الكتاب: المراجعات في الفكر الشيعي المعاصر:
أحمد الكاتب نموذجًا
المؤلف: د. صالح الأعجيلي
الناشر: مجمع الأطرش لنشر الكتاب المختص -
تونس
الطبعة الأولى: 2025
عدد الصفحات: 224
مع دخول شهر فبراير ـ شباط من هذا العام،
تكون دولة "الثورة الإسلامية" في إيران قد استكملت عامها السابع
والأربعين منذ لحظة "انتصار الدم على السيف" في شتاء 1979، ذلك الشتاء
الذي خُضِّب بالأحمر القاني وأُعلن فيه ميلاد نظامٍ رفع لواء القطيعة مع الماضي
الشاهنشاهي وبشّر بتأسيس دولة العقيدة والثورة معًا.
وتأتي الذكرى السنوية لانتصار الثورة هذا
العام متزامنةً مع موجة احتجاجات اجتماعية واسعة وعنيفة، تَنسُبها طهران إلى "مثيري
شغب مسلّحين"، وتضعها في سياق تحريضٍ ودعايةٍ أمريكية وغربية لا تُخفي رغبتها
في إسقاط نظام ولاية الفقيه ومؤسساته، بسبب ما تعتبره الأخيرة "تورطا في
أنشطة مزعزعة للاستقرار بالمنطقة".
ومع ما للعقوبات الأمريكية المتتالية،
والمتواصلة منذ أزمة السفارة الأمريكية في طهران عقب خلع الشاه، من أثرٍ بالغ في
تعميق الخصاصة الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى، فإنّ إعادة طرح سؤال الثورة
وأيديولوجيتها المؤسسة، وإخضاع أسس النظرية السياسية الشيعية التقليدية لتقييمات
جذرية، من داخل النصوص الشيعية ذاتها ومنظومتها المرجعية، قد أسهمت ـ ولا تزال ـ
في تعميق التصدّعات العقدية والمجتمعية داخل معسكر بناة دولة الثورة وحماتها، ربما
أكثر مما فعلته المعارضة الصريحة ومخالِفو الثورة من داخل المجتمع الإيراني
المتعدّد والمتنوّع. وهو مسارٌ لا يهدّد شرعية النظام السياسي فحسب، بل يطال في
العمق بنيان المرجعية المذهبية الاثني عشرية نفسها، القائمة على وتد ولاية الفقيه.
وقد ازدادت حدّة هذه التصدّعات داخل
"صفائح" النظرية الشيعية الاثني عشرية بفعل الترابط العضوي في بنيتها
بين المركزية العقدية لفكرة الإمامة وتمثّلاتها السياسية والاجتماعية، أو بلغة
أدق: الانصهار السياسي الكامل بالعقائدي. وهو ترابط يجعل منظومة الانتماء المذهبي
برمّتها قابلة للاهتزاز، بل للتقويض، كلّما اهتزّت الثقة بفكرة الإمامة ذاتها أو
ظهرت قراءات تجديدية وإصلاحية تخالف السردية المذهبية السائدة.
لا يمكن فهم قيمة مراجعات أحمد الكاتب أو مدى عمقها حتى نمرّ ولو بعجالة غير مخلّة بأسس النظرية السياسية الشيعية التقليدية أو بعبارة أصح النظرية الشيعية التي ترشّحت في العقل العلمائي والعقل العامي من جملة التراث الشيعي الغنيّ بالتنوّع وبالتناقض
وإلى جانب جملة الأخطاء السياسية التي وسمت
العشريتين الأُوليين من حكم دولة الثورة، وما صاحبهما من "اصطدامٍ فادح بين
المأمول والمحصول"، برز عاملٌ أكثر عمقًا وأشدّ تأثيرًا في تعميق فتق
"صفائح" النظرية الأثني عشرية، تمثّل في غياب الطمأنينة المذهبية لدى
بعض حملة الدعاية المذهبية، على وجه الخصوص الداعية الشيعي الاثني عشري أحمد
الكاتب، وهو الغياب الذي شكّل القادح الأكبر لتقييمات عُدّت جذرية، وأطلق حزمة
المراجعات العميقة التي جاءت لتُراكم ـ لا لتستنسخ ـ ما سبقها من مراجعات مُهِمة
للعلاّمة محمد حسين فضل الله والمفكّر الشهيد علي شريعتي.
