عنوان الكتاب: دراسات إسلامية وقرآنية:
مستقبل الدراسات الإسلامية، قراءات المصحف، تأويل الآيات القرآنية
المؤلف : تاليف جماعي
الناشر : مؤمنون لا حدود
سنة النشر : 2025
تمثّل هذه القراءة الجزء الأول من قراءة
نقدية خاصة ينشرها موقع "عربي21"، يقدّمها الكاتب والباحث التونسي عامر
عيّاد، وتتخذ من كتاب "دراسات إسلامية وقرآنية: مستقبل الدراسات الإسلامية،
قراءات المصحف، تأويل الآيات القرآنية" الصادر سنة 2025 عن مركز مؤمنون بلا
حدود، وهو عمل جماعي ـ موضوعًا لها. وتندرج هذه القراءة ضمن اشتغال فكري يسعى إلى
مساءلة التحولات العميقة التي يشهدها حقل الدراسات الإسلامية المعاصرة، لا من
زاوية عرض الأطروحات فحسب، بل من منظور نقدي إبستمولوجي يتقصّى منطلقاتها الفلسفية
ومآلاتها المعرفية.
وينطلق هذا الجزء الأول من تفكيك الإطار
العام للمشروع الذي يقترحه الكتاب، محللًا أطروحته المركزية وخياراته المنهجية في
مقاربة النص القرآني، وما تنطوي عليه من رهانات تتجاوز التقنيات التأويلية إلى
إعادة تعريف موقع القرآن نفسه داخل بنية المعرفة الإسلامية وحدودها ووظيفتها.
قلق منهجي ومعرفي عميق
تشهد الدراسات الإسلامية المعاصرة، منذ
عقود، حالة من القلق المنهجي والمعرفي العميق، ناجمة عن تداخل عوامل متعددة: من
جهة، تراكم الأسئلة الحديثة حول التاريخ، والنص، والمعنى، والتأويل؛ ومن جهة أخرى،
تعثر محاولات التجديد الداخلي لعلوم التراث في تقديم أجوبة مقنعة عن إشكالات
الحداثة المعرفية دون الوقوع في أحد طرفي النقيض: إما الانغلاق الدفاعي، أو
التفكيك الجذري للأسس المرجعية. وفي هذا السياق المأزوم، تكاثرت المشاريع التي
ترفع شعار “تجديد الدراسات الإسلامية” أو “إعادة تأسيس الإسلاميات”، وغالبًا ما
استندت في ذلك إلى استيراد مناهج التاريخانية والهرمنيوطيقا والنقد النصي من
الحقول الغربية الحديثة.
لطموح المعلن إلى التحديث المنهجي يطرح، في العمق، جملة من الأسئلة التي تتجاوز مستوى التقنيات الإجرائية إلى مستوى الأسس الإبستمولوجية نفسها: ما التصور الضمني للنص القرآني الذي يحكم هذا المشروع؟ وما مفهوم الوحي والمعنى والحقيقة الذي يُبنى عليه؟ وهل نحن أمام محاولة لتجديد علوم القرآن من داخل منطقها المعرفي الخاص، أم أمام اقتراح لإعادة تأسيس حقل الدراسات الإسلامية برمته داخل براديغم مغاير لمنطقه التأسيسي؟
يندرج كتاب "مستقبل الدراسات
الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية"، الصادر عن مركز مؤمنون
بلا حدود، ضمن هذا الأفق الإشكالي العام، بوصفه محاولة جماعية لإعادة التفكير في
موقع النص القرآني داخل حقل الدراسات الإسلامية، وفي كيفية مقاربته منهجيًا في ضوء
ما يعتبره مؤلفوه تحولات كبرى في العلوم الإنسانية وفلسفة التأويل. ويقترح الكتاب،
من خلال مقالاته المختلفة، نقل الاشتغال على القرآن من أفق تقليدي مؤسس على علوم
القرآن وأصول التفسير، إلى أفق تاريخي ـ نقدي وتأويلي، يجعل من "القراءة"
و"السياق" و"تعدد المعنى" مفاتيح مركزية لفهم النص.
