كتب

طوفان الأقصى.. الحرب الأكثر تعقيدا في تاريخ إسرائيل.. دراسة جديدة

على إسرائيل الاستعداد لاحتمال جولة قتالية كبرى أخرى في لبنان إذا فشلت عملية نزع سلاح حزب الله، واحتمال تجدد الحرب مع إيران إذا حاولت إعادة بناء مشاريعها النووية والصاروخية.
في 28/12/2025، نشر معهد القدس للاستراتيجية والأمن JISS، دراسة "بعد عامين من الحرب: حساب استراتيجي لإسرائيل"، لـ "يعقوب أميدرور"، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي. ونقدم هنا عرضا موجزًا لها.

لماذا اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023؟

كانت حماس تخطط للحرب منذ زمن طويل. وفي 2023، استنتج السنوار أن حماس أصبحت قوية بما يكفي لمهاجمة إسرائيل، وأدرك أن خطط محور المقاومة لشن هجوم منسق قد تقدمت بشكل ملحوظ، مما منحه ثقة كبيرة في احتمالات النجاح. ولكن، وبحلول خريف 2023، بدأ الحرب منفردًا للاحتمالات التالية:

1 ـ خشية السنوار أن يؤدي تنسيق محور المقاومة إلى كشف خطته، مما يفقده عنصر المفاجأة. وهنا: هل قدّر بشكل صحيح مدى اختراق إسرائيل لحزب الله، الذي كُشف عنه في صيف وخريف 2024؟!

2 ـ ربما كان يخشى السنوار ألا يتخذ الإيرانيون أبدًا قرار الدخول في الحرب.

3 ـ هل ما دفعه إلى التحرك بسرعة انتشار شائعات التقدم في مسار التطبيع السعودي؟

4 ـ وهل رأى السنوار قبل الحرب أن إسرائيل في أضعف لحظاتها، فرأها فرصةً لا تُعوَّض لا يمكن تفويتها.

5 ـ هل خلص السنوار إلى أن إسرائيل قد أساءت فهم حماس واستراتيجيتها بشكل كامل، خاصة بعد ما اعتبره الجيش الإسرائيلي نجاحًا في ضرب أنفاق حماس في 2021؛ اعتبرته حماس سوء فهم جوهري للواقع، ونقطة ضعف يجب استغلالها لبناء مزيد من الأنفاق لتوفير أقصى حماية لقدرات حماس.

إن دهشة الجيش الإسرائيلي من حجم هجوم السابع من أكتوبر، إلى جانب فهمه المحدود لشبكة أنفاق غزة ومدى تطورها، يشير إلى قصور واضح في جمع المعلومات والبحث فيما يتعلق بالقوة العسكرية لحماس ومستوى جاهزيتها. ولولا هذا التباين الكبير بين التقييم والواقع فيما يتعلق بحماس كقوة عسكرية، لما أمكن فهم فشل الجيش الإسرائيلي.
فشلت حماس في جرّ محور المقاومة إلى الدخول الكامل في الحرب من أول يوم. وانضم حزب الله بشكل محدود للغاية، وتركت إيران حماس لمصيرها. ووجدت حماس نفسها تقاتل وحدها تقريبًا ضد إسرائيل.

فشل ذريع للاستخبارات الإسرائيلية في توقع الحرب

إن دهشة الجيش الإسرائيلي من حجم هجوم السابع من أكتوبر، إلى جانب فهمه المحدود لشبكة أنفاق غزة ومدى تطورها، يشير إلى قصور واضح في جمع المعلومات والبحث فيما يتعلق بالقوة العسكرية لحماس ومستوى جاهزيتها. ولولا هذا التباين الكبير بين التقييم والواقع فيما يتعلق بحماس كقوة عسكرية، لما أمكن فهم فشل الجيش الإسرائيلي.