المراجعات قوة دافعة للتجديد في المنظومات
العقائدية والسياسية
الكتاب الذي بين أيدينا والذي يحمل عنوان:
" المراجعات في الفكر الشيعي المعاصر: أحمد الكاتب نموذجًا"، هو بحث
أكاديمي في ظاهرة المراجعات الفكرية الإسلامية المعاصرة، بما هي 'قوة دافعة
للتجديد في المنظومات العقائدية والسياسية'. و يركّز البحث بشكل خاص على أعمال
الأستاذ أحمد الكاتب، الذي يقترح إعادة تقييم جذرية لأسس المذهب الشيعي عبر مساءلة
هذه الأصول من داخل النصوص والمنظومة الشيعية نفسها.
يُحلّل مؤلف الكتاب، د. صالح الأعجيلي، باحث
بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس (سيريس)، حاليّا، وباحث
بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة–تونس سابقا،
متحصّل على الدكتوراه في اللغة والآداب العربية تخصّص لغة، وعلى الدكتوراه في
العلوم الإسلامية تخصّص أصول الدين، بدقة منهجية هذه المراجعات ونتائجها، مُضمّنًا
عرضًا للنظرية الشيعية التقليدية لفهم جذرية هذه المراجعات.
ويتيح البحث تصوراً شاملاً لمراجعات أحمد
الكاتب من حيث المنهج والنتائج والصدى الكبير على كلٍّ من العلماء والعامة، مما
أثمر ملاحظات نقدية وتوجيهية إذ تعاني المراجعات الفكرية المعاصرة رغم انتشارها من
إخلالات ذاتية وتحديات موضوعية تحدّ من فعاليتها وتأثيرها في العقائد والممارسات.
يسدّ هذا العمل ثغرةً في الأدبيات النقدية
حول هذه التحوّلات العقائدية. ويتميّز بكونه يتجاوز مجرد
عرض المراجعات إلى تفكيك
أدواتها ومنهجها، لهدف فهم أفضل للديناميات الداخلية التي تُشكّل هوية العالم
الإسلامي المعاصر وتوجّهاته السياسية، وسعياً لبناء رؤية علمية تساعد في فهم أعمق
للتحولات التي تؤثر في الواقع الإسلامي المعاصر.
في أهمية الكتاب
يُبين الدكتور صالح الأعجيلي، مؤلف كتاب
"المراجعات في الفكر الشيعي المعاصر أحمد الكاتب نموذجًا"، أن مؤلفه
يستمد أهميته من ثلاثة وجوه: الوجه الأول مدارهُ أهمية فكرة المراجعات في تطوير
مسار الفكر من داخله وليس فرضًا من خارجه، فهي نقد ذاتي صادر عن وعي بأهمية عنصر
الزمن في بناء الأفكار وتنسيبها، والثاني من مجال أسس العقائد نفسها. وذلك بحكم
"اختلاط المعقول بالمتخيل في الفكر الشيعي وانصهار السياسي بالعقائدي ووراثة
الحاضر ثاراتِ الماضي".
كما يعتبر الأعجيلي أن ثالث وجوه أهمية
الكتاب هي من قيمة مراجعات أحمد الكاتب، التي تُعدّ من بين كل مثيلاتها الأكثر
جذرية، لأنها تستند إلى التراث الشيعي المؤسّس نفسه لتفكّكه من الداخل. هذا التراث
التأسيسي يتناقض جوهريا مع ما آل إليه التشيّع فكرا وممارسة في الفترات اللاحقة
خاصة منذ الدولة الصفوية.