غير أن هذا الطموح المعلن إلى التحديث
المنهجي يطرح، في العمق، جملة من الأسئلة التي تتجاوز مستوى التقنيات الإجرائية
إلى مستوى الأسس الإبستمولوجية نفسها: ما التصور الضمني للنص القرآني الذي يحكم
هذا المشروع؟ وما مفهوم الوحي والمعنى والحقيقة الذي يُبنى عليه؟ وهل نحن أمام
محاولة لتجديد علوم القرآن من داخل منطقها المعرفي الخاص، أم أمام اقتراح لإعادة
تأسيس حقل الدراسات الإسلامية برمته داخل براديغم مغاير لمنطقه التأسيسي؟
إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في مضامينه
التفصيلية حول قراءات المصحف أو تأويل الآيات، بل في كونه يعبر، بشكل نموذجي، عن
اتجاه واسع في الفكر العربي المعاصر يسعى إلى إعادة موضعة القرآن داخل أفق العلوم
الإنسانية الحديثة، وهو اتجاه يمتد، بدرجات مختلفة، من مشاريع محمد أركون ونصر
حامد أبو زيد إلى أطروحات تاريخانية وتأويلية أحدث. ومن ثم، فإن مناقشة هذا الكتاب
لا تعني الاشتباك مع عمل معزول، بل مع خيار فكري ومنهجي آخذ في الترسخ داخل حقل "الإسلاميات
المعاصرة".
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة نقدية
تحليلية لهذا العمل، لا تكتفي بعرض أطروحاته، بل تسعى إلى تفكيك منطلقاته الفلسفية
والإبستمولوجية، ومساءلة نتائجه المعرفية. وسنحاول، من خلال ذلك، اختبار الفرضية
القائلة بأن الكتاب، رغم
خطابه التحديثي، لا يكتفي بتطوير أدوات قراءة النص، بل
ينخرط ـ موضوعيًا ـ في إعادة تعريف موقع القرآن ذاته داخل بنية المعرفة، بما يترتب
عن ذلك من تحولات عميقة في مفهوم الدراسات الإسلامية وحدودها ووظيفتها.
وعلى هذا الأساس، ستنطلق هذه المراجعة من
تحليل تصور الكتاب لمستقبل الدراسات الإسلامية، ثم تفحص مقاربته لمسألتي قراءات
المصحف وتأويل الآيات، قبل أن تنتقل إلى نقد منطلقاته ونتائجه، ووضعه داخل الخريطة
العامة لمشاريع التجديد في الفكر العربي المعاصر.
أولًا ـ أطروحة الكتاب المركزية وإطاره
العام
لا يقدّم كتاب "مستقبل الدراسات
الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية" نفسه بوصفه مجرد مجموعة
دراسات متفرقة في قضايا جزئية تتصل بالنص القرآني، بل يحرص، منذ عتباته الأولى،
على الظهور كمشروع فكري يروم إعادة رسم أفق حقل الدراسات الإسلامية برمته.
فالعنوان ذاته يحيل بوضوح إلى أن الرهان لا يقتصر على مناقشة إشكالات تقنية تتعلق
بالقراءات أو بالتأويل، بل يتجاوزها إلى مساءلة الإطار المعرفي الذي تُدرس داخله
النصوص المؤسسة للإسلام.
ينطلق الكتاب من تشخيص عام مفاده أن
الدراسات الإسلامية، في صيغتها التقليدية، قد استنفدت إمكاناتها المعرفية، وأنها
ظلت، في معظم إنتاجها، حبيسة مناهج معيارية-نقلية تفترض ثبات النص والمعنى،
وتتعامل مع القرآن بوصفه موضوعًا مغلقًا داخل منظومة عقدية سابقة على البحث. وفي
مقابل ذلك، يدعو مؤلفو الكتاب إلى إدخال النص القرآني إدخالًا كاملًا في أفق البحث
التاريخي والنقدي، والتعامل معه بوصفه خطابًا تشكل داخل سياقات لغوية وثقافية
وتاريخية محددة، ولا يمكن فهمه ـ بحسب هذا التصور ـ إلا عبر تفكيك تلك السياقات
وإعادة تركيبها تأويليًا.
