول للحرب
اقتحم المسجد ( 123252 )، من المستوطنين والطلاب اليهود وعناصر الاحتلال الأمنية،
وهو رقم استثنائي كبير، يؤكد حجم الهجمة الاستيطانية الشرسة، ويدلل على قدرة
الاحتلال على حشد أعداد كبير من المستوطنين للمشاركة في تلك الاقتحامات، حيث تم
ابعاد أكثر من 771 مقدسي خلال عامين عن المسجد الأقصى ومنعوا من الدخول إليه.
يقول الكاتب عن ذلك: "انسحب تصاعد
مقتحمي الأقصى على الاقتحامات السياسية، التي تشكل صورة من تماهي السياسيين
الإسرائيليين مع اطروحات منظمات المعبد، مخططاتها تجاه المسجد الأقصى، التركيز على
عدد من المستويات، أولها المشاركة المباشرة من أعضاء الكنيست والوزراء في حكومة
الاحتلال في اقتحام الأقصى، والاستفادة من الأعياد اليهودية لحشد المزيد من هذه
المشاركات، وما يرافق هذه الاقتحامات من تحريض مباشر ضد العنصر البشري الإسلامي،
والمطالبة المتكررة بإنهاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية".
تصاعد استراتيجية
منذ عام 2019م، رسخت أذرع الاحتلال
التهويدية وفي مقدمتها منظمات المعبد نقل الطقوس اليهودية إلى الأقصى، في سياق
تعاملها معه على أنه المعبد المزعوم، وشكلت هذه المرحلة ما يسمى التأسيس المعنوي
للمعبد وجاء تصاعد هذه الاستراتيجية على أثر عدم تحقيق أذرع الاحتلال أي خطوات
مؤثرة وواضحة في سياق مخططي التقسيم الزماني، الذي اصطدم باستمرار حالة الرباط،
على الرغم من مختلف الإجراءات التي طبقها الاحتلال، والتقسيم المكاني الذي عرقلته
هبة باب الرحمة، وهو ما جعل "التأسيس المعنوي للمعبد"، العنوان الأبرز
في العدوان على الأقصى في الأعوام الماضية.
تصاعدت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تزامنا مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لإداء الطقوس الدينية اليهودية العلنية، وتم ادخال الأدوات الدينية اليهودية إلى المسجد، ففي الشهر الأول للحرب اقتحم المسجد ( 123252 )، من المستوطنين والطلاب اليهود وعناصر الاحتلال الأمنية، وهو رقم استثنائي كبير، يؤكد حجم الهجمة الاستيطانية الشرسة، ويدلل على قدرة الاحتلال على حشد أعداد كبير من المستوطنين للمشاركة في تلك الاقتحامات، حيث تم ابعاد أكثر من 771 مقدسي خلال عامين عن المسجد الأقصى ومنعوا من الدخول إليه.
عملت المنظمات الاستيطانية على فرض الطقوس
اليهودية العلنية من خلال مسارين، الأول: من خلال تكريس أداء كل الطقوس التوراتية التي تؤدي في مختلف كنس العالم إلى
المسجد الأقصى بوصفه المعبد بحسب زعمهم، أما المسار الثاني: ظهر عبر احياء ما
اندثر من الطقوس التوراتية، وخاصة تلك المرتبطة بالمعبد ولا تتم بحسب المعتقدات
اليهودية إلا في المعبد، ومن أبرزها إحياء طبقة كهنة المعبد وتنفيذ طقس تقديم
القرابين بشقيها الحيواني والنباتي، وأخيراً السجود المحلمي الكامل، وتتصاعد هذه
الطقوس في الشكل والكثافة بالتزامن مع الأعياد اليهودية والمناسبات الإسرائيلية
المختلفة.(ص19).
كما تشهد اقتحامات الأقصى جملة من الطقوس
التعبدية اليهودية، من بينها أداء طقوس بركات كهنة، وطقس الموصاف، قرب مصلى باب
الرحمة، وقراءة أسفار من التوراة، بشكل فردي وصوت عال، إضافة إلى القراءة من الكتب
الدينية اليهودية، وما يتصل بهذه الطقوس يحاول المستوطنون إدخال الأدوات الخاصة
بهذه الطقوس، على غرار لفائف التوراة، وشال طاليت، وملابس التوبة والكهنة، ولفائف
التفلين وغيرها.
