نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالاً للصحافي أوين جونز ينتقد فيه من سمّاهم المعلقين الموقرين الذين يخبرون الجمهور بأن موقف كير
ستارمر من الحرب
الإيرانية يكشف عن رئيس وزراء بلا بوصلة سياسية.
ويعلق الكاتب بالقول إن هذا صحيح، ولكن هذا يُخفي الحقيقة. القصة هنا ليست افتقار ستارمر للفطنة السياسية. إن التدخل البريطاني في الحرب الإيرانية ليس مسألة سياسية قد يختلف عليها العقلاء، مثل رفع الضرائب هنا أو زيادة الإنفاق هناك. إنها جريمة خطيرة.
ثم يؤكد أنه مع ذلك، يبدو أن كل الضغوط على ستارمر تأتي من جهة واحدة. فيصرح توني بلير، الذي يبدو أنه يتوق إلى خليفة يحذو حذوه في جرّ
بريطانيا إلى كوارث تقودها الولايات المتحدة، والتي أدانها الكثيرون باعتبارها غير قانونية، قائلاً: "كان ينبغي عليه دعم أمريكا منذ البداية".
ويُردد نايجل فاراج، حليف دونالد
ترامب، وكيمي بادينوش، زعيمة حزب المحافظين، والصحافة اليمينية، الشكوى نفسها، ويقول إن هؤلاء "الوطنيين" المحافظين يحثوننا على "استعادة السيطرة" من بروكسل، لكنهم يطالبون بريطانيا بأن تكون أداة طيعة في يد ترامب.
وأضاف أن كون هذا الموقف مقبولًا سياسيًا فحسب، بل ومقبولًا لدى التيار السائد، يُشير إلى وضع مُقلق. فعلى الرغم من جرِّنا لهذا البلد إلى كارثة عنيفة تلو الأخرى، يبدو أن نخبنا السياسية والإعلامية عاجزة عن استيعاب أي درس.
ويوضح بالقول إن ما يحدث هنا هو أن دولة ترتكب إبادة جماعية - إسرائيل - تحالفت مع قوة عظمى مُنهكة يقودها حاكم مُستبد طموح، شنّتا معًا حربًا غير شرعية بشكل واضح، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة إلا في حالة تعرض الدولة لهجوم فعلي أو وشيك.
ويشير إلى أن وكالة أنباء ناشطي حقوق الإنسان أكدت مقتل أكثر من ألف مدني في إيران، وهو رقم يُرجَّح أنه أقل بكثير من العدد الحقيقي، ويشمل هذا العدد 168 قتيلاً في غارة استهدفت مدرسة، معظمهم من الفتيات الصغيرات، والتي يعتقد المحققون الأمريكيون أنفسهم أن الجيش الأمريكي مسؤول عنها.
وشملت الأهداف الأخرى مرافق طبية، ومحطة لتحلية المياه، ومصافي نفط، مما أدى إلى كارثة بيئية غطت طهران بأمطار سوداء وهواء سام، ويُذكر أن ترامب صرح بأن خريطة إيران "لن" تبدو كما كانت بعد الحرب، مُلمِّحًا إلى احتمال تفكك البلاد. وأوضح أنه لا يُبدي أي اهتمام بالديمقراطية في إيران.
كانت الحرب في العراق جريمة ذات خطة واستراتيجية، أما هذه الحرب فتبدو جريمة بلا أي منهما، ويؤكد أنه على عكس الأنظمة العراقية والأفغانية والليبية، تستطيع إيران الرد.
وينبِّه إلى أنه حتى لو نُظِر إلى هذه الحرب بمعزل عن غيرها، ينبغي اعتبارها جريمة وجنونًا، "لكن يبدو أن نُخبنا السياسية والإعلامية لم تستوعب شيئًا ذا مغزى بشأن العراق وأفغانستان وليبيا وغزة. وكأن هذه الكوارث لم تحدث قط. إن التقاعس عن أي محاسبة، أو حتى ضمان أدنى قدر من المساءلة، قد أبقى خطابنا السياسي أسيرًا لحالة نسيان دائمة. وعواقب ذلك وخيمة".
ويقول إنه كان ينبغي أن يكون الأثر على ضحايانا كافيًا، ولكن للأسف، يتلاشى التظاهر بأن لحياة ذوي البشرة السمراء قيمة، ويضيف: "في العراق: مئات الآلاف قُتلوا، حمام دم طائفي، صعود تنظيم الدولة، والآن حكومة فاسدة استبدادية متزايدة. لا عجب إذن أن السكان، عندما زرت بغداد مؤخرًا، أخبروني ببساطة أن بلادهم قد دُمرت".
وفي أفغانستان: عقدان من الاحتلال الأجنبي شابهما جرائم حرب مروعة، بلغت ذروتها بعودة طالبان إلى السلطة أقوى من أي وقت مضى.