وعلى هذا الأساس، تتحدد أطروحة الكتاب
المركزية في الدعوة إلى نقل الدراسات القرآنية من منطق “علوم القرآن” إلى منطق
“علم النص” الحديث، أي من حقل معرفي معياري ينطلق من مسلمات عقدية حول قداسة النص
واكتماله، إلى حقل تحليلي-تاريخي يتعامل مع المصحف باعتباره corpus نصيًا مفتوحًا على التعدد والتاريخ
والتأويل. ومن هنا يتكرر في مقالات الكتاب التأكيد على مفاهيم من قبيل: "القراءة"،
و"التاريخ"، و"السياق"، و"التعدد الدلالي"، بوصفها
مفاتيح بديلة لفهم النص القرآني خارج الأطر التفسيرية الكلاسيكية.
وفي هذا السياق، لا تُطرح مسألة “قراءات
المصحف” باعتبارها مجرد علم من علوم الأداء أو وجوه الاختلاف اللغوي، بل تُستثمر
بوصفها مدخلًا لإبراز تاريخية النص في تشكله وتداوله وتثبيته، وكذلك لإعادة مساءلة
فكرة الوحدة النصية المغلقة. كما لا يُقدَّم "التأويل" باعتباره
اجتهادًا في فهم معنى ثابت، بل باعتباره عملية إنتاج للمعنى داخل أفق تاريخي
وثقافي متحول، تكون فيها ذات القارئ والسياق المعرفي عنصرين حاسمين في تشكيل
الدلالة.
إذا كان كتاب "مستقبل الدراسات الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية" يقدّم نفسه بوصفه اقتراحًا لتجديد مناهج الاشتغال على النص القرآني، فإن هذا التجديد لا يمكن فهمه على مستواه الإجرائي فقط، بل يستدعي، بالضرورة، تفكيك الإطار الإبستمولوجي العميق الذي يمنحه معناه واتجاهه. ذلك أن اختيار المناهج ليس مسألة تقنية بريئة، بل هو، في كل الأحوال، تعبير عن تصور مخصوص للحقيقة، وللنص، وللتاريخ، وللعلاقة بين المعرفة وموضوعها.
ومن خلال هذا التحول المفاهيمي، يسعى الكتاب
إلى ترسيخ قناعة مفادها أن مستقبل الدراسات الإسلامية لن يكون ممكنًا إلا عبر
القطيعة مع النموذج التراثي في التعامل مع النص، واعتماد نموذج جديد يستلهم مناهج
اللسانيات الحديثة، والهرمنيوطيقا، والنقد التاريخي، وفلسفة التأويل. وهو ما يعني،
في العمق، أن الرهان الحقيقي ليس تطوير بعض أدوات القراءة، بل إعادة تعريف موضوع
الدراسات الإسلامية نفسه: من نص مقدس ذي معنى معياري سابق على البحث، إلى خطاب
تاريخي مفتوح على إمكانات لا نهائية من القراءة وإعادة القراءة.
غير أن هذا المشروع، في صيغته التي يقترحها
الكتاب، يثير منذ الوهلة الأولى توترًا عميقًا بين خطاب التحديث المنهجي ومآلاته
الإبستمولوجية. إذ إن نقل النص القرآني إلى أفق "النصوص التاريخية" لا
يترتب عنه فقط توسيع أدوات التحليل، بل يستبطن ـ بالضرورة ـ إعادة صياغة العلاقة
بين الوحي والتاريخ، وبين المعنى والحقيقة، وبين النص وسلطته المعيارية. ومن هنا،
فإن أطروحة الكتاب لا يمكن قراءتها قراءة تقنية محايدة، بل بوصفها اقتراحًا لتحول
براديغمي شامل في طبيعة الدراسات الإسلامية ووظيفتها.
ثانيًا ـ في التصور الإبستمولوجي الحاكم
للمشروع
إذا كان كتاب "مستقبل الدراسات
الإسلامية: قراءات المصحف وتأويل الآيات القرآنية" يقدّم نفسه بوصفه اقتراحًا
لتجديد مناهج الاشتغال على النص القرآني، فإن هذا التجديد لا يمكن فهمه على مستواه
الإجرائي فقط، بل يستدعي، بالضرورة، تفكيك الإطار الإبستمولوجي العميق الذي يمنحه
معناه واتجاهه. ذلك أن اختيار المناهج ليس مسألة تقنية بريئة، بل هو، في كل
الأحوال، تعبير عن تصور مخصوص للحقيقة، وللنص، وللتاريخ، وللعلاقة بين المعرفة
وموضوعها.