ربط العدوان الأقصى بحرب الإبادة على غزة:
سعت منظمات المعبد منذ انطلاق العدوان على
غزة إلى ربط ما يجري من قتل وتدمير ومجازر بتحقيق نبوءات بناء المعبد، بل روجت
منظمات المعبد بين جمهورها بأن الانتصار في غزة سيؤدي إلى بناء المعبد من خلال
منشورات وتصاميم تظهر دبابة إسرائيلية وفي الأفق المعبد المزعوم، وبحسب تقرير حال
القدس السنوي لعام 2024م تنوعت الاعتداءات "ما بين تأبين قتلى الاحتلال خلال
العدوان البري في القطاع داخل الأقصى، ومشاركة أعضاء منظمات المعبد كجنود في صفوف
قوات الاحتلال في القطاع، وارتداء بعض المقتحمين اللباس العسكري، قبل توجههم للالتحاق
بالخدمة العسكرية ضمن الوحدات المشاركة في العدوان، أو أثر عودتهم من الخدمة
العسكرية، ورسم صورة المعبد داخل المنازل المدمرة في غزة، ووضع الجنود المشاركين
في المجازر رقعات قماشية عليها رسم المعبد، إضافة إلى مشاركة عدد من عائلات أسرى
الاحتلال لدى المقاومة في اقتحام الأقصى وغيرها"( ص24).
سياح في المسجد الأقصى:
تعددت الفئات المشاركة في اقتحامات المسجد
الأقصى من المستوطنين بفئاتهم المختلفة، وعناصر الاحتلال الأمنية إضافة إلى فئة
السياح التي تصاعدت مشاركاتها في الاقتحامات خلال السنوات الماضية، على أثر انتزاع
حق إدخالهم إلى المسجد من دائرة الأوقاف" شكل انتزاع صلاحية ادخال السياح إلى
الأقصى جزء من فرض الاحتلال نفسه المتحكم بشؤون المسجد، فخلال انتفاضة الأقصى
انتزعت شرطة الاحتلال هذا الحق من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس عام 2003م،
فقد أوقفت دائرة الأوقاف إدخال السياح على أثر انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2002م، وأشار
القرار إلى إعادة ادخال اليهود والسياح الأجانب إلى المسجد الأقصى، وكانت هذه
الخطوة محاولة لتوسيع أعداد المقتحمين، فقبل القرار كان باب المغاربة يفتح أمام
أعداد محدودة من المستوطنين وخلال الأعياد اليهودية فقط".
كانت أولى نتائج هذا الانتزاع عدم تطبيق
سلطات الاحتلال لأي قيود على دخول السياح إلى الأقصى، فقد كانت دائرة الأوقاف تفرض
شروطاً على السياح إن من حيث اللباس والهندام ومن يرافقهم من جوالاتهم، فكانت
الجولات تنظم ما بين الصلوات المفروضة، ويرافقهم أدلاء من الدائرة يقدمون الرواية
الإسلامية للمسجد، وأهميته وقداسته، وبطبيعة الحال منع ادخال أي مواد تنتهك حركة
المسجد من الطعام والشراب، وما يتصل بوجود هؤلاء داخل المسجد من الحشمة وغطاء
الرأس للسيدات، وتصرفاتهم والصور التي يلتقطونها في الأقصى، أما شرطة الاحتلال فلم
تضع أي قيود على السياح ولم تراع هذه الضوابط فتكررت اعتداءات السياح على قدسية
المسجد ورمزيته، مما أدى لترسيخ تعاملها مع ساحات الأقصى على أنها ساحات عامة أو
ساحات أثرية في سياق مشروع اقتطاع أجزاء منها ضمن مخطط التقسيم المكاني، مع تقديم
رواية إسرائيلية مغلوطة حول المعبد والمزاعم اليهودية داخله.
