كتب

الثورة الجزائرية خارج الأسطورة.. قراءة محمد حربي في بنية التحرر والسلطة (1)

مع انتشار حرب التحرير الوطنية داخل الجزائر بدأت جبهة التحرير الوطني تستقطب جماهير وقيادات من الحركة الوطنية الجزائرية التي أسسها مصالي الحاج..
الكتاب: LE FLN DOCUMENTS ET HISTOIRE  1954-1962
الكاتب:MOHAMMED HARBI     GILBERT MEYNIER
الناشر: EDITIONS   FAYARD   2004


غيب الموت المؤرخ الجزائري الكبير محمد حربي في باريس، عن عمر ناهز 93 عامًا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الجزائريّة عن أقارب له يوم الجمعة 2 يناير 2026. ولحربي مسيرة أكاديمية غنيّة وحياة سياسيّة قاوم فيها الاستعمار الفرنسي والاستبداد السياسيّ على حدّ سواء.

 وُلد محمد حربي في 16 حزيران/يونيو 1933 في سكيكدة في شرق الجزائر، وبدأ النضال في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وهو شاب. لينتقل بعد ذلك للدراسة في باريس.
إنَّه التحدي الذي يكشفه كل من محمد حربي وبنجامين ستورا، اللذين جمعا أفضل المتخصصين في دراسة المسألة الجزائرية. وبصرف النظر عن جنسياتهم وأصولهم واختلاف انتماءاتهم إلى هذا الجيل أو ذاك، فقد سعى حوالي خمسة وعشرين مؤرخا لتحديد المعرفة التاريخية ألحالية لحرب الجزائر، بهدف الانتقال من الذاكرة إلى التاريخ، مفضلين مقاربة موضوعية أكثر منها متسلسلة تاريخيا، مركزين على الفاعلين وعمل الذاكرات. لقد رسموا لوحة بانورامية كاملة للمأساة الجزائرية لكي تكون مرجعا.

اما المشرفان على هذا العمل التاريخي الضخم، فهما: أولاً، محمد حربي الذي كان مقاتلا في صفوف الثورة الجزائرية قبل أن يصبح مؤرخًا. وقد تقلد مناصب عدة في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني وشارك في المفاوضات الأولى بإفيان، ثم أصبح مستشارًا للرئيس السابق أحمد بن بيللا واعتقل عقب الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين عام 1965، وهرب من السجن إلى فرنسا في عام 1973، ودرَّس في جامعة باريس 7، وله مؤلفات عدة عن الثورة الجزائرة، وهو يعتبر من الشخصيات الملمة بتاريخ الجزائر المعاصرة.

ثانيا، بنجامين ستورا، ولد بقسنطينة عام 1950. وبعد ان كان يناضل في صفوف الحركات اليسارية المتطرفة أيام شبابه انتقل في ما بعد إلى دراسة تاريخ بلده الأصلي، وبشكل أدق للصراع الجزائري الذي أصبح باحثًا متخصصًا فيه منذ ما يقارب 25 سنة، ولبنجامين ستورا مؤلفات عدة حول حرب الجزائر، وهو يدرس الآن في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية في باريس.

ويعد هذا الكتاب: "جبهة التحرير الوطنية الجزائرية: وثائق وتاريخ" من أهم مؤلفات محمد حربي، وأثار جدلا كبيرا لدى صدوره في باريس 2004، بسبب انتقاده سيطرة الحزب الواحد على الحكم.

