القرآن والعقل المعاصر.. قراءة جديدة لتحديات الفكر الإسلامي الحديث.. كتاب جديد

إنّ مجامع التفاسير القرآنية ظلّت تعاني نقصًا بيّنًا وثلمة معرفية بائنة، تتمثّل في عدم توظيف المناهج الحديثة، من قبيل علوم النفس والاجتماع، والتداولية، والتفكيكية، والبنيوية.
الكتاب: تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم
المؤلف: محمد القوماني
الناشر: مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص وتوزيعه.
الطبعة الأولى: تونس 2025
عدد الصفحات: 245


عرفت الدراسات الاستشراقية في الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين تحوّلاتٍ عميقة وقفزةً نوعية في مقاربتِها النّص القرآني. وقد بدت هذه التحوّلات، في جانبٍ منها، إقرارًا متأخرًا بكنوز القرآن وثراء إسهاماته في قضايا الحرية والمرأة والرحمة وغيرها من مجالات التفكير الإنساني الحديثة. وبهذا المعنى، يكون هذا التيار الاستشراقي الجديد، الذي تمثّله على وجه الخصوص أعمال باتريشيا كرون ومايكل كوك، قد ابتعد نسبيًا عن مدارس الاستشراق الكلاسيكية التي دأبت على الارتهان إلى مقاربات تاريخانية وفيلولوجية مُشكِّكة في مصدر القرآن وصدقيته.

وفي مقابل هذا التحوّل اللافت في الطروحات الاستشراقية، ورغم الفتوحات المقاصدية المهمّة التي أضافها العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى حقل التفاسير القرآنية، وسعيه الجامح إلى تبيئتِها ضمن واقعه المعيش من خلال تفسيره الرائد وموسوعته الدالّة "التحرير والتنوير"،(نشرت أجزاؤه الثلاثون بين سنتي 1956 و 1961) وهو القائل: "والتفاسير وإن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالةً على كلام سابق، بحيث لا حظّ لمؤلفه إلا الجمع، على تفاوت بين اختصار وتطويل"، فإنّ مجامع التفاسير القرآنية ظلّت تعاني نقصًا بيّنًا وثلمة معرفية بائنة، تتمثّل في عدم توظيف المناهج الحديثة، من قبيل علوم النفس والاجتماع، والتداولية، والتفكيكية، والبنيوية. والحال أنّ الحاجة باتت ملحّة إلى تثوير تفسيري ومعرفي معاصر للقرآن الكريم، يؤسّس لاستئناف حضاري واعٍ بسياقاتِه وأسئلته، ومتخطّيا مِطبات الواقع واشتراطاته.

القوماني لا يكتفي بمنطق الاستئناف، بل يتجاوزه في أكثر من اتجاه؛ فبينما وضع ابن عاشور عشر مقدمات تأطيرية لتفسيره، يعيد القوماني بناء ثنائية العنوان نفسها: التنوير والتحرير، ويحمّلها دلالات متصلة بالفكر والاجتماع الإنساني، مقرًّا بأنّ الذِّكر ـ بوصفه وعيًا وحضورًا لا مجرّد ترديد ـ شرطٌ آخر من شروط الفهم. كما يستثمر ومضاتٍ تجديدية كامنة في فكر ابن عاشور، ليعيد توجيهها نحو سؤال الإنسان والواقع، في أفق قراءة قرآنية أكثر حيوية واتصالًا بعصرها.
وفي هذا الإطار، يندرج كتاب "تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم" لمؤلفه محمد القوماني، الباحث بجامعة الزيتونة التونسية، الذي رام البناء على "الروح العاشورية" ـعلى حدّ وصف مقدّم الكتاب أ.د احميدة النيفر، لا سيما في موقف الإعراض عن نهج التفاسير المقلِّدة التي انتقدها ابن عاشور- ثم اجتهد في تجاوزها بالدعوة إلى استثمار أوسع وأكثر جرأة للعلوم الحديثة في مقاربة النص القرآني وفهم دلالاته. وهو ما جعل الدكتور النيفر يعتبر أنّ اعتناء هذا الكتاب بالدروب التأويلية المجددة من لسانيات معاصرة ومن فهم تداولي و سياقي وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، فتحٌ لمدًى يتخطّى الانقسام الحدّي بين الجهود التفسيرية الكلاسيكية وما يُنْجَزُ في الدراسات القرآنية الحديثة والمعاصرة. فإلى أيّ حدّ أقنع القوماني بالحاجة إلى  قراءات جديدة مختلفة للقرآن الكريم تحسن الاستثمار الجيّد للمناهج الحديثة؟ وكيف كانت قراءته لاجتهادات النخبة المعاصرة التي استأنست بالمناهج الإنسانية الحديثة في التفسير؟