وهناك أربعة أسباب رئيسية لسوء فهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للتهديد عشية الحرب، أو قبل حدوثها بوقت طويل، وتجاهلها لإشارات التحذير صباح الهجوم:

1 ـ لم تُدرك جميع فروع أجهزة الاستخبارات مدى عمق التعاون والتنسيق داخل محور المقاومة، وشعور مكوناته بالقدرة الفعلية على تدمير إسرائي.

2 ـ لم تفهم المخابرات الإسرائيلية دوافع حماس، أو على الأقل قائدها: فحماس، قيادة ومنظمة، كانت مدفوعة في كل سياساتها بمشروعها المقاوم.

3 ـ لم يدرك الجيش الإسرائيلي مدى استعداد حماس لتنفيذ هجوم واسع النطاق بآلاف المقاتلين في وقت واحد، ولا استعدادها للعمل بمفردها. ولذلك، كانت المفاجأة في التوقيت وفي أسلوب العملية.

4 ـ وقع الجيش الإسرائيلي في خطأ جسيم وحاسم، وهو نظرته إلى حماس على أنها مرفوضة شعبيا.

5 ـ سحبت سياسة الحملة بين الحربين إٍسرائيل بعيدًا عن المجالات الكلاسيكية للتحليل العسكري: جمع المعلومات، الإنذار المبكر، ترتيب المعركة، انتشار القوات، أنماط النشاط، والعقيدة والتدريب.

حماس تزعزع صورة إسرائيل التي لا تُقهر

هكذا بدأت الحرب، ونجحت حماس في زعزعة صورة إسرائيل كقوة لا تُقهر. واعتبر الوزير رون ديرمر أن اليوم الذي بدأت فيه حماس الحرب: "بدا وكأن ثغرة قد انفتحت في الجدار الحديدي"، الذي صاغه جابوتنسكي قبل مئة عام، وصمد خلال جميع صراعات إسرائيل العديدة قبل قيام الدولة وبعدها. وأدرك صناع القرار أنهم مضطرون لخوض حربٍ لا هوادة فيها. وكان على إسرائيل أن توضح لكل الشرق الأوسط أن أي طرف يتجاوز الخطوط الحمراء التي عبرتها حماس بهجومها سيتم استبعاده من الساحة الإقليمية. لذلك، حدد قرار نتنياهو التوجه الاستراتيجي للحرب: مواجهة الأعداء المحيطين بإسرائيل ـ القريبين والبعيدين ـ واحدًا تلو الآخر، وبذل كل جهد لتجنب القتال العنيف على أكثر من جبهة في وقت واحد. وشكل هذا التوجه تسلسل تحركات إسرائيل من  أكتوبر 2023، مرورًا بـعملية الأسد الصاعد في إيران في يونيو 2025.

غزة كابوس لأي عسكري محترف

ساحة غزة هي كابوس لأي عسكري محترف: بيئة حضرية مكتظة للغاية، وعدد لا يُصدق من الأنفاق تحت الأرض تمتد لمئات الكيلومترات، مع عدد هائل من نقاط الدخول والخروج المخفية بعناية داخل النسيج العمراني الكثيف. لذلك، كان لدى الجيش ثلاث مهام في غزة: تدمير قدرات حماس والجهاد، ومنعهما من السيطرة على غزة، وإطلاق سراح الرهائن. وبحلول أغسطس 2025، كانت لدى حماس ورقتان هامتان: قضية الرهائن لممارسة الضغط على المجتمع الإسرائيلي، وحملة الدعاية العالمية حول المجاعة والإبادة الجماعية التي كانت شكلت تحديًا خطيرًا للحكومة الإسرائيلية.

في رأيي، ولأن الجيش الإسرائيلي دخل الحرب وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر، ولأن القادة والجنود افتقروا إلى الثقة بعد سنوات طويلة من انقطاع القتال البري المكثف، فقد عملت القوات البرية ببطء واعتمدت بشكل كبير على إعادة التسليح، جزئيًا للتعويض عن قلة الخبرة وتضاؤل الثقة. خلال هذه الفترة، لم يكن استخدام إعادة التسليح مثاليًا، ودفع الجيش الإسرائيلي ثمنًا باهظًا مع استمرار الحملة البرية وظهور نقص في الذخائر للقوات البرية.