"تفطنت منظمات
المعبد لأهمية السياح وضرورة التأثير بهم، بالتوازي مع محاولة الشرطة تخصيص وظائف
رسمية لأدلاء يرافقون السياح خلال جوالاتهم في الأقصى، ففي نهاية عام 2019م، دعت
هذه المنظمات أنصارها إلى التقدم لشغل عدد من الوظائف التي أعلنت عنها شرطة
الاحتلال، وكانت وظائف خاصة ب مستكشفين مساعدين لعناصر الشرطة داخل الأقصى، وبحسب
الإعلان تقتضي مهمة هؤلاء مرافقة المقتحمين والسياح، وتولي مهمة الارشاد السياحي،
وهو ارشاد يحمل مضامين دينية متعلقة بالمعبد والتاريخ اليهودي المزور في القدس
والأقصى" (ص31)
في الوقت الذي كانت تتعرض فيه غزة للإبادة
والتجويع، كان الاحتلال يسعى إلى اسكات أي صوت يلهج بالدعاء لغزة وأهلها من منابر
المسجد الأقصى، في سياق عزل المسجد عن أي خطاب تضامن مع أهلنا في القطاع، فقد شنت
سلطات الاحتلال حملة ممهنجة ضد المسجد الأقصى ووعاظه، استهدفت منعهم من التعبير عن
التضامن مع غزة، والتعبير عن رفض السياسات التجويع والابادة التي قام بها جيش
الاحتلال، بل حاول منع أي مستوى من التضامن ولو كان من خلال الدعاء.
"لم تكن
الرقابة على خطب الجمعة قضية غائبة عن الاحتلال، فلا يظن أن هذا السلوك جديد فبحسب
الشيخ عكرمة صبري بدأت هذه الرقابة منذ نحو 30 عاماً، وقد اعتقلت شرطة الاحتلال في
الفترة التي سبقت اعتقال الشيخ محمد سليم عدداً من خطباء القدس المحتلة، وأصدرت
بحق بعضهم قرارات بالسجن الفعلي على خلفية مضامين خطب الجمعة، وهو ما يشكل واحداً
من الدوافع الأساسية لتصعيد سياسية الرقابة على مضامين الخطب، ففي نهاية شهر كانون
الثاني يناير أصدرت محكمة إسرائيلية قراراً بسجن الشيخ عصام عميرة، ومع مرور
القرار من دون أي اعتراض أو مواجهة بدأ
الاحتلال بتصعيد هذا الاستهداف".
تغييب المسجد الأقصى عن دوره
إن افراغ المسجد الأقصى من الخطاب الديني
الذي يحمل بوادر تضامن وتحرك، ولو على شكل الدعاء والتأسي والدعوة، وتحويل منبر
الأٌقصى وما يتصل به من حلق علم ومواعظ وغيرها إلى منصات خالية من أي مضمون حي
مرتبط بالواقع
الفلسطيني وخاصة غزة وكأن المواقف الشرعية ليست جزءاً من الخطاب
العام وأن التذكير وظيفة مركزية لمنبر الجمعة وللعلماء، وهو من دون شك سيؤثر
ابتداء على حالة المواجهة في الأقصى، والدعاء جريرة ما يجري، ولكن قمع هذا
الخطابـ، وكي وعي الفلسطيني المتدرج أوصل الأقصى إلى هذه الحال، ومن جهة أخرى يفرض
حالة من تطويع الخطاب الشرعي والايماني والقيمي في الأقصى بشكل تدريجي.