محاور الكتاب

بوّب المؤلف محمد القوماني كتابه إلى أربعة فصول استهلّها بفصل تمهيدي،  سعى فيه إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: لماذا تُعدّ علاقة النقل بالعقل من أهمّ القضايا في الفكر الإسلامي؟ وما أبرز مقاربات الفرق الإسلامية لهذه العلاقة؟ وما هي أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها؟ وما هي الرؤية التي نعتمدها في فهم جدل الوحي والعقل من منظور الوعي التاريحي؟ وما منزلة القرآن بوصفه خاتم الوحي؟ وهل يجوز تجميده عند فهم عصر بعينه؟ وما أبرز خصائص لحظتنا المعرفية الراهنة؟ وكيف يمكن فهم طبيعة النص القرآني وتحديد وظائفه وأولويات قراءته المعاصرة؟

ولم يفت المؤلف في مقدمة كتابه الإشارة إلى أهمية استحضار مواقف المفكّرين المسلمين من المنطق قديمًا، بين الرفض المطلق، والقبول التام، والتوفيق عبر التعديل أو التبيِئة،  لما لها من نظائر في مقاربات المفكرين المعاصرين للحداثة الغربية، لاسيما في توظيف المناهج الحديثة في فهم القرآن. وهو زبدة بحث الكتاب ومدار نقاشه.

وقد جاء الفصل الأول بعنوان "راهنيّة المواقف من المنطق الأرسطي عند مفكّري الإسلام: الغزالي وابن رشد أنموذجًا"، وأتبعه بفصل ثان بعنوان "قراءة محمد شحرور المُعاصرة للتنزيل الحكيم: ما لها وما عليها". أما الفصل الثالث فجاء بعنوان "السياقية التداولية في تجلية دلالات القرآن الكريم: دراسة الياباني إيزوتسو أنموذجًا"، والفصل الرابع والأخير فجاء بعنوان "جدل الغيب والشهادة في القصص القرآني: قصة ذي القرنين أنموذجًا".

اعتنى الفصل الأوّل من الكتاب، المعنون بـ "راهنيّة المواقف من المنطق الأرسطي عند مفكّري الإسلام: الغزالي وابن رشد أنموذجًا"، بالوقوف عند تجربة الغزالي "الذي تدرّج في مؤلّفاته من شرح المنطق الأرسطي إلى إعادة صياغته بمفاهيم قرآنية، أو من ابتكاره، مثل: مدارك العقول، معيار العلوم، محك النظر، القسطاس المستقيم، وغيرها. وبهذا، قام بعملية تبيئة للمنطق داخل الثقافة الإسلامية. و"شكّك في معارف من لا يُتقنون المنطق".  كما تناول هذا الفصل تجربة ابن رشد "الذي دافع عن الفلسفة والمنطق من منطلق قرآني وفقهي. فاستدل بالقرآن على وجوب النظر الفلسفي. ودافع عن القياس البرهاني، مستندًا إلى القرآن ومستأنسًا بما جرى به العمل في القياس الفقهي".

أما الفصل الثاني المعنون بـ"قراءة محمد شحرور المعاصرة للتنزيل الحكيم: ما لها وما عليها"، فقد خصّصه المؤلف لشرح قراءة محمد شحرور، التي أحدثت جدلا واسعا منذ صدور مؤلفه "الكتاب والقرآن"، ولما رأى فيها المؤلف من تميز بـ"جهاز اصطلاحي فريد ومنهج لغوي تأويلي جديد، أدّى إلى مراجعات جوهرية". وقدّم المؤلف في هذا الإطار عرضًا تحليليًا نقديًا لهذه القراءة من حيث المنطلقات، والمكاسب، والإشكاليات.

وتناول المؤلف في الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان "السياقية التداولية في تجلية دلالات القرآن الكريم: دراسة الياباني إيزوتسو أنموذجًا"، الثورة المنهجية التي دشّنتها اللسانيات الحديثة. واعتبر المؤلف أن تلك الثورة المنهجية "جعلت الرؤية أوضح في فهم مناهج السلف وتقديرها حق قدرها، وفي بيان الحاجة إلى تطوير المنهج والاستفادة من اللسانيات المعاصرة وغيرها من مجالات المعرفة في إعادة قراءة القرآن الكريم، وتجاوز الدلالة المعجمية نحو فهم تداولي وسياقي". 

وقدّم الفصل قراءة في اجتهاد "توشيهيكو إيزوتسو" (Toshihiko Izutsu) (ت1993) حول الرؤية القرآنية للعالم، بوصفه رائدًا في تطبيق النظرية الدلالية والسياقية على النص القرآني. "إذ لم تزد العقود التي مضت منذ نشر دراسة إيزوتسو، (صدرت مطلع ستينات القرن المنصرم، وتمّ تعريبها سنة 2007 تحت عنوان: "الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم)،" إلا تأكيدًا لأهمية هذا العمل وقيمته المضافة".