وفي ليبيا: حرب أهلية طويلة الأمد، وتمردات جهادية، ودولة فاشلة بحكومتين متنافستين بعد 15 عامًا من التدخل الغربي. وفي غزة: أرض بأكملها مُحيت من على وجه الأرض، وتشير التقديرات الموثوقة إلى أن عدد القتلى تجاوز 100 ألف.
ويذكر أنه حتى لو "اخترنا غض الطرف عن الضحايا، فماذا عن عواقب ذلك على بريطانيا نفسها؟ يُقال لنا إنه يجب علينا البقاء تابعين لواشنطن لأنه، كما يقول أحد وزراء حكومة المحافظين السابقين: 'من الصعب المبالغة في تقدير مدى اعتماد أمن بلادنا على الولايات المتحدة'. هل هذا صحيح؟".
ويشير إلى أن بريطانيا أهدرت ما يقارب 47 مليار جنيه إسترليني (بقيمة اليوم) على الكوارث في العراق وأفغانستان وليبيا – وأنه كان من الممكن إنفاق تلك الأموال على مواجهة تهديدات حقيقية لأمننا، مثل كارثة المناخ المتفاقمة.
ويقول إن توني بلير أعلن، في تصريح شهير قبيل حرب العراق، أنه يجب علينا دفع "ثمن باهظ" لعلاقتنا الخاصة. ويعلق بالقول إن هذا الثمن لم يكن ثمناً دفعه هو أو أبناؤه، بل كان ثمناً دفعه أبناء الطبقة العاملة في ويغان وستوك أون ترينت وبلاكبول وفايف، الذين أُريقت دماؤهم في البصرة وهلمند: فقد لقي 636 جندياً بريطانياً حتفهم في هاتين الكارثتين.
ويضيف أن تحقيق تشيلكوت خلص إلى أن الحكومة البريطانية قد حُذِّرت صراحة من أن غزو العراق سيزيد من خطر الإرهاب. واعترف برنامجها المزعوم لمكافحة التطرف، "بريفنت"، لاحقاً بأن التظلمات من العمليات العسكرية البريطانية في أفغانستان قد دفعت إلى دعم التطرف العنيف.
كما خلص التحقيق في تفجير مانشستر أرينا عام 2017، فقد لعب "الصراع الدائر في ليبيا" دورًا رئيسيًا في تطرف الجاني، ويؤكد أن الشعب البريطاني قد استوعب الدرس. فعشية الحرب الأفغانية، هلّل أكثر من ثلثي البريطانيين لها. وأيّد نحو نصفهم غزو العراق قبل أيام من وقوعه. وانقسمت البلاد بشأن ليبيا.
لكن الأمر ليس كذلك هذه المرة. فقد أظهر استطلاع YouGov أن 49% من البريطانيين يعارضون الحرب على إيران، بينما لا يؤيدها سوى الخُمس تقريبًا، ويوضح أن هذا يعني أنّ تأييد هذه الحرب غير الشرعية موقف هامشي.
فقد عانى المواطنون العاديون من كوارث متتالية، وتوصلوا إلى استنتاج بديهي: كل حرب من هذه الحروب كانت مدمرة - للدول المستهدفة، ولبريطانيا نفسها، وللعالم أجمع. إنهم يدركون أن شنّ حرب أقل تخطيطًا، بقيادة رئيس أكثر تطرفًا ضد عدو أكثر قدرة، سيكون ضربًا من الجنون.
ويعلّق قائلًا إنه مع ذلك، يُهمّش الإجماع العقلاني للرأي العام البريطاني بين السياسيين ووسائل الإعلام، ويقول إنه إذا أردتَ فهم صعود حزب الخضر، فلا بدّ لك بالطبع من النظر إلى انعدام الأمن والمعاناة الناجمة عن نظام اقتصادي مُنهار. لكن هذه الكوارث في السياسة الخارجية - بما فيها غزة - تُشكّل جزءًا من القصة أيضًا.
فقد خلص ملايين البريطانيين إلى أن نخبهم الحاكمة ليست هي النخب الرصينة والمعتدلة، وليست هي "العقلاء الراشدين". لقد استنتجوا أنهم متطرفون: أناسٌ يجرّون بلادهم إلى أزمة مروعة تلو الأخرى، ولا يتعلمون شيئًا من حطامها. يرحلون وهم يصفرون من بين الأنقاض، ليبدأوا بعدها بالتحريض على حمام دم آخر.
ويختتم مقاله بالقول إنه لا بدّ من تغيير الوضع حيث "يبدو أن نظامنا المؤسسي قد تحوّل إلى طائفة دموية. إن خضوعنا للولايات المتحدة يعني مجازر متكررة تُدمّر مجتمعات أخرى، وتُزعزع استقرار العالم، وتُبدّد مواردنا، وتقتل وتُشوّه شبابنا من الطبقة العاملة، وتجعلنا أقل أمانًا.