يشتغل الكتاب، في مجمله، داخل أفق معرفي
يمكن وصفه بأنه أفق تاريخاني–تأويلي، يجعل من التاريخ ليس مجرد سياق خارجي للفهم،
بل أفقًا حاكمًا لإمكان المعنى ذاته. فالنص القرآني، وفق هذا التصور الضمني، لا
يُنظر إليه بوصفه حاملًا لمعنى متعالٍ سابق على القراءة، بل بوصفه خطابًا تشكّل
داخل شروط لغوية وثقافية محددة، ولا يمكن إدراك دلالته إلا عبر إعادة إدماجه في
تلك الشروط أو في شروط مماثلة لها. وبهذا المعنى، يصبح التاريخ ليس مجرد أداة
للفهم، بل شرطًا قبليًا لإمكان الفهم.
ويتصل بهذا مباشرة تصور مخصوص لمفهوم النص
نفسه. فالنص القرآني لا يُفهم، في أفق الكتاب، بوصفه نصًا مؤسسًا ذا وضع معرفي
استثنائي، بل يُدرج، من حيث المبدأ المنهجي، ضمن عائلة "النصوص" التي
تخضع لقوانين التحليل اللساني والتاريخي والتأويلي نفسها. صحيح أن الخطاب لا ينكر
بالضرورة خصوصية القرآن على المستوى الإيماني، لكنه، في مستوى الاشتغال العلمي،
يتعامل معه كما لو كانت هذه الخصوصية غير ذات صلة بالمنهج، أو ينبغي تعليقها
تعليقًا كاملًا باسم الموضوعية العلمية.
أما على مستوى مفهوم المعنى، فيمكن القول إن
الكتاب يتبنى ـ صراحة أو ضمنًا ـ تصورًا لاجوهرانيًا للدلالة: فالمعنى ليس معطًى
ثابتًا مودَعًا في النص، بل هو نتاج تفاعل دائم بين النص والقارئ والسياق. ومن ثم،
لا يعود التأويل عملية كشف عمّا هو موجود سلفًا، بل يصبح عملية إنتاج للمعنى داخل
أفق تاريخي متحوّل. وهذا ما يفسر الإلحاح المتكرر في مقالات الكتاب على مفاهيم "تعدد
القراءات" و"انفتاح الدلالة" و"لا نهائية المعنى".
غير أن هذا التصور للمعنى لا ينفصل عن تصور
أعمّ للحقيقة نفسها. فالحقيقة، في هذا الأفق، لا تُفهم بوصفها تطابقًا بين الذهن
وموضوع ثابت، بل بوصفها أفقًا تأويليًا متغيرًا، يتشكل تاريخيًا، ولا يمكن القبض
عليه إلا في صيغ نسبية ومؤقتة. وبذلك، تنتقل الدراسات القرآنية ـ من حيث لا يصرّح
الكتاب دائمًا ـ من منطق الحقيقة المعيارية إلى منطق المعنى المتحوّل.
ويبدو هذا الخيار الإبستمولوجي متسقًا مع
الخلفية الفلسفية التي يستلهم منها الكتاب أدواته، أي خلفية الهرمنيوطيقا الفلسفية
والتاريخانية الحديثة، حيث لا يوجد نص بريء من القراءة، ولا معنى خارج شروط إنتاجه
وفهمه. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يصلح هذا الأفق المعرفي ـ
كما هو ـ ليكون إطارًا حاكمًا لدراسة نص مؤسس ديني دون أن يفضي إلى تحويل جذري في
طبيعته ووظيفته؟
إن الإشكال لا يكمن فقط في اعتماد أدوات
حديثة، بل في أن هذه الأدوات محمولة على تصورات فلسفية مخصوصة حول الإنسان،
والتاريخ، والحقيقة، وهي تصورات نشأت في سياقات فكرية وثقافية مغايرة تمامًا لسياق
تشكل النص القرآني ووظيفته في الوعي الإسلامي. ومن ثم، فإن استيرادها دون تفكيك
نقدي لشروطها وحدودها يجعلها تتحول من أدوات تحليل إلى إطار معياري خفي يعاد من
خلاله تعريف النص ووضعه المعرفي.