من أكثر الملاحظات وضوحاً في استهداف
الوصاية عبر استهداف حراس المسجد الأقصى وعملهم وصلاحياتهم، وخلال السنوات الماضية
تعرض الحراس إلى هجمات متتالية هدفت إلى تقليم متعمد لأظفار الحراس، أي استهدافهم
وأماكن عملهم، وما يستطيعون فعله في الأقصى، فقد استطاع الاحتلال أن يحجم دورهم
بشكل كبير جداً، من خلال الضغط المتزايد عليهم" لم يقمع الاحتلال الحراس بشكل
مفاجئ، بل عمل على تحجيم دورهم وما يقومون به في الأقصى بشكل متدرج بل عمل على
تحجيم دورهم وما يقومون به في الأقصى بشكل متدرج أدى في نهاية المطاف إلى الحالة
التي وصلنا إليها حالياً، فقد كان للحراس ما يمكن تسميته حصانة في وجه شرط
الاحتلال، فكانوا يقفون في وجه الاقتحامات، ويعترضون على أي اعتداء وتدنيس،
ويعرقلون أداء الطقوس اليهودية العلنية، ولكن هذه الحصانة تقلصت تدريجياً حتى
انتهت بشكل كامل، وقد استهدفت حراس الأقصى ابتداء بمنعهم من الاقتراب من
المقتحمين، ومن ثم تحديد شرطة الاحتلال مسافة 200 متر تفصلهم عنهم، وأخيراً عملت
على منعهم من الاقتراب البتة (ً ص58).
استهداف الوجود المسيحي في القدس :
ضيقت سلطات الاحتلال على المسيحيين وكنائسهم
حياتهم اليومية عبر عرقلة الاحتفال بالأعياد، والاعتداء على الكنائس، ومحاولة
التدخل في إدارتها، كما تعرض المسيحيون للتهميش الاقتصادي والاستهداف المتكرر،
ودفعت سياسات الاحتلال هذه المسيحيين إلى الهجرة خارج فلسطين، وهو ما أدى إلى
تراجع أعدادهم بشكل كبير، فبحسب المتحدث باسم مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في
القدس المحتلة، كان المسيحيون يشكلون نحو 25% من سكان القدس عام 1922م، بينما تشير
مصادر الاحتلال المنشورة أن نسبتهم عام 2024م لم تعد تتجاوز 2% من سكان مدينة
القدس المحتلة.
إن افراغ المسجد الأقصى من الخطاب الديني الذي يحمل بوادر تضامن وتحرك، ولو على شكل الدعاء والتأسي والدعوة، وتحويل منبر الأٌقصى وما يتصل به من حلق علم ومواعظ وغيرها إلى منصات خالية من أي مضمون حي مرتبط بالواقع الفلسطيني وخاصة غزة وكأن المواقف الشرعية ليست جزءاً من الخطاب العام وأن التذكير وظيفة مركزية لمنبر الجمعة وللعلماء، وهو من دون شك سيؤثر ابتداء على حالة المواجهة في الأقصى، والدعاء جريرة ما يجري، ولكن قمع هذا الخطابـ، وكي وعي الفلسطيني المتدرج أوصل الأقصى إلى هذه الحال، ومن جهة أخرى يفرض حالة من تطويع الخطاب الشرعي والايماني والقيمي في الأقصى بشكل تدريجي.
سعت إسرائيل من وراء ذلك إلى:
1 ـ تفريغ القدس من هويتها الأصيلة،
واستهداف جزء من تاريخها، إذ تشكل المسيحية جزءاً أصيلاً من النسيج الحضاري
والثقافي والديني للفلسطينيين والقدس على حد سواء.
2 ـ تعزيز الهيمنة الديموغرافية للمستوطنين،
يعد استهدف المسيحيين جزءاً من محاولات الاحتلال فرض هيمنته على ديموغرافيا القدس
المحتلة، عبر دفع المسيحيين إلى الهجرة من فلسطين، بالتوازي مع سعيها إلى السيطرة
على أملاك الكنائس المسيحية.
3 ـ التركيز على جانب واحد من الصراع، إذ
تسعى أذرع الاحتلال إلى ابراز الصراع ما بين المستوطنين وأصحاب الأرض من المسلمين
فقط، من خلال تهميش حقيقة وجود المسيحيين وتاريخهم النضالي منذ بداية الاحتلال
البريطاني لفلسطين، إلى جانب دعم بعض رؤساء الكنائس من الغربيين.