 أخيرًا، عنون المؤلف في الفصل الرابع بـ"جدل الغيب والشهادة في القصص القرآني: قصة ذي القرنين أنموذجًا"، وأجرى تجربة تطبيقية في الادّكار الشخصي الآخر للقرآن الكريم. فتناول مفهوم الغيب والشهادة كما تجلّى في قصة ذي القرنين والجدل بينهما ضمن تصور توحيدي. وسعى إلى تجاوز ما قال إنها قراءات تقليدية لهذه القصة التي طغت عليها "الإسرائيليات" والخرافة، نحو قراءة عقلانية معاصرة تراعي المقاصد وتوظّف المعارف الحديثة. وسوف نقتصر في هذا التقديم على أهمّ المنطلقات الفكرية التي يعتمدها المؤلف محمد القوماني في تناول قضايا كتابه. ونتناول قراءة المؤلف  لطروحات محمد شحرور و"توشيهيكو إيزوتسو"، وذلك لضيق المجال.

تجديد قراءة النص القرأني استجابة معرفية وروحية لأسئلة العصر

حرص محمد القوماني منذ المقدمة على التأكيد أنّ الاشتغال  بتجديد قراءة النص القرآني ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو مطلب حضاري ملحّ في زمن تتسارع فيه التحوّلات، وتتجدد فيه التحديات التي تمتحن علاقتنا بالوحي والواقع والعقل والحرية. وبيّن أنّ  الانفتاح على المناهج المعاصرة، لا يقطع الصلة بالتراث، وإنما هو في حوار نقدي معه، يستبقي ما استقام من اجتهاداته، ويعيد النظر فيما تجاوزه الزمن أو خضع لظروفه وأفقه المحدود.  مضيفا القول إنّ القراءات الأخرى التي يدعو إليها، "ليست نقيضًا للقراءات السابقة، ولا بديلاً متعالياً عنها، وإنما هي استئناف لمشروعِ تدبّر لا ينتهي، وحلقة من حلقات التفاعل الخلاق بين الإنسان والقرآن، في ضوء المتغيرات المعرفية والوجودية المتسارعة".

في ذات السياق، أشار القوماني إلى أنّ زبدة عمله هو محاولة توليد الأسئلة وإثارتها، و"تأصيل المنطلقات، وتقديم نماذج من مقاربات بديلة، تؤمن بفاعلية العقل، وتحترم مقاصد النص، وتراعي سياقاته، وتُحسن الإصغاء لتحديات الإنسان المعاصر، في آماله وآلامه، في قلقِه وإبداعه، في بحثه المستمر عن المعنى والهداية والكرامة". كما أن مبتغى الكتاب في النهاية هو هو "الإسهام في بناء ثقافة قرآنية جديدة، قوامها التفاعل الحرّ المسؤول مع الوحي، واستحضار القيم الكبرى التي بشّر بها: الحرية، والعدل، والرحمة، والعقل، والتزكية، والعمران، بعيدا عن أيّة نزعة تكفيرية. إذ لا تكفير في تأويل. وقد نقل ابن رشد عن أبي حامد الغزالي والجويني وغيرهما "إنّه لا يُقطع بكفر مَن خرق الإجماع في التأويل".

 التنوير شرطٌ سابق للتحرير

يُشيّد محمد القوماني أطروحته ضمن هذا الكتاب ـ الموسوم بآية التيسير: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ـ على قاعدة أساسية مفادها أنّ التنوير شرطٌ سابق للتحرير. وفي هذا يقول إنه رام أن يكون  عنوان الكتاب "تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم"، إحالة غير مباشرة على المجهود المتميز لابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، إشادة به واعترافا بفضله، مع تحوير في ترتيب المفردات ودلالاتها. ويضيف بالقول إنّ "التنوير في مقاربتِنا طريق إلى التحرير، إذ تحرير الإنسان المسلم يبدأ من تحرير علاقته بالنص المؤسس، بتنوير تفكيره فيه، وتفعيل طاقاته التأويلية. وتحرير الذوات شرط لتحرير الشعوب والأوطان".