إن الإشكال لا يكمن فقط في اعتماد أدوات حديثة، بل في أن هذه الأدوات محمولة على تصورات فلسفية مخصوصة حول الإنسان، والتاريخ، والحقيقة، وهي تصورات نشأت في سياقات فكرية وثقافية مغايرة تمامًا لسياق تشكل النص القرآني ووظيفته في الوعي الإسلامي.
وبعبارة أخرى، لا يكتفي الكتاب بتقديم قراءة
جديدة للقرآن، بل يفترض ـ في العمق ـ نقلة في مفهوم المعرفة الدينية نفسه: من
معرفة مؤسَّسة على مركزية الوحي والمعنى المتجاوز للتاريخ، إلى معرفة تؤطرها
تاريخية الفهم ونسبية الدلالة وأولوية القارئ والسياق. وهذا التحول، مهما قُدّم
بعبارات تقنية هادئة، يظل تحولًا براديغميًا كامل الأبعاد، لا مجرد تطوير في أدوات
البحث.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيظل يرافق بقية
هذه المراجعة هو: هل نجح الكتاب في تبرير هذا التحول الإبستمولوجي تبريرًا فلسفيًا
ومعرفيًا صريحًا، أم أنه يمرّره بوصفه نتيجة بديهية لـ "التحديث" و"المعاصرة"
دون مساءلة حقيقية لكلفته المعرفية واللاهوتية؟
ثالثًا ـ في قراءة الكتاب لمسألة "قراءات
المصحف"
تحتل مسألة "قراءات المصحف"
موقعًا محوريًا في بنية الكتاب، لا بوصفها موضوعًا تقنيًا من موضوعات علوم القرآن،
بل باعتبارها مدخلًا إشكاليًا لإعادة التفكير في علاقة النص القرآني بتاريخ تشكله
وتداوله وتثبيته. فبدل أن تُتناول القراءات ضمن أفقها الكلاسيكي، بوصفها وجوهًا
أداءية ولسانية لنص واحد محفوظ في بنيته، يجري توظيفها داخل الكتاب كقرينة على
تعددية النص، أو على الأقل على انفتاحه البنيوي على الاختلاف منذ لحظة تشكله
الأولى.
ينطلق عدد من إسهامات الكتاب من إعادة طرح
الأسئلة المتعلقة بجمع المصحف، وتاريخ تدوينه، وعلاقته بالذاكرة الشفوية، وبسياقات
الضبط والتقنين التي رافقت تشكل النص المكتوب. وفي هذا السياق، لا تُعرض هذه
المعطيات بوصفها مسائل تاريخية محايدة، بل تُدمج ضمن سردية أوسع تهدف إلى إظهار أن
ما نعتبره اليوم “نصًا مستقرًا” هو في الواقع حصيلة مسار تاريخي معقد، تدخلت فيه
اختيارات بشرية، وسلطات معرفية وسياسية، وآليات إقصاء وترجيح.
ومن خلال هذا المنظور، تُقرأ القراءات
القرآنية لا باعتبارها تنوعًا مضبوطًا داخل وحدة النص، كما هو الشأن في علوم
القراءات الكلاسيكية، بل بوصفها أثرًا من آثار تعددية أعمق تمس بنية النص نفسها
وعلاقته بالتاريخ. وبذلك، تتحول القراءات من علم يُعنى بضبط الأداء وتوثيق وجوهه،
إلى أداة إشكالية تُستثمر في مساءلة فكرة "النص الواحد" و"المصحف
المغلق".