يُعدّ كتاب الأعجيلي عملا تأسيسيّا في تشريح
هذه المراجعات وتحليلها أكاديميًا. أو بعبارة أخرى في مراجعة المراجعات، وهو تشريح
لمنهج أحمد الكاتب في مراجعاته من جهة المبادئ والتقنيات. فبحسب الأعجيلي فإنّه
"رغم تعدد ظاهرة المراجعات هذه، لا نجد دراسات مختصة تعتني بها وتفكك أدواتها
وتثمّن مساهمتها.
ولعلّ هذه الكتاب يُعدّ جزءا من الجهد الذي
يجب أن تحظى به هذه الظاهرة لدراستها دراسة علمية منضبطة". مع الإشارة إلى أن
الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه هو في الأصل رسالة ماجستير نوقشت في المعهد العالي
لأصول الدين بجامعة الزيتونة التونسية سنة 2014 وأجيز بملاحظة حسن جدّا.
أحمد الكاتب قبل أن يكون مؤلفا كان داعية شيعيا بكل ما يقتضيه الداعية المذهبي من التعرف على ثغرات الخصم والتسلّح بالحجج النقلية والعقلية. ومعلوم أن الداعية المذهبي يكون على علم بكل ما يقال في مذهبه من دعاوى وشبهات وتناقضات.
والحقيقة أن جامعة الزيتونة، عبر المعهد
الأعلى للحضارة الإسلامية، مواصلة في هذا الجهد وذلك من خلال مناقشتها أواخر سنة
2025 رسالة ماجستير بحث بعنوان: "طاعة الوليّ الفقيه والحاكم المتغلِّب في
مراجعات أحمد الكاتب"، للطالب الباحث محمد القوماني. وقد تركز بحث القوماني ـ وهو كتاب قيد الطبع وـ حول نقد أحمد الكاتب في مجمل مدوّنته التي تفوق العشر
مؤلفات، لبنية الفكر السياسي الإسلامي الواحدة، في تشكليها الشيعي والسني، ودور الفقهاء في صناعة التسلط من خلال
تأسيسهم للشرعية السياسية للحاكم على شرعية دينية بدل الشرعية الانتخابية. وبيان
أهم الحجج النقلية والعقلية التي اعتمدها الكاتب في دحض ما ساد في التراث
ومازال ممتدا في الحاضر، من تكريس الحكم
الفردي المستبد. ودفاع الكاتب في المقابل عن الشورى والديمقراطية.
محاور الكتاب
بوّب الدكتور صالح الإعجيلي مؤلفه
"المراجعات في الفكر الشيعي المعاصر أحمد الكاتب نموذجًا" إلى أربع
محاور كبرى: مهّد لها بتحديد مفهوم “المراجعات” وتبيان الفروقات بينها وبين
المناظرات والتراجعات. وقد خص المحور الأول بعرض موجز للصورة النمطية الشيعية
الإثني عشرية المعاصرة، إذ اعتبر الأعجيلي أنّ "دراسة مراجعاتٍ مَا يَفترِض
ابتداءً معرفة المادة التي ستُراجَع.
ولا يمكن فهم قيمة مراجعات أحمد الكاتب أو
مدى عمقها حتى نمرّ ولو بعجالة غير مخلّة بأسس النظرية السياسية الشيعية التقليدية
أو بعبارة أصح النظرية الشيعية التي ترشّحت في العقل العلمائي والعقل العامي من
جملة التراث الشيعي الغنيّ بالتنوّع وبالتناقض، النسخة الشيعية التقليدية التي
تنتشر صورتها النمطية في معتقدات عموم الشيعة اليوم وفي طقوسهم التعبّدية".
أما المحور الثاني وهو أساس العمل فقد اهتم بدراسة منهج أحمد الكاتب في تفكيك هذه
النظرية وهدمها ليستخلص في المحور الثالث المنتهيات النظرية لمراجعات أحمد الكاتب
وينفتح في المحور الرابع على صدى هذه المراجعات في الساحة الشيعية مراجع وعامة وفي
الساحة السنيّة أيضا.