لقد كانت جبهة التحرير الوطني أداة تحرير مقابل مجتمع كولونيالي مستبد، وبنية قمعية، في آن واحد. إنها مقاومة للدولة الكولونيالية. بيد أن جبهة التحرير الوطني لم تكن تمثل الجزائر كلها، ومؤسسوها كانوا وجهاء صغاراً ريفيين يعتبرون أن لهم دعوة ربانية وحدهم لتمثيل الجزائر الوطنية والجماعية. والذي يدرس تاريخ الثورة الجزائرية، يرى بوضوح أن الجزائر لم تكن فرنسية، باستثناء مدينة وهران في الغرب الجزائري، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي. والجزائر لم تكن مجتمعاً انصهر فيه العنصر الأوروبي مع العنصر العربي أو البربري . بل إنَّها تأسست في مواجهة المجتمع الكولونيالي الذي يضطهدها. بكل تأكيد، كان يوجد داخل جبهة التحرير الوطني حلم ببناء جزائر تعددية تستوعب الفرنسيين المتعاطفين أو الذين ساندوا الثورة الجزائرية بالضد من مواقف دولتهم الكولونيالية.

جبهة التحرير الوطني هي في أعماقها حركة تحرر وطني عربية مسلمة. وكانت هذه المقاومة للدولة الكولونيالية مجتمعاً عسكرياً أيضاً. وقد وجدت مثيلات لها في بلدان العالم الثالث، بدءاً من مصر الناصرية. فقد حكم الجزائر من قبل الجيش الكولونيالي الفرنسي لمدة طويلة، والذي استوعب في صفوفه عدداً من الضباط الصغار، أصبحوا قادة للجيش وللبلاد لاحقاً.
لكن جبهة التحرير الوطني هي في أعماقها حركة تحرر وطني عربية مسلمة. وكانت هذه المقاومة للدولة الكولونيالية مجتمعاً عسكرياً أيضاً. وقد وجدت مثيلات لها في بلدان العالم الثالث، بدءاً من مصر الناصرية. فقد حكم الجزائر من قبل الجيش الكولونيالي الفرنسي لمدة طويلة، والذي استوعب في صفوفه عدداً من الضباط الصغار، أصبحوا قادة للجيش وللبلاد لاحقاً.

لقد أصبحت جبهة التحرير الوطني، والثورة الجزائرية موضوعاً للتاريخ. فهي تعبير عن الوطنية الجزائرية، وهي بكل تأكيد مقاومة ضد الدولة الكولونيالية جسدت الانتصار التاريخي على الظلم الكولونيالي، بعد معارك داخلية طاحنة.

الثورة التي حملت في صيرورتها بذور فنائها

الصيرورة في العلوم الإنسانية عند العرب تكاد تكون معدومة، باعتبارها وافدة برانية ودخيلة غازية. والمتأمل في الثورة الجزائرية، وأدواتها، ورجالها، يلمس بوضوح أن جبهة التحرير الوطني، الأداة الطليعية لهذه الثورة، ألغت الصيرورة من فلسفتها السياسية، وغيّبت حرية الإنسان وحقوقه، وألغت الجدال في الثورة، وأهملت مقولة الثورة الديموقراطية، وتمسكت بنقطة واحدة هي الاستقلال، وبنظرة أحادية أيضاً.

إذا كانت هنالك ثورة شعبية جذرية وظافرة ضد النظام الكولونيالي القديم في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، فإنها بكل تأكيد تلك التي حصلت في فيتنام والجزائر، وبينما اتجهت الثورة الفيتنامية ذات المضمون الوطني الديمقراطي نحو بناء الاشتراكية بصرف النظر عن الإخفاقات التي تعرضت لها، عرفت الثورة الجزائرية بعد انتصارها سلسلة من الانقطاعات، واختلافات حادة ومحددة حول مسألة بناء الدولة ومؤسساتها، وتنظيم المجتمع، وطرائق بناء الاشتراكية فيه، التي تفصلها فوارق جوهرية عن الاشتراكية العلمية. وعلاوة على ذلك لاقى الموت بلا مجد تحقيق الديمقراطية والاشتراكية، إذا ما نظرنا إلى ذلك من زاوية السياسة الراديكالية التي تطمح إلى بناء دولة الحق والقانون، والمجتمع المدني الحديث، وهذا لا يحجب عنا رؤية ما تحقق من انجازات تقدمية خلال المرحلة السابقة.