يرى المؤلف محمد القوماني أنّ اعتماد العقل أساسا للتكليف وأداة للمعرفة والتمييز وحجة يقينية لا يعني انفصاله عن الوحي، كما أن حياة الإنسان في إطار الاستخلاف تبقى مسيرة دائمة لتحقيق كماله الذاتي والاجتماعي، باكتساب صفات الله تعالى بلا ادّعاء للألوهيّة.
ويقول القوماني إنّه حرص عبر فصول الكتاب على بيان الحاجة إلى مقاربات تجديدية للقرآن وادّكار آخر في آياته. وهو إذ يفعل ذلك، إنّما يستحضر مقولة المفكّر الباكستاني فضل الرحمن في كتابه "الإسلام وضرورة التحديث"، حيث يؤكّد أنّ "لا سبيل إلى تغيير اجتماعي في البلاد الإسلامية دون نزعة عقلية إسلامية موصولة بأسلوب تفسير القرآن، لأن تعثّرات الحاضر وعدم نجاعة الأدوات الفكرية المعتمدة إنما ترجع، في جوهرها، إلى الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه".

ومن هذا المنظور، يرى الدكتور احميدة النيفر أنّنا "أمام لَبِنة مشروع يمكن اعتماده في أعرق صرح تعليمي تربوي عربي مغاربي، ينتفض به جيلٌ قادم في قيامة رمزية ترتوي بنسغِها جذور الزيتونة الشاهدة، لتُنير عالم المعرفة والثقافة بإسهام حضاري جديد".

ويضيف النيفر أنّ القوماني لا يكتفي بمنطق الاستئناف، بل يتجاوزه في أكثر من اتجاه؛ فبينما وضع ابن عاشور عشر مقدمات تأطيرية لتفسيره، يعيد القوماني بناء ثنائية العنوان نفسها: التنوير والتحرير، ويحمّلها دلالات متصلة بالفكر والاجتماع الإنساني، مقرًّا بأنّ الذِّكر ـ بوصفه وعيًا وحضورًا لا مجرّد ترديد ـ شرطٌ آخر من شروط الفهم. كما يستثمر ومضاتٍ تجديدية كامنة في فكر ابن عاشور، ليعيد توجيهها نحو سؤال الإنسان والواقع، في أفق قراءة قرآنية أكثر حيوية واتصالًا بعصرها.

القراءة الجديدة للقرآن وإعادة ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل

يرى المؤلف محمد القوماني أنّ اعتماد العقل أساسا للتكليف وأداة للمعرفة والتمييز وحجة يقينية لا يعني انفصاله عن الوحي، كما أن حياة الإنسان في إطار الاستخلاف تبقى مسيرة دائمة لتحقيق كماله الذاتي والاجتماعي، باكتساب صفات الله تعالى بلا ادّعاء للألوهيّة. ويشير في هذا الإطار إلى تشبيه ابن خلدون العقل بميزان الذهب لما يتسم به من دقة وما فيه من يقين، لكنه لم يغفل عن محدوديته وحاجته إلى الوحي، حيث قال: "العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية، لا كذب فيها، غير أنّك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طـوره، فإن ذلك طمع في مُحال. ومثال ذلك رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهـب فطمـــع أن يزن به الجبال. وهذا لا يدلّ على أن الميزان في أحكامه غير صادق، ولكن للعقل حدّا يقف عنده ولا يتعدّى طوره.

كما أنه فضلاً عن حاجة العقل إلى الوحي في قضايا الغيب، يبقى القرآن، الذي أحاط بجواهر قضايا الإنسان إطارًا نظريًا عامًا للعقل ينطلق منه و يعود إليه، ويظلّ العقل الحاكم والناطق عن الوحي، مصداقا لقوله تعالى: "مَا فَرَّطْنَـــا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" (الأنعام/38)،. وقد أُثر عن الإمام عليّ قوله: "هذا القرآن إنما هو خطّ مستور بين الدفّتين، لا ينطق بلسان، ولا بدّ له من ترجمان، وإنّما ينطق عنه الرجال" ، في إشارة إلى أنّ التأويل والتفسير من مسؤولية الإنسان. لذلك، يرى القوماني أنّ أولى أولويات القراءة الجديدة للقرآن اليوم، في سياق تجديد الفكر الإسلامي، هي أن نعيد ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل، بحيث يكون الوحي هاديًا مرشدًا للعقل، لا خصمًا له، ولا بديلًا منه. كما يجب أن يُنظر إلى القرآن على أنه نص تأسيسي مفتوح على الواقع والزمان والمكان. وهو ما يجعل الاجتهاد القرآني المتجدد ضرورةً لا ترفًا، خاصة في سياق التحديات الحضارية والمعرفية المعاصرة. كما أنّ علاقة الوحي بالعقل، والغيب بالشهادة، تشكّل المدخل الأساسي لفهم التجديد القرآني، وأنّ التفكير في هذه العلاقة لا يمكن أن ينفصل عن التاريخ الإسلامي، وعن تحديات اللحظة الحضارية الراهنة، ولا عن طبيعة النص القرآني نفسه.

يتبع...