إن إنجازات الجيش الإسرائيلي في غزة هي أقل إيجابية عند مقارنتها بنجاحات إسرائيل الكبرى في لبنان وإيران. ففي غزة، افتقر الجيش الإسرائيلي إلى أي خطة، وعانى من ثغرات استخباراتية ومعرفية هائلة. وعلى عكس الوضع في لبنان وإيران، فلا يوجد في غزة جهة مسؤولة في القطاع عير حماس يمكن نقل السلطة إليها أو أن تكون بمثابة نقطة اتصال بعد انتهاء القتال. وبدون حل سريع، يصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة.

الجيش الإسرائيلي يدخل الحرب في وضع متدنٍ

دخل الجيش حرب غزة من وضع متدنٍ للغاية: فبعد الهجوم المفاجئ، انهارت أجزاء من أنظمة القيادة والسيطرة؛ ولم يكن لديه خطة محدثة للسيطرة على غزة؛ وكان يفتقر إلى فهم متطلبات حرب الأنفاق. وبعد فترة تحضير استغرقت أسبوعين، أُعيد توزيع الوحدات، ووُضعت خطط للمراحل الأولى من الحملة، دون خبرة أو فهم راسخ للمشكلة وحلولها الممكنة. ولم يكن الجيش مستعدًا لحرب تتطلب التعبئة الضخمة. وقد سارت المعارك نفسها ببطء. ويعود ذلك جزئيًا إلى اضطرار القوات للقتال في آن واحد فوق الأرض وتحتها، وقلة الوحدات المدربة على مثل هذا القتال المعقد. وتجنب الجيش دخول مناطق معينة من القطاع التي واصلت حماس العمل منها، أو الراحة وإعادة التجمع، والاستعداد لمزيد من القتال خارج هذه المناطق.

ساحة غزة هي كابوس لأي عسكري محترف: بيئة حضرية مكتظة للغاية، وعدد لا يُصدق من الأنفاق تحت الأرض تمتد لمئات الكيلومترات، مع عدد هائل من نقاط الدخول والخروج المخفية بعناية داخل النسيج العمراني الكثيف. لذلك، كان لدى الجيش ثلاث مهام في غزة: تدمير قدرات حماس والجهاد، ومنعهما من السيطرة على غزة، وإطلاق سراح الرهائن.
لقد عمل الجيش الإسرائيلي في غزة ببطء للتعويض عن قلة الخبرة وتضاؤل الثقة، ودفع ثمنًا باهظًا مع استمرار الحرب. وإذا فشلت واشنطن في تفكيك قدرات حماس وعناصرها بالكامل، فلن يتمكن أحد من بناء مستقبل للفلسطينيين في غزة يضمن أمن إسرائيل، ولن تتطوع أي دولة أو منظمة للقيام بهذه المهمة.

جبهة حزب الله

تم جر نصر الله إلى المواجهة رغماً عنه، فبذل قصارى جهده لتجنب المخاطرة، ويبدو أنه تبنى هذا النهج بعد التشاور مع الإيرانيين، الذين لم يرغبوا في تعريض "حزب الله"، أداتهم الرئيسية لردع إسرائيل، للخطر من أجل "حرب فلسطينية". فقد كان حزب الله أقوى بعشر مرات من حماس؛ لكن الجيش الإسرائيلي أكثر استعدادًا بمئة مرة لحرب في لبنان مما كان عليه لحرب غزة.