قبل اندلاع الثورة في تشرين الثاني 1954، كانت الحركة الوطنية الجزائرية تعاني من انقسامات عميقة بسبب موقف اللجوء إلى العنف المسلح ضد المستعمر الفرنسي، حيث إِنَّ "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" بزعامة مصالي الحاج، و"حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري" بزعامة فرحات عباس، والحزب الشيوعي الجزائري الذي كان مرتبطاً إيديولوجياً وسياسياً بالحزب الشيوعي الفرنسي، الذي أخطأ تاريخياً في تقدير الموقف الوطني السليم من قضية الاستقلال للشعب الجزائري قبل الانتصار المسبق للبروليتاريا الفرنسية، هذه الأحزاب جميعها التي اكتسبت خبراتها السياسية في إطار النظام السياسي الاستعماري الفرنسي، كانت ضد الصراع المسلح، وعملت على تحقيق الاستقلال بطريقة برلمانية. وتفرد الحزب الشيوعي الجزائري بموقفه من هذه المرحلة الجديدة في تاريخ عرب الجزائر بالدعوة إلى البحث عن حل ديمقراطي يحترم مصالح جميع سكان الجزائر دون ما تمييز في العرق أو الدين، ويأخذ في الاعتبار مصالح فرنسا.

على نقيض القيادات السياسية الليبرالية والراديكالية التي قادت الحركة الوطنية الجزائرية طوال الفترة بين 1946-1954، كان الثوريون الذين ينحدرون من اصول اجتماعية فقيرة، اي من فئات البورجوازية الصغيرة الفلاحية والمدنية المضطهدة، قد أنشأوا في آذار من العام 1954 ما عرف آنذاك بـ اللجنة الثورية للوحدة والعمل، التي بدأت بتشكيل مجموعات ومغاور للانصار، والتحضير لانتفاضة مسلحة. وتحولت اللجنة الثورية للوحدة والعمل منذ أن انفصلت عن العملية السياسية الشرعية، في مقتبل تفجيرها الكفاح المسلح الى ما يعرف بـ جبهة التحرير الوطني الجزائرية كما تحولت مفارز الانصار الى جيش التحرير الوطني الجزائري.

إن الثورة الجزائرية على الرغم من الطابع الوطني التحرري الذي تصدر أولى الأولويات في برنامجها السياسي، لم تكن تحمل في طياتها مشروعاً إيديولوجياً وسياسياً لتحقيق الثورة الديمقراطية العميقة، ويرجع هذا بشكل رئيس إلى طبيعة القوى السياسية القائدة لهذه الثورة.. جبهة التحرير الوطني من حيث تشكلها السياسي والتنظيمي وبرنامجها، وقصور وعيها السياسي والإيديولوجي، وتركيبتها الطبقية التي يغلب عليها طابع البورجوازية الصغيرة الفلاحية، وبنيتها التنظيمية غير الديمقراطية، التي لا تسمح بحرية النقاش والحوار الداخلي، بالإضافة إلى سيطرة الجناح العسكري من البورجوازية الصغيرة على السلطة.

إن الثورة الجزائرية على الرغم من الطابع الوطني التحرري الذي تصدر أولى الأولويات في برنامجها السياسي، لم تكن تحمل في طياتها مشروعاً إيديولوجياً وسياسياً لتحقيق الثورة الديمقراطية العميقة، ويرجع هذا بشكل رئيس إلى طبيعة القوى السياسية القائدة لهذه الثورة..
ويقول المؤرخ الجزائري محمد حربي عن كيفية نجاح جبهة التحرير الوطني في انتزاع شرعية التمثيل السياسي، وفرض صورة المقاومة والممثل الوحيد للجزائر، ما يأتي: يجب التسليم بأنه كانت هناك رغبة بوحدة حركة المقاومة سواء في مصر أو في فرنسا، وهما بلدان كانت شعبية جبهة التحرير الوطني فيهما هي الاقوى، وذلك لأسباب مختلفة جداً. ففي مصر ألغت الناصرية الأحزاب السياسية، بيروقراطياً، بهدف فرض وجودها، وكانت فكرة التعددية بالذات تثير الشبهة لدى القادة المصريين، أما في فرنسا فلقد بقي اليسار موسوماً بقوة بأسطورة مقاومة فرنسية موحدة وبرفض مجموعات التحرير الوطني كنقيض للحركة الوطنية الجزائرية، أي أداة عصرية، علمانية وبعيدة عن العروبة والإسلام. وهذه الصورة الصغيرة طورها مثقفون جزائريون يتكلمون على أنفسهم أكثر مما يتكلمون على مجتمعهم او حتى على المشاعر العميقة للغالبية الساحقة من قادة جبهة التحرير .