غير أن هذا التحول في زاوية النظر لا يخلو
من دلالة إبستمولوجية عميقة. فهو يفترض، ضمنًا، أن التعدد في القراءة لا يقتصر على
مستوى التلفظ أو اللسان، بل يمتد إلى مستوى البنية النصية ذاتها، وأن تاريخ
التدوين ليس مجرد تاريخ حفظ وتثبيت، بل تاريخ تشكل واختيار وإقصاء. ومن هنا، يُعاد
إدراج النص القرآني داخل أفق “تاريخ النصوص” كما تشكل في الدراسات الكتابية
الغربية، حيث تُفهم النصوص المؤسسة بوصفها نتاج عمليات تحرير وتجميع وتقنين طويلة.
ويُلاحظ أن الكتاب، في هذا الباب، لا يتعامل
مع التراث الإسلامي في علوم القراءات بوصفه نسقًا معرفيًا له منطقه الداخلي
ومفاهيمه الخاصة في فهم التعدد والوحدة والحفظ، بل يميل إلى قراءته قراءة تفكيكية،
تُبرز توتراته الداخلية أكثر مما تُبرز منطقه المنهجي الخاص. فالمفاهيم الكلاسيكية
مثل التواتر، والرسم، والضبط، والعرضة الأخيرة، لا تُستثمر لإعادة بناء تصور داخلي
لوحدة النص وتعدديته، بل غالبًا ما تُستحضر بوصفها عناصر داخل سردية تاريخية أوسع
تُشكك في بداهة الاستقرار النصي.
والنتيجة أن مسألة "قراءات المصحف"
تتحول، في أفق الكتاب، من علم يشتغل داخل فرضية حفظ النص ووحدته، إلى حقل إشكالي
يُستثمر لإعادة طرح سؤال النص نفسه: هل نحن أمام نص مغلق ومستقر، أم أمام corpus مفتوح تشكل
عبر طبقات تاريخية متعددة؟
غير أن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه هنا
هو: هل يميّز الكتاب، بشكل كافٍ، بين تاريخية التدوين وتاريخية النص من حيث هو
وحي؟ وهل ينجح في تفادي الخلط بين تعدد وجوه الأداء داخل نص واحد، وبين فرضية
تعددية نصية تمس جوهر المصحف ذاته؟ أم أن الاشتغال على القراءات يُستثمر، في كثير
من الأحيان، داخل أفق تأويلي مُسبق، يجعل منها مجرد شاهد يُساق لتأكيد أطروحة
تاريخانية أوسع؟
بهذا المعنى، لا تبدو معالجة الكتاب لمسألة
القراءات بريئة إبستمولوجيًا، بل منخرطة داخل مشروع عام يروم إعادة تعريف طبيعة
النص القرآني وحدود استقراره ومعياريته. وهو ما يجعل هذا المحور تمهيدًا مباشرًا
للانتقال إلى القضية الثانية الأكثر حساسية: قضية التأويل وحدود المعنى في قراءة
الآيات القرآنية.
رابعًا ـ في تصور الكتاب لمفهوم تأويل
الآيات
إذا كانت معالجة الكتاب لمسألة "قراءات
المصحف" تكشف عن ميل واضح إلى إدراج النص القرآني داخل أفق تاريخ النصوص، فإن
مقاربته لمسألة "تأويل الآيات" تمثل التعبير الأكثر اكتمالًا عن خياره
الهرمنيوطيقي العام. فالتأويل، في أفق هذا العمل، لا يُفهم بوصفه جهدًا منهجيًا
يروم ترجيح معنى منضبط داخل حدود دلالية محددة، بل يُعاد تعريفه بوصفه عملية
مفتوحة لإنتاج المعنى داخل شروط تاريخية وثقافية متغيرة.
تنطلق كثير من إسهامات الكتاب من مسلّمة
أساسية مفادها أن النص، من حيث هو نص، لا يتكلم بذاته، وأن المعنى لا يوجد فيه على
نحو قبلي جاهز، بل يتشكل دائمًا في فضاء التفاعل بين النص والقارئ والسياق. ومن
ثم، لا تعود مهمة المفسر هي الكشف عن “مراد إلهي” مفترض سابق على القراءة، بل بناء
دلالة ممكنة داخل أفق تاريخي معين. وبهذا المعنى، يُنزَع عن التفسير طابعه الكاشف،
ويُعاد تعريفه بوصفه ممارسة تأويلية خالقة للمعنى.