نشأ تفاهم غير رسمي وغير معلن بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله للحد من نطاق المعركة بحيث لا تتجاوز 10 كيلومترات من الحدود. وعندما تصاعدت التوترات، شن كل جانب هجمات متفرقة على مواقع أعمق أو أكثر حساسية، لكنه فعل ذلك بحذر لتجنب التصعيد.

وكان لفقدان الحزب عنصر المفاجأة والضربات القوية التي تلقاها من الجيش الإسرائيلي على طول الحدود دورا في إدراكه أن التصعيد ينطوي على مخاطر جسيمة؛ بينما رأى الجيش الإسرائيلي في هذه الفترة فرصة للاستعداد للمواجهة الكبرى مع حزب الله. وقد مكّنت عقود من القدرات الاستخباراتية إسرائيل من فهم عميق للغاية للحزب وأصوله. وبدأ الجيش عملياته من خلال جهود منسقة تهدف إلى التحضير للمرحلة التالية من الصراع، وتوجيه ضربات قوية لقوة الرضوان النخبوية التابعة لحزب الله لإضعافها ودفعها شمالًا.  وكذلك، تحييد قدرات الحزب، وجمع معلومات استخباراتية دقيقة قبل العملية البرية، وتدمير كبير لشبكة الدفاع الجوي للحزب. وكانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد أعدت لسنوات سلسلة من العمليات لمباغتة الحزب وتجريده من قدراته، ومنها بيع أنظمة اتصالات لاسلكية متطورة مزودة بمتفجرات مخفية يمكن للجيش تفجيرها في أي لحظة يختارها.

وفي غضون 17-27/9/2024، تم القضاء على جميع القيادات العليا للحزب تقريبًا، من نصر الله إلى عشرات القادة. ووجهت ضربة قوية أيضا لما يقرب من ثلثي ترسانته الصاروخية. وسيطر الجيش الإسرائيلي على منطقة بجنوب لبنان تمتد بضعة كيلومترات بها أقوى حزام دفاعي وهجومي له.

بعد عامين من الحرب، يُقاتل الحزب من أجل بقائه والحفاظ على مكانته كقوة مسلحة مهيمنة في لبنان. وهو يتعرض لضغوط من الحكومة اللبنانية لنزع سلاحه. وتمارس الولايات المتحدة والسعودية ضغوطًا على الحكومة اللبنانية، التي هي في أمسّ الحاجة إلى مساعدات اقتصادية. ورغم إنجازات إسرائيل، فلا يزال الحزب يمتلك آلاف الصواريخ، ويسعى إلى إعادة ترسيخ وجوده في الجنوب، ويرفض نزع سلاحه، فإن إسرائيل ترى أن المهمة التي بدأتها ضد الحزب تبقى غير مكتملة.

جبهة إيران

في عهد الخميني، قررت إيران تدمير إسرائيل. وكرست فكرها وجهودها ومبالغ طائلة لهذه المهمة. ووضعت استراتيجية وجدولًا زمنيًا، واتخذت خطوات ملموسة لتنفيذها،  والتي بنتها على ثلاثة أركان:

1 ـ إنشاء مظلة نووية استراتيجية: امتلكت إيران عشية الحرب كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بكميات لو أكملت دورة التخصيب تكفي لصنع أكثر من خمس قنابل نووية.

2 ـ قوة صاروخية كبيرة تكون قادرة على الوصول إلى إسرائيل برؤوس حربية تزن طنًا  لإحداث دمار هائل. وتسعى كذلك لبناء صواريخ عابرة للقارات.

3 ـ تشكيل "حلقة النار" حول إسرائيل من منظمات أسستها إيران أو تسيطر عليها بالكامل، مثل حزب الله، والجهاد الإسلامي، والحوثيين، والميليشيات الشيعية في العراق. كما دعمت جماعات سنية احتفظت بدرجة من الاستقلال، تحديدًا حماس في غزة والضفة الغربية.