الفصل بين الداعية والمفكر طريق أحمد الكاتب
للمراجعات
يشير الأعجيلي إلى معطى مهم يتمثل في كون
أحمد الكاتب قبل أن يكون مؤلفا كان داعية شيعيا بكل ما يقتضيه الداعية المذهبي من
التعرف على ثغرات الخصم والتسلّح بالحجج النقلية والعقلية. ومعلوم أن الداعية
المذهبي يكون على علم بكل ما يقال في مذهبه من دعاوى وشبهات وتناقضات. ولا شك أن
أحمد الكاتب وككل داعية لم يدّخر جهدا في المنافحة صادقا عن المذهب ورد الشبهات
عنه. وقد تتلمذ أحمد الكاتب على السيد محمد الشيرازي وانتمى إلى تنظيم الحركة
المرجعية أو منظمة العمل الإسلامي لاحقا بقيادة الشيرازي وقد كان يدعو إلى الفكر
الشيعي وإلى مرجعية السيد محمد الشيرازي حتى أصبح وكيلا له في الثمانينات.
ويعتبر الأعجيلي أن الفصل بين الداعية
والمفكر الحر هو استزادة في العلم وصدق في الوصول إلى الحقيقة، أي مثابرة في الدرس
وروح علمية مستقلة ولكن لا بد لكل ذلك من لحظة فارقة ناتجة عن صدمة معرفية تمسّ
بشكل مباشر ثابتا من الثوابت المذهبية تتكشف أمام الداعية ولا يجد لها جوابا. هنا
تتفتح عين المعرفة وبالتداعي الذي تحدثه شبكة ذلك الثابت المعرفية تنجلي غشاوة
الايدولوجيا والتعصب المذهبي وتنتهي حالة التلبُّس التي يعيشها الداعية مع مذهبه
فتنشأ المسافة النقدية والنسبية المعرفية. فتبدأ حالة من العودة إلى المنتهيات
المعرفية الحاصلة لديه والراسخة بين يديه فيتهيأ سياق المراجعات الفكرية وكذلك كان
أمر أحمد الكاتب.
وقد تبيّن للمؤلف خلال عملية استقراء لمنهج
أحمد الكاتب في مراجعاته للفكر الإسلامي الشيعي أنّه يعتمد على ثلاث ركائز: أولا:
الحفر في التاريخ، ثانيا: إعمال العقل في النقل وتغليب العقل عند تعارضهما، ثالثا:
مساءلة المسلّمات والجرأة على تفجيرها. وكل ركيزة تتضمّن مجموعة من التقنيات
المنهجية. فالحفر في التاريخ يعمل بتقنيات ثلاث: تقنية النصوص المنسية وتقنية
متابعة حركة الأفكار في التاريخ وتقنية إظهار التنوع المسكوت عنه، وتتضمن منهجية
تغليب المنطق العقلي على التسليم النقلي ثلاث خطوات إعمال العقل في المتن الإخباري
وإعمال التجريح في رجال السند وإعمال منهج المقارنة، أما الجرأة في سؤال المسلمات
فتتبنى استراتيجية استهداف أساس البنية الفكرية ومنتهاها النظري.
ذكاء منهجي وصرامة في التطبيق
يخلصُ الأعجيلي إلى أن الذي أحدث الفارق في
مراجعات أحمد الكاتب، مقارنة بمراجعات غيره من أعلام الشيعة الإصلاحيين هو المنهج.
وقد يكون هذا الفارق سببه وجود أحمد الكاتب في بلاد الغرب واطلاعه على المناهج
الغربية الحديثة واستعماله لها كما يُلمّح إلى ذلك حسين الموسوي صاحب كتاب
"لله...ثم للتاريخ". إلا أن الأعجيلي يستدرك بالقول إنه لا يظن أنّ هذا
سبب كاف لهذا التميّز. فقد كان العلامة السيد موسى الموسوي سابقا في الزمن لأحمد
الكاتب في معرفة الغرب جيّدا في باريس حيث أخذ شهادة دكتوراه وفي أمريكا حيث أقام
فيها مديدا وفي كثير من مدن أوروبا حيث درّس. والأمر ذاته يقال على المفكر الشهير
علي شريعتي.