4 ـ الاستيلاء على أملاك المسيحيين في القدس
المحتلة، أمام حجم الأملاك المسيحية في شطري القدس المحتلة، تشكل هذه الأملاك بما
فيها من أراض ومبان هدفاً بالغ الأهمية للمشروع الاستيطاني في القدس المحتلة.
أشارت الدراسات أن أملاك الكنائس المسيحية
تصل لنحو 28% من الأراضي الوقفية والذرية غير قابلة للتصرف والواقعة ضمن أراضي
الشطر الشرقي من القدس المحتلة، بينما يمتلك المسلمون نحو 29% من الأراضي الوقفية،
وتمتلك الكنيسة الأرثوذكسية منفردة نحو 35% من مجمل الأوقاف المسيحية في شطري
القدس المحتلة، إذ تمتلك 18% من مساحة الشطر الغربي من القدس، و17% من الشطر
الشرقي من المدينة المحتلة.
هذه الأملاك كانت مطمع للمؤسسات الاستيطانية
بتواطؤ مع بعض رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية ( اليونانية) في القدس المحتلة، التي
يشرف عليها رجال دين لاتين من اليونان، ويتم إبرام صفقات بيع مع جهات تابعة
للاحتلال عبر تأجيرها لمدد طويلة جداً، تصل إلى 99عاماً، وكانت صفقة تسريب
العقارات التي تكشفت ما بين عامي 2017م 2018م أكبر الصفقات، وأثارت قلقاً فلسطينيا
كبيراً على ما بقي من أملاك الكنائس المسيحية، فقد تضمنت الصفقة تسريب فندقي
البتراء والإمبريال و22محلاً تجارياً أسفلهما، وتقع هذه العقارات في ميدان عمر بن
الخطاب عند باب الخليل، إضافة إلى بيت المعظيمة في حي باب حطة بالبلدة القديمة، تم
تأجيرها لشركات تعمل لمصلحة جمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية.
لم يسلم رجال الدين والقساوسة المسيحيين
ورجال دين إلى اعتداءات عديدة من قبل عتاة المتطرفين، ففي 17/7/2022م، اعتدى عدد
من الشباب الحريديم بالسب والشتم والبصق، على عدد من القساوسة والرهبان عندما
وصلوا إلى البلدة القديمة في القدس المحتلة، وساروا في طريق الآلام حاملين الصليب،
وتم الاعتداء على مرأى ومسمع عدد من أفراد قوات الشرطة الإسرائيلية، الأمر الذي لم
يتوقف عند هذا الحد بل وصل لاقتحام كنيسة ستنا مريم على سفح جبل الزيتون من جموع
المستوطنين المتطرفين، واعتدوا على المصلين داخل الكنيسة أيضاً( ص78).
المهرجانات الإسرائيلية:
تشكل هذه المهرجانات أحد أشكال الاستيلاء
الرمزي على مدينة القدس ومعالمها الأثرية، فعندما تستخدم برك السلطان كمسرح
لمهرجان سينمائي، أو تضاء أسوار المسجد الأقصى بعروض ليزر تروي الرواية اليهودية،
فإن هذا ليس مجرد استغلال لمكان أثري فقط، بل تشويه معتمد لوظيفته، وجزء من
محاولات تزييف تاريخه، أما على الجانب الفلسطيني، فإن حرمانه من الوصول إلى هذه
المعالم، أو تكرار استهدافها ببرامج التهويد المختلفة، فإنها ترسخ حالة من عدم
الانتماء مع هذه الأماكن، وأنها لم تعد تنتمي إلى أصحابها، وأثر هذا الواقع على
الانفصال القسري بين الفلسطيني ومدينته ومعالمها العربية والإسلامية والمسيحية،
وهو انفصال تعززه
مخططات الاحتلال أسرلة المواقع الأثرية بذرائع التطوير وتغيير
بنيتها وغيرها، ما يعني في نهاية المطاف أن الملكية الثقافية لدى الجمهور
الفلسطيني تنتقل بفعل الأمر الواقع من الفلسطينيين إلى المحتل، وهو انتقال تعضده
مشاريع السيطرة الاستيطانية والديموغرافية على الأماكن الأثرية أو في محيطها.