ولكن في اللحظة الحاسمة، لم يكن لدى الإيرانيين أي وسيلة لمساعدة حزب الله عندما ضربته إسرائيل. وسهّل سقوط النظام السوري الضربة الجوية الإسرائيلية في إيران، حيث نُفذت عبر سوريا والعراق دون أي مقاومة تُذكر في طريقها إلى الحدود الإيرانية.

في 14/6/2025، شنت إسرائيل حملة "الأسد الصاعد" ضد إيران التي استمرت اثني عشر يومًا فقط، واعتمدت فيها على معلومات استخباراتية واسعة النطاق ومفصلة للغاية جُمعت على مدى سنوات عديدة، وتكونت الحرب من ثلاثة عناصر: اغتيال العلماء النوويين في منازلهم، اغتيال القادة العسكريين على مختلف المستويات في منازلهم ومقراتهم، وضربة واسعة النطاق ضد منظومة الدفاع الجوي الإيرانية.

كانت العملية أشبه بـ"لعبة كمبيوتر"، خُطط لها بدقة متناهية في مرحلة التصميم العملياتي، مع انحرافات طفيفة جدًا أثناء التنفيذ. وكشف نجاح الاستخبارات في اختراق النظام وتجنيد مصادر داخل إيران على نطاق غير مسبوق عن نقاط الضعف الكامنة فيه.

سقوط الهلال الشيعي

بعد الضربات القوية التي تلقاها حزب الله، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان في نوفمبر 2024، أدركت دول المنطقة ضعف المحور الإيراني، فأصدر العراق تعليمات لجميع الميليشيات الشيعية بعدم مهاجمة إسرائيل بعد أن اتضح أنه سيدفع الثمن إذا ما تعرضت إسرائيل للهجوم من أراضيه. وأصدر الأتراك تعليماتهم للمعارضة السورية العاملة تحت حمايتهم في شمال سوريا بالتحرك جنوبًا نحو حلب مما أدى إلى انهيار النظام السوري بسرعة ودون مقاومة تُذكر.

وهكذا، اختفى "الهلال الشيعي"، ولم يعد هناك  جسر بري بين إيران وحزب الله. وهذا يعني أن "حلقة النار" التي بنتها إيران حول إسرائيل على مدى الأربعين عامًا الماضية قد انهارت. ولم يتبق لإيران سوى عنصر واحد ذو أهمية محدودة من حيث قدرتها على إلحاق الضرر بإسرائيل: الحوثيون في اليمن.

وفي هذه المرحلة، يواجه النظام الإيراني نقاط ضعف متعددة، من بينها مشاكل داخلية، واستمرار الضغط الدولي وتجديد العقوبات الأوروبية بعد تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات.

أما بالنسبة لسوريا التي كانت أحد أهم ركائز المحور الشيعي، فلم يخطط أحد في إسرائيل للتطورات الحادثة فيها. ولكن بمجرد حدوثها، دمر سلاح الجو الإسرائيلي جميع القدرات العسكرية لجيش الأسد لمنع النظام الجديد من بناء قوة عسكرية معادية لإسرائيل. ووسع الجيش سيطرته على مرتفعات الجولان. وستصوغ إسرائيل سياستها تجاه سوريا لا بناءً على الكلام المعسول القادم من دمشق، فالنظام يعرف كيف يُظهر وجهًا بشوشًا بينما ينكر أصوله في القاعدة وداعش؛ ولكن بناءً على أفعاله، بما في ذلك معاملته للأقلية الدرزية في سوريا، خاصة حول السويداء.