لذلك يحسب أن الأمر يتعلق بعد التوفيق
الإلهي، الذي يذكره أحمد الكاتب تارة بـ"الصدفة" وطورا بـ"
القدر"، بذكاء منهجي وصرامة في التطبيق وصدق في العزيمة وشجاعة في الطرح.
وربما كان السبب هو جملة الأخطاء التي ارتكبها النظام الإسلامي الشيعي في إيران
والاصطدام بالفرق الشاسع بين المأمول والمحصول وهو أمر ذكره أحمد الكاتب في مقدمة
كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي المعاصر".
إنّ المراجعات العميقة والجذرية ليس بالأمر
الهيّن فيقوم به أيٌّ كان، ولا هي بالأمر اليومي فيقع في كل الأزمان، إنه نتيجة
لتراكم كمّي في الزمان ينتهي بزمان تنضج فيه الأفكار قابل لحضانة المفكر
المُراجِع، وفي هذا الزمان فقط يخرج على الناس عقل قد اكتملت فيه عديد أدوات
التحليل والهدم والبناء فيقوم بمراجعاته في فِعْلٍ يُماثلُ التجديد المذكور في
الحديث "إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها".
إنّ إلمام أحمد الكاتب بالآليات الثلاث:
الحفر في التاريخ وتغليب المنطق العقلي على التسليم النقلي والجرأة في سؤال
المسلمات بتفريعاتها الجزئية قد حقق فعل التجديد بالمفهوم الصفائي أي أنه نزع عن
الدين ما شابَهُ من زيادات وما أخطأته الفُهوم، الدين الذي أساسه توحيد الله وهدفه
توحيد الأمة بآلية {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.
المنتهيات النظرية لمراجعات أحمد الكاتب
أبان المؤلف الإعجيلي أهم ما رشح من مراجعات
أحمد الكاتب والتي تتعلق بالأفكار الهامة في مجال الفكر السياسي الشيعي. واعتبر أن
المراجعات الفرعية، على أهميتها، يُتَوصَّلُ إليها آليًّا عند مراجعة الفكرة
الأصلية لها. وتبرز جذرية التحوّلات التي أحدثتها المراجعات في مستوى الفكر بذكر
المُبتدى والمُنْتَهَى. فبذكر ذلك تظهر الفروق ويُستشعر طول الرحلة الفكرية والجهد
الذي صاحَبَها. ومن أهمّ منتهيات مراجعات أحمد الكاتب: من الولاية الإلهية إلى
التفويض الشعبي، ومن الغيبة إلى الحضور الحضاري المتخفّف من أوهام العودة، والتحرر
من ولاية الفقيه إلى ولاية الأمة ومن الولاية إلى الشورى.
حاول أحمد الكاتب بمراجعاته لعقائد فرق الشيعة المختلفة من بينها الفرقة الإثنا عشرية وفكرها السياسي أن يرجع بها إلى ما ثبت من عقائد في القرآن الكريم دون سواه وأن يُحَكِّمَ القرآن في كل ما سواه فما وافقه تابعناه وما خالفه فارقناه، تماما كما أوصانا الإمام جعفر الصادق
حاول أحمد الكاتب بمراجعاته لعقائد فرق
الشيعة المختلفة من بينها الفرقة الإثنا عشرية وفكرها السياسي أن يرجع بها إلى ما
ثبت من عقائد في القرآن الكريم دون سواه وأن يُحَكِّمَ القرآن في كل ما سواه فما
وافقه تابعناه وما خالفه فارقناه، تماما
كما أوصانا الإمام جعفر الصادق حين قال:" لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق
القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة.. فاتقوا الله ولا تقبلوا
علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم فإنا إذا حدثنا
قلنا: قال الله وقال رسول الله...فوالله ما نحن إلا عبيد للذي خلقنا واصطفانا، ما
نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على
الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون
وموقوفون ومسؤولون.. أشهدكم أني أمرىء ولدني رسول الله وما معي براءة من الله، إن
أطعت رحمني وإن عصيته عذبني عذابا شديدا".