ويتقاطع هذا التصور بوضوح مع أطروحات
الهرمنيوطيقا الفلسفية الحديثة، من شلايرماخر ودلتاي إلى غادامير وريكور، حيث لا
وجود لمعنى خالص خارج تاريخ الفهم، ولا لإمكان القبض النهائي على دلالة مستقرة
للنص. غير أن الكتاب لا يكتفي باستلهام هذه الخلفية، بل يعمل على إسقاطها، في كثير
من الأحيان، على النص القرآني دون مساءلة كافية للفارق الجوهري بين نص ديني مؤسس
ونصوص الثقافة والتاريخ.
وفي هذا الإطار، يُعاد بناء العلاقة بين
القارئ والنص على نحو يجعل القارئ عنصرًا مركزيًا في تشكيل الدلالة، لا مجرد
متلقٍّ لها. فالسياق المعاصر، وأسئلة الحاضر، وأفق انتظار القارئ، كلها تصبح
مكونات مشروعة ـ بل حاسمة ـ في عملية الفهم. ومن ثم، لا يعود تعدد التفاسير مجرد
تنوع في زوايا النظر داخل معنى مضبوط، بل يصبح تعبيرًا عن تعددية دلالية لا يمكن
اختزالها في مرجعية واحدة.
السياق المعاصر، وأسئلة الحاضر، وأفق انتظار القارئ، كلها تصبح مكونات مشروعة ـ بل حاسمة ـ في عملية الفهم. ومن ثم، لا يعود تعدد التفاسير مجرد تنوع في زوايا النظر داخل معنى مضبوط، بل يصبح تعبيرًا عن تعددية دلالية لا يمكن اختزالها في مرجعية واحدة.
ويترتب عن هذا الخيار التأويلي تحول عميق في
مفهوم الحقيقة الدلالية للنص. فبدل أن تُفهم الحقيقة بوصفها مقصدًا يمكن الاقتراب
منه عبر أدوات منهجية منضبطة، تُعاد صياغتها بوصفها أفقًا مفتوحًا من المعاني
الممكنة، لا يملك أيٌّ منها امتيازًا نهائيًا على غيره إلا بقدر ما يكتسبه داخل
سياق تاريخي أو ثقافي معين. وهكذا، ينتقل الخطاب ـ وإن لم يصرّح بذلك دائمًا ـ من
منطق "صحة التأويل" و"خطئه" إلى منطق "خصوبته" و"راهنيته".
غير أن هذا التحول يثير إشكالًا مركزيًا
يتجاوز النقاش التقني حول مناهج التفسير: ما الذي يبقى من فكرة الهداية والمعيارية
إذا أصبح المعنى رهينًا بأفق القارئ والسياق؟ وهل يمكن الحفاظ، في هذا الأفق، على
أي تمييز قوي بين النص المؤسس وبين القراءات التاريخية له، أم أن الاثنين يذوبان
في أفق تأويلي واحد؟
ويبدو أن الكتاب، في كثير من مقالاته، يميل
إلى حل هذا التوتر لصالح أولوية الفهم التاريخي المتجدد، حتى وإن أدى ذلك إلى
تعليق السؤال عن المعنى المتجاوز للتاريخ أو عن المقصد الإلهي بوصفه أفقًا
معياريًا للفهم. وبذلك، لا يعود التأويل مجرد أداة لتجديد فهم النص، بل يصبح، في
العمق، آلية لإعادة تعريف طبيعة النص ووظيفته داخل الثقافة.
ومن هنا، فإن معالجة الكتاب لمسألة التأويل
لا يمكن فصلها عن مشروعه العام في إعادة تأسيس الدراسات الإسلامية. فهي تمثل
الحلقة التي ينتقل فيها الاشتغال من مستوى مساءلة النص في تاريخه المادي (القراءات
والمصحف) إلى مستوى مساءلته في دلالته ومعياريته ووظيفته الوجودية والرمزية. وهو
ما يجعل الانتقال إلى القسم التالي ـ أي النقد الجذري لأطروحات الكتاب ـ انتقالًا
ضروريًا من التحليل إلى المحاكمة الإبستمولوجية الصريحة.