حرب متعددة الساحات إقليميا ودوليا

هذه الحرب التي استمرت عامين يمكن تلخيصها ودراستها في سياق أوسع وعالمي  من خمسة جوانب أو مستويات تحليلية:

بعد الضربات القوية التي تلقاها حزب الله، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان في نوفمبر 2024، أدركت دول المنطقة ضعف المحور الإيراني، فأصدر العراق تعليمات لجميع الميليشيات الشيعية بعدم مهاجمة إسرائيل بعد أن اتضح أنه سيدفع الثمن إذا ما تعرضت إسرائيل للهجوم من أراضيه. وأصدر الأتراك تعليماتهم للمعارضة السورية العاملة تحت حمايتهم في شمال سوريا بالتحرك جنوبًا نحو حلب مما أدى إلى انهيار النظام السوري بسرعة ودون مقاومة تُذكر.
1 ـ الأمن الشخصي لكل إسرائيلي: حاصرت إيران والمقاومة إسرائيل بقدرة حقيقية على تدميرها. وبسبب العمى الإسرائيلي استراتيجيًا وثقافيًا، أمكن لهذه القدرة التشكل، وتكرار مهاجمة إسرائيل.

2 ـ مكانة إسرائيل: صباح السابع من أكتوبر، فقدت إسرائيل سمعتها العالمية كقوة استخباراتية وعسكرية. وانفتحت ثغرة عميقة في الجدار الحديدي الذي بنته الحركة الصهيونية قبل مائة عام.

3 ـ الدول العربية والإسلامية: توضح نتائج الحرب أن الحركات الإسلامية قد تجلب الكوارث على شعوبها وأتباعها. ولن يعترف قادة الدول الإسلامية القريبة والبعيدة عن إسرائيل بذلك علنًا؛ ولكن قد يطالب عدد كبير منهم بالقضاء على حماس، حتى وإن عبّروا عن أنفسهم بشكل مختلف في العلن.

4 ـ عالميًا: هذه الحرب هي حرب محاور. ولهذا بنى الأمريكيون تحالفًا ساهم عمليًا في الحرب لتوضيح تفوقها هي وإسرائيل وحلفائهما الإقليميين على إيران وحلفائها - روسيا والصين وكوريا الشمالية.

5 ـ أيديولوجيًا: هو صراع أوسع من إسرائيل وأكبر من حماس، لأنه جزء من صراع عالمي بين قوى الظلام المتطرفة والديكتاتورية، والعالم الديمقراطي الليبرالي. وصراع ضد البربرية. وهذا ما أشار المستشار الألماني خلال الحرب: "هذا هو العمل القذر الذي تقوم به إسرائيل نيابةً عنا جميعًا".

أهمية توثيق إٍسرائيل لعلاقتها مع الولايات المتحدة

بعد عامين من حرب متعددة الجبهات، فقد ثبت مدى أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة وتوثيقها لتحقيق ما يلي:

1 ـ إيران: المراقبة الدقيقة لمشروعيها النووي والصاروخي، وتنسيق التدابير الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية ضدها. فالحرب لم تقضِ على قدرتها وسعيها لامتلاك  سلاح نووي كضمان وحيد لبقاء النظام.

2 ـ لبنان: العمل بمساعدة الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري ضد أي تهديد ناشئ سواء قبل أو بعد نزع سلاح الحزب.

3 ـ سوريا: مواصلة اتباع نهج مزدوج بالانخراط مع النظام الجديد مع الحفاظ على شكوك عميقة تجاهه. وقد يكون التوصل إلى اتفاق ممكنًا؛ ولكن مع عدم التردد في توجيه أي ضربة لمواجهة أي تهديد عسكري من النظام في أي مكان في سوريا، والاستمرار في حماية الأقلية الدرزية، وتحديد خطوط حمراء تجاه سوريا وتركيا لمنع الاحتكاكات. وكلما كانت هذه الخطوط أكثر وضوحًا، زادت فرص الحفاظ على تعايش عملي، حتى في غياب اتفاقيات رسمية.