صدى مراجعات أحمد الكاتب
يقول الأعجيلي إنه يمكن رصد قوّة الصدمة
بقوة ارتدادها عندما تعترض شيئا لا يُختَرَق. والمراجعات في هذا الشأن تُرصَد
جذريّتها بقوة ردّات الفعل ممن لا يقبل بنتائج تلك المراجعات. كما يمكن تتبع آراء
المساندين لروح المراجعات في الفكر السياسي الشيعي من علماء الشيعة ومراجعهم
ويُنبّه إلى جملة التمايُزات داخل التيار الإصلاحي الواحد. وقد بدا هذا الجزء من
البحث أشبه بسبر آراء ميداني محوره الموقف من مراجعات أحمد الكاتب في الفكر
السياسي الشيعي.
لكن على أهمية حركة المراجعات الشجاعة التي
قام بها أحمد الكاتب، يرى الأعجيلي أن المراجعات في الفكر الإسلامي المعاصر أصبحت
أمرا دارجا وعادة متّبعة. غير أنّ هذه المراجعات تكتنفها إخلالات وقصور ذاتي
وتحديات وعراقيل موضوعية. من أهم هذه العراقيل ما أسماها بالإخلالات والقصور
الذاتي. فرغم أهمية الكتاب وقوة حجته الدامغة فإنّ صدوره عن شخص أحمد الكاتب الذي
مهما علا كعبه في المنظومة الشيعية لم يكن مأثرا كثيرا لعدم صدوره عن مرجعية مشهود
لها وذات شهرة. إذ إنّ طلبة العلم والعامة وحتى كثير من المراجع لا يزالون أسرى
التراتبية التقليدية العلمية.
ويضيف الأعجيلي بالقول إنّ العمل الفكري
مهما كان عميقا لا يمكن له أن يُثمر بسرعة وعلى نطاق واسع ويُثبّت إنجازاته إلا
بتبني حركة سياسية أو اجتماعية أو علمية ذات قوّة في العدد والعدّة. وإنّ
المراجعات العميقة لأحمد الكاتب لم يكن لها أن تتعثّر لولا القصور الثاني لأحمد
الكاتب الذي فضّل أن يُناضل، أو هكذا وجد نفسه، دون طوق يُسوّق له أو يعمل على
إخراج هذه المراجعات الفكرية إلى أعمال يومية ذات أبعاد اعتقادية وتعبّدية وذات
آثار اجتماعية وسياسية في التاريخ. كما أن أحمد الكاتب لم يُمهّد لهذه المراجعات
التأصيليّة والرادكالية بأعمال فكرية مُخفّفة تُعِدُّ الساحة الثقافية والمزاج
الفكري العام لقبول النظر في الاعتقادات الراسخة ومراجعتها. لقد جاء هذا العمل
كحجر ضخم رُمِيَ به في بركة آسنة راكدة فأحدثتْ الضجّة والقلق ولكن عادت البركة
بعد ذلك راكدة.
إنّ العمل الفكريّ الذي يبتغي تغيير العادات
والمعتقدات يجب أن يتوخّى الحذر من أن يُرفض نفسيّا مِن قِبَلِ المستهدَفين بهذا
العمل الفكري. فإذا حصل هذا الرفض النفسي بشكل عفويّ أو نتيجة حملة تشويه منظمة
فالحاصل واحد وهو عدم قراءة من نريد أن يقرؤوا هذه المراجعات والفكر الجديد.