هل استطاعت جبهة التحرير الوطني الجزائرية أن تحقق قطيعة جذرية منهجية ومعرفية، وسياسية وايديولوجية، مع المنهج والإيديولوجيا السائدين داخل أحزاب الحركة الوطنية، وأن تشكل اطاراً استراتيجياً ممثلاً لمشروع الكفاح المسلح، وداعماً لخصائص ولادة المجتمع الجزائري في فضاء الثورة؟

مؤتمر جبهة التحرير الوطني في وادي الصمام

مع انتشار حرب التحرير الوطنية داخل الجزائر بدأت جبهة التحرير الوطني تستقطب جماهير وقيادات من الحركة الوطنية الجزائرية التي أسسها مصالي الحاج، ومن الراديكاليين والليبراليين الذين ضموا قواهم الى الثوريين، ومن الشيوعيين الذين انضموا إلى الجبهة كأفراد. وكان هذا الرفد للجبهة بالكوادر والقيادات السياسية يزيدها خبرات ومهارات تنظيمية جديدة وييسر لها كسب اعتراف دولي. ومع ذلك لم يحصل الاندماج بمفهومه السياسي والتنظيمي. فقد ظلت العلاقات بين القيادات التقليدية القديمة والقيادات الجديدة داخل اطار جبهة التحرير الوطني معقدة ومبلبلة، ويشوبها الحذر. وكانت تنمو تعارضات سياسية وإيديولوجية بين قادة جبهة التحرير الوطني الذين يريدون فرض تاريخهم الحديث الذي يعطيهم الشرعية السياسية والجماهيرية، والقوة والتفوق باعتبارهم مقاتلي أول نوفمبر ومؤسسين لهوية قومية عصرية للجزائر لانتشالها من غموض تاريخي، والقيادات التقليدية التي تعتمد على شرعيتها السياسية النضالية الماضية.

في سيرورة تراكم التناقضات الداخلية، كان لا بد من مؤتمر لمعالجة الأوضاع الداخلية المتفاقمة لـ "جبهة التحرير الوطني" لكي تثبت قدرتها على قيادة الثورة، ولمغتابيها أن الثورة الجزائرية ليست تمرداً ذا طابع فوضوي، محدوداً ومحلياً، من دون تنسيق، ولا قيادة سياسية، ومحكوماً عليه بالفشل..

وليس ثمة ما يؤكد أن المؤتمر التأسيسي لـ "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" الذي عقد على طرف واد الصمام في منطقة القبائل ما بين 20 و 22 آب 1956 في ظروف قاسية، قد بلور برنامجاً سياسياً واضح المعالم حول طبيعة الثورة الديمقراطية وقضية بناء الاشتراكية. وكل ما يوجد في الخطوط السياسية العامة التي أقرها المؤتمر، هو انتظام البرنامج السياسي حول فكرتين أساسيتين: استقلال الامة، ووحدة الشعب (دون تمييز بين الطبقات)، وأن الثورة الجزائرية تناضل من أجل بعث دولة جزائرية على شكل جمهورية اشتراكية وديمقراطية، وليست إعادة لنظام ملكي أو ديني عفا عليهما الزمن.