4 ـ غزة: مصلحة إسرائيل هي عدم السماح لأي قوة قادرة على تهديدها بالظهور في القطاع، ولا بالقرب من الحدود، أو في عمق إسرائيل. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال اتفاق يُجرّد حماس من سلاحها، ويُرسل قادتها إلى المنفى، ويُرسّخ حرية إسرائيل في تنفيذ العمليات الأمنية بطريقة منظمة. مثل هذا الاتفاق يتطلب جهدًا دبلوماسيًا طويلًا ومعقدًا، و تنسيق وثيق مع المؤسسة العسكرية الأمريكية، لصياغة نص واضح لتنفيذ هذه الأفكار. أما بالنسبة لنزع التطرف في غزة، فهذه نتيحة صعبة التحقيق. فغزة جزء من العالم العربي وثقافته. واحتمال أن يتمكن أي حاكم لها من عزلها عن العالم العربي الأوسع، على غرار ما فعلته الأسرة الحاكمة في الإمارات، ضئيل للغاية. ولن تتمكن السلطة الفلسطينية من تفكيك حماس أو مواجهتها في الحياة اليومية. وسيقع العبء الأمني الكامل على عاتق إسرائيل. ولكن، يمكن للسلطة تلبية الاحتياجات المدنية بما يجنب إسرائيل الاضطرار حكم القطاع.

احتياجات إسرائيل الأمنية

خلال الحرب، استهلك الجيش تقريبًا جميع مخزوناته من قطع الغيار والذخائر بجميع أنواعها. لذا، فإسرائيل في حاجة إلى ابتكار "جيل جديد من المفاجآت"، واستثمار مستدام في التطوير، وقدرة إنتاجية واسعة النطاق، وبنية تحتية حديثة ومحمية للتخزين، مع توسيع الجيش بإضافة فرقة نظامية إضافية، وأخرى احتياطية ثقيلة كاملة إضافية، وزيادات في وحدات الهندسة والدعم. ويجب هيكلته للقتال براً على أكثر من جبهة، وإعداده لخوض حروب أطول من تلك التي خاضها في الماضي. ولا شك أن نقص القوى العاملة ومسألة التجنيد الإجباري لجميع السكان اليهود يشكلان تحديًا بالغ الأهمية والتعقيد.

ولتنفيذ المهام المستقبلية. سيتطلب مبالغ طائلة في القوات البرية، والبنية تحت الأرض، ونقل جميع المنشآت العسكرية والمدنية إليها، وتعزيز القدرات الاستخبارية والجوية فهي حجر الزاوية في قدرة إسرائي على مواجهة التهديدات بعيدة المدى. كيف يتم ذلك دون الإضرار بالاقتصاد؟ مسألة معقدة لا إجابة سهلة لها.

التهديدات المستقبلية لإسرائيل وتوصيات عميدرور

في ختام التقييم، أورد الجنرال عميدرور توصياته لتحديد التهديدات المستقبلية التي ستواجهها إسرائيل، وكيفية التعامل معها:

1 ـ من المرجح أن تضطلع تركيا وقطر بدور قيادي في إعادة إعمار غزة. لكن وجودهما يشكل تحالفًا خطيرًا، إذ أنهما قدّمتا الدعم الكامل لحماس، ووفرتا ملاذًا آمنًا لقيادتها، ودافعتا عنها دوليًا. لذلك، يجب على إسرائيل منع مشاركتهما في تشكيل مستقبل غزة، وللتخفيف أيضا من حدة التهديدات المستقبلية التي تُشن عالميًا بتمويل قطري، والتي غالبًا ما تتخذ شكلًا "ناعمًا" شديد الخطورة.

2 ـ ضرورة حدوث تحول جذري في النظرة الاستراتيجية الإسرائيلية للعالم بحيث تمنع التهديدات في مراحلها الأولى، أو تضربها مبكراً، حتى لو خاضت في ذلك على حربًا صعبة.

3 ـ على إسرائيل الاستعداد لاحتمال جولة قتالية كبرى أخرى في لبنان إذا فشلت عملية نزع سلاح حزب الله، واحتمال تجدد الحرب مع إيران إذا حاولت إعادة بناء مشاريعها النووية والصاروخية.