لماذا لم تحظ مراجعات أحمد الكاتب بنفس
اهتمام مراجعات لوثر كينغ؟
يرى الإعجيلي أن من سوء حظ أحمد الكاتب أن
مراجعاته في الفكر السياسي الشيعي المعاصر جاءت في فترة جذوة التطبيق
الزمني-السياسي للنظرية الشيعية السياسية. والشيعة في العالم وخاصة في الدولة
الشيعية الوحيدة المعاصرة يتوجّسون خيفة من كل نقد أو تعديل أو مراجعة. فيُخيّلُ
إليهم أنّ هذه المراجعات إنما هي تقهقرٌ لإيمانهم الصافي في آل البيت. كما أن
المراجعات في أحيان كثيرة لا تنضج أوّلاً حتى تصل التجربة العملية للنظرية إلى
أنفاق مسدودة واتساع الشقة بين الحلم والواقع، بين المأمول والمحصول. ولعلّ
مراجعات أحمد الكاتب ذاتها كانت نتيجة لخيبة أمل شخصية في النموذج الإيراني الحالي
المجسّم لنظرية ولاية الفقيه المطلقة التي تنحُوا إلى أن تصبح نموذجا دكتاتوريا
بغلاف ديني. غير أنّ هذه الحالة التي وصل إليها أحمد الكاتب من قراءة لواقع حال
إيران كان إدراكا طلائعيا ليس منتشرا على نطاق واسع لعلّ الحراك الإصلاحي الحالي
والصراع الانتخابي، بين القوى التقليدية والقوى الإصلاحية في الانتخابات الإيرانية
وحتى العراقية، تُعبّر عن حالة من الوعي تنتشر على مهل في الشارع الشيعي الإيراني
والعراقي كان قد وعاها أحمد الكاتب منذ سنين خلت.
لأجل ذلك، يرى الأعجيلي أن مراجعات أحمد
الكاتب لا تزال في حاجة إلى واقع شيعي أكثر نضجا ووعيا ليكون مستعدّا لتقبّلها.
وقديما قال دريد بن الصمة أخو هوازن، وقد استشهد به علي بن أبي طالب في تصوير حاله
مع شيعته في خطبة له: أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فَلَمْ
يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ. كما يعتبر الأعجيلي أن مراجعات
مارتن لوثر، للعقائد المسيحية استطاعت أن تحقق تغييرا في قطاع واسع من عامة
المسيحيين، إلا أن ذلك ما كان ليتحقق لولا تَبنّي الملك، السلطة السياسية في
انجلترا، لهذه المراجعات لأسباب قومية ولرغبة إنجلترا في التمايز عن فرنسا وأوروبا
عموما مدفوعة بنوازع شخصية للملك معلومة في التاريخ.
إنّ المراجعات العميقة لأحمد الكاتب لم يكن لها أن تتعثّر لولا القصور الثاني لأحمد الكاتب الذي فضّل أن يُناضل، أو هكذا وجد نفسه، دون طوق يُسوّق له أو يعمل على إخراج هذه المراجعات الفكرية إلى أعمال يومية ذات أبعاد اعتقادية وتعبّدية وذات آثار اجتماعية وسياسية في التاريخ.
فعلى أهمية حركة المراجعات الشجاعة التي قام
بها أحمد الكاتب، يرى الأعجيلي أن المراجعات في الفكر الإسلامي المعاصر أصبحت أمرا
دارجا وعادة متّبعة. غير أنّ هذه المراجعات تكتنفها إخلالات وقصور ذاتي وتحديات
وعراقيل موضوعية. من أهم هذه العراقيل ما أسماها بالإخلالات والقصور الذاتي. فرغم
أهمية الكتاب وقوة حجته الدامغة فإنّ صدوره عن شخص أحمد الكاتب الذي مهما علا كعبه
في المنظومة الشيعية لم يكن مأثرا كثيرا لعدم صدوره عن مرجعية مشهود لها وذات
شهرة. إذ إنّ طلبة العلم والعامة وحتى كثير من المراجع لا يزالون أسرى التراتبية التقليدية
العلمية.