غير أن ما تميز به هذا المؤتمر هو وضعه اللبنات الأولى لمؤسسات الثورة الجزائرية، وبخاصة منها المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي يضم 34 عضواً، نصفهم أصيلون ونصفهم احتياطيون، وقيادة من خمسة أعضاء، هي لجنة التنسيق والتنفيذ، التي تمثل السلطة التنفيذية، وتملك سلطة الإشراف على كل أجهزة الثورة. ويعكس تأليف المجلس الوطني للثورة الجزائرية بكيفية خاصة توازن القوى السياسية المختلفة داخل جبهة التحرير الوطني، وطابعها المفتوح، من حيث أنها ضمت سبعة عشر من الأعضاء السابقين في اللجنة الثورية للوحدة والعمل، وخمسة من المركزيين واثنين من الاندماجيين وفردين معروفين بروابطهما مع العلماء. ومع ذلك فإن الانقسام بين زعماء الداخل والخارج يتضح في أنه من بين أكبر خمس عشرة شخصية، ثمانٍ من الخارج وسبع من الداخل.

بقدر ما عكست السنوات الأولى في ربيع 1954 وربيع 1957 سنوات البطولة في عمر الثورة، وطابع التحالف بين العسكريين والسياسيين، واستخدام أساليب النضال السياسية والعسكرية في آن واحد مثل إدارة معركة الجزائر وإضراب الأيام الثمانية بقدر ما أثبتت حرب الاستقلال الطويلة الأمد في سياق سيرورتها المعقدة هيمنة التشكيل العسكري المميز لجيش التحرير الوطني.. أي الأولوية المسلحة التي وجدت قبل أي تنظيم سياسي على جبهة التحرير الوطني،
ومن المهمات المركزية للمجلس الوطني للثورة الجزائرية حل قضية الصراع المستمر بين القادة في الداخل وأولئك في الخارج. إنه الصراع الدائم الذي تتعرض له كل ثورة، بسبب ظروف القمع والاعتقال والهجرة إلى المنافي الخ.

أما الجهاز الثاني للثورة: لجنة التنسيق والتنفيذ، فقد اختير أعضاؤه من بين الأعضاء الداخليين، وكان دوره في اتخاذ القرارات بين انعقاد دورات المجلس الوطني للثورة. لقد عكس مؤتمر الصمام التباينات والتفاوتات في الانتماءات الطبقية والإيديولوجية لكل من السياسيين والعسكريين، وأثّر ذلك كله على مستقبل الصراع داخل جبهة التحرير الوطني، وعلى صعيد السلطة السياسية. وعلى الرغم من أن وحدة الثوريين وتماسكهم في خضم حرب الاستقلال قد أضعفا الانقسامات والنزاعات الشديدة بين قادة الداخل والخارج إلا أن هذه الانقسامات ظلت بلا حل، وأصبحت أكثر حدة مع عدم إجابة المؤتمر بوضوح على المسألة الأساسية التي كانت مطروحة آنذاك، ألا وهي تأكيد أولوية العمل السياسي على العمل العسكري.

بقدر ما عكست السنوات الأولى في ربيع 1954 وربيع 1957 سنوات البطولة في عمر الثورة، وطابع التحالف بين العسكريين والسياسيين، واستخدام أساليب النضال السياسية والعسكرية في آن واحد مثل إدارة معركة الجزائر وإضراب الأيام الثمانية بقدر ما أثبتت حرب الاستقلال الطويلة الأمد في سياق سيرورتها المعقدة هيمنة التشكيل العسكري المميز لجيش التحرير الوطني.. أي الأولوية المسلحة التي وجدت قبل أي تنظيم سياسي على جبهة التحرير الوطني، إذ أن الأخيرة لا وجود خاصاً لها، خارج إطار جيش التحرير الوطني. وحتى الدور الذي كان منوطاً بالمفوضين السياسيين لم يتجاوز حدود السهر على التطابق بين الأهداف السياسية والعمل العسكري، إذ سرعان ما سيظهر المستقبل أن وظيفة المفوضين السياسيين قد امتهنت قيمتها لمصلحة وظيفة المسؤولين العسكريين..