ويضيف الأعجيلي بالقول إنّ العمل الفكري
مهما كان عميقا لا يمكن له أن يُثمر بسرعة وعلى نطاق واسع ويُثبّت إنجازاته إلا
بتبني حركة سياسية أو اجتماعية أو علمية ذات قوّة في العدد والعدّة. وإنّ
المراجعات العميقة لأحمد الكاتب لم يكن لها أن تتعثّر لولا القصور الثاني لأحمد
الكاتب الذي فضّل أن يُناضل، أو هكذا وجد نفسه، دون طوق يُسوّق له أو يعمل على
إخراج هذه المراجعات الفكرية إلى أعمال يومية ذات أبعاد اعتقادية وتعبّدية وذات
آثار اجتماعية وسياسية في التاريخ. كما أن أحمد الكاتب لم يُمهّد لهذه المراجعات
التأصيليّة والرادكالية بأعمال فكرية مُخفّفة تُعِدُّ الساحة الثقافية والمزاج
الفكري العام لقبول النظر في الاعتقادات الراسخة ومراجعتها. لقد جاء هذا العمل
كحجر ضخم رُمِيَ به في بركة آسنة راكدة فأحدثتْ الضجّة والقلق ولكن عادت البركة
بعد ذلك راكدة.
إنّ العمل الفكريّ الذي يبتغي تغيير العادات
والمعتقدات يجب أن يتوخّى الحذر من أن يُرفض نفسيّا مِن قِبَلِ المستهدَفين بهذا
العمل الفكري. فإذا حصل هذا الرفض النفسي بشكل عفويّ أو نتيجة حملة تشويه منظمة
فالحاصل واحد وهو عدم قراءة من نريد أن يقرؤوا هذه المراجعات والفكر الجديد.
لماذا لم تحظ مراجعات أحمد الكاتب بنفس
اهتمام مراجعات لوثر كينغ ؟
يرى الإعجيلي أن من سوء حظ أحمد الكاتب أن
مراجعاته في الفكر السياسي الشيعي المعاصر جاءت في فترة جذوة التطبيق
الزمني-السياسي للنظرية الشيعية السياسية. والشيعة في العالم وخاصة في الدولة
الشيعية الوحيدة المعاصرة يتوجّسون خيفة من كل نقد أو تعديل أو مراجعة. فيُخيّلُ
إليهم أنّ هذه المراجعات إنما هي تقهقرٌ لإيمانهم الصافي في آل البيت.
كما أن المراجعات في أحيان كثيرة لا تنضج
أوّلاً حتى تصل التجربة العملية للنظرية إلى أنفاق مسدودة واتساع الشقة بين الحلم
والواقع، بين المأمول والمحصول. ولعلّ مراجعات أحمد الكاتب ذاتها كانت نتيجة لخيبة
أمل شخصية في النموذج الإيراني الحالي المجسّم لنظرية ولاية الفقيه المطلقة التي
تنحُوا إلى أن تصبح نموذجا دكتاتوريا بغلاف ديني.
غير أنّ هذه الحالة التي وصل إليها أحمد
الكاتب من قراءة لواقع حال إيران كان إدراكا طلائعيا ليس منتشرا على نطاق واسع
لعلّ الحراك الإصلاحي الحالي والصراع الانتخابي، بين القوى التقليدية والقوى
الإصلاحية في الانتخابات الإيرانية وحتى العراقية، تُعبّر عن حالة من الوعي تنتشر
على مهل في الشارع الشيعي الإيراني والعراقي كان قد وعاها أحمد الكاتب منذ سنين
خلت.
لأجل ذلك، يرى الأعجيلي أن مراجعات أحمد
الكاتب لا تزال في حاجة إلى واقع شيعي أكثر نضجا ووعيا ليكون مستعدّا لتقبّلها.
وقديما قال دريد بن الصمة أخو هوازن، وقد استشهد به علي بن أبي طالب في تصوير حاله
مع شيعته في خطبة له: أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى.. فَلَمْ
يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ. كما يعتبر الأعجيلي أن مراجعات
مارتن لوثر، للعقائد المسيحية استطاعت أن تحقق تغييرا في قطاع واسع من عامة
المسيحيين، إلا أن ذلك ما كان ليتحقق لولا تَبنّي الملك، السلطة السياسية في
انجلترا، لهذه المراجعات لأسباب قومية ولرغبة إنجلترا في التمايز عن فرنسا وأوروبا
عموما مدفوعة بنوازع شخصية للملك معلومة في التاريخ.