الغارديان: على بريطانيا التعلم من الحرب على إيران أن ترامب أصبح عدوها

ذكر الكاتب أن الدرس الأول من الهجوم على إيران هو أن دونالد ترامب بات "عدو" بريطانيا- جيتي
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا كتبه سايمون تيسدال، قال فيه إن الدرس الأول من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران هو أن دونالد ترامب بات "عدو" بريطانيا، وذلك بناء على مقولة "إعرف عدوك".

وقال تيسدال إنه مع تصعيد الحرب الكارثية في إيران يجب على كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني معاملة الرئيس الأمريكي كشخص تهدد أفعاله الحياة القانونية والطريقة الديمقراطية في كل مكان.

وقال إنه بعد تسعة أيام، باتت الحرب الأمريكية الإسرائيلية غير المبررة وغير القانونية ضد إيران أكثر وحشية وغير متناسبة ومخزية ومجنونة. 

وقد أظهر قصف غواصة أمريكية لسفينة تابعة للبحرية الإيرانية قبالة سواحل سريلانكا أن العالم بأسره ساحة معركة لدونالد ترامب المتهور. فقد استبدلت الدبلوماسية، التي تجاوزتها قصدا وغدرا واشنطن، بغارات جوية متواصلة تقتل وتشوّه مئات المدنيين الإيرانيين. وبات البيت الأبيض في عهد ترامب أشبه بمستشفى للمجانين، حيث تتغير أهداف الحرب يوميا. 

ويقول تيسدال إن  رئيسا جاهلا ومتخبطا يصر على ضرورة أن يكون له دور في اختيار آية الله القادم لإيران. وفي الوقت نفسه، يطلق "وزير الحرب" بيت هيغسيث العنان لخطاباته الهستيرية حول القتل بلا رحمة.

وبعد تسعة أيام، بات من الواضح أن قادة إيران، من نجا منهم، لن يستسلموا ولن يسمحوا بتكرار الإنقلاب الذي نفذه ترامب في فنزويلا. فقواتهم، رغم تفوق العدو عليها عددا وعدة، تنجح في نشر المعاناة في أنحاء الشرق الأوسط ضاربة الدفاعات الجوية بموجات من الطائرات المسيرة والصواريخ.

ولم يكن هذا مفاجئا، فقد حذرت إيران من صراع إقليمي واسع النطاق في حال تعرضها لهجوم آخر. 
 وأضاف تيسدال أن ترامب، بات الآن في حالة حرب مع حلفاء الولايات المتحدة أيضا، بعد أن تبنى شعار جورج دبليو بوش الفظيع في حرب العراق "معنا أو ضدنا". 

فدول الخليج العربي، ولبنان المنكوب بشدة، لا تريد سوى وقف هذا الصراع. 

أما بريطانيا وأوروبا فلا ترغبان، في الغالب، بالتورط فيه، مع أن هذه الدول تجر رغما عنها إليه. 
ويضيف تيسدال أن الاقتصاد العالمي ينهار ويغرق في أزمة. ففي حرب ترامب على العالم، لا أبطال، بل ضحايا فقط. ويظل الزعيم الإسباني المتمرد، بيدرو سانشيز، استثناء وحيدا.

ودعا تيسدال إلى  محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة، وترامب أمام المحكمة الجنائية الدولية على الفظائع المرتكبة في إيران، ولا سيما تفجير مدرسة ميناب المروع في 28 شباط/فبراير، وينبغي فرض عقوبات عليهما من قبل المملكة المتحدة وجميع الحكومات الأخرى التي لا تزال تحترم ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وسيادة القانون. كما يجب فرض عقوبات على بلديهما. وفي الوقت الذي يستنكر فيه العديد من الأمريكيين والإسرائيليين سلوك قادتهم المتهور. إلا أن هذين المجرمين يتصرفان باسمهم. ويجب على المواطنين القلقين، الذين خذلهم الكونغرس الأمريكي والكنيست الإسرائيلي، المطالبة بوقف هذه الفوضى.

وقال إنه بات من الواضح، ومنذ فترة طويلة، أن ترامب ليس صديقا لبريطانيا. لكن هذا العمل الأخير من الغطرسة القاتلة، الذي لم تتلق بريطانيا أي تحذير مسبق بشأنه، يظهر أنه وإدارته يجب اعتبارهما عدوا. 
وأضاف "ما علينا إلا النظر إلى الحقائق، لقد شنت الولايات المتحدة (مثل روسيا في أوكرانيا) حربا عدوانية غير شرعية ضد دولة ذات سيادة".

ومن هنا فادعاء واشنطن بوجود تهديد "وشيك" لا يدعمه أي دليل. وأصبحت القوات المسلحة الأمريكية غير مقيدة وتفتقر إلى أي قواعد اشتباك. كما يتم تجاهل الاعتبارات الأخلاقية والقانونية وقد اغتالت بوقاحة رئيس دولة. 

وهذا الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة وهذه المذبحة الدموية، ترهب الملايين وتشردهم بينما تعطل التجارة والسفر وإمدادات الطاقة. أي دليل آخر مطلوب على أن الولايات المتحدة، وهي دولة مارقة مثل إسرائيل، قوة معادية تهدد بشكل أساسي بريطانيا؟

وأضاف أنه ليس من مصلحة بريطانيا الوطنية أن تتحول إيران إلى خراب، وليس من مصلحة بريطانيا أن يدفع نظام طهران، على الرغم من بشاعته، إلى تبني أساليب غير متكافئة (مثل الهجمات الإرهابية في المدن الأوروبية) من أجل البقاء. 

وبالتأكيد ليس من مصلحة بريطانيا والدول المجاورة أن تنقسم إيران إلى فوضى على غرار العراق وسط انتفاضات محتملة من الأكراد والأقليات العرقية الأخرى. كما أن  موجة النزوح الناتجة عن ذلك ستفوق بكثير موجة النزوح من سوريا قبل عقد من الزمن. والأهم من ذلك كله، ليس من مصلحة  بريطانيا أن يتم تقويض سيادة القانون وقوانين الحرب بسهولة، مما يسرع من تفكك "النظام العالمي".

وتأتي جرائم ترامب الأخيرة عقب اختطافه رئيس فنزويلا وتهديداته بغزو غرينلاند وهي أرض ذات سيادة تابعة لحليف صديق في الناتو وتحديثه المنافق للترسانة النووية الأمريكية بينما يتبجح بامتلاك إيران أسلحة نووية افتراضية وتخريبه لجهود الأمم المتحدة في مجال المناخ وفرضه تعرفات جمركية عقابية على التجارة العالمية ودعمه لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا وحزب الإصلاح البريطاني، وربما الأشد مرارة من كل ذلك، خيانته التي لا تغتفر لأوكرانيا واسترضائه لروسيا وكل هذه الأفعال تؤثر سلبا على الشعب البريطاني والدولة البريطانية.

ويعلق تيسدال أنه،على عكس واشنطن، سعت الحكومات البريطانية المتعاقبة إلى الحفاظ على حوار مع الإسلاميين الذين أطاحوا بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة عام 1979. وبسبب غياب العلاقات الدبلوماسية، غابت الولايات المتحدة عن هذا الحوار. ونتيجة لذلك، فإن جهل أمريكا بإيران المعاصرة عميق. كما أن الإيحاء بأن النظام وميليشياته الوكيلة سيستسلمون بسهولة هو محض وقاحة. وقال الكاتب إن العقوبات الاقتصادية، التي عززها ترامب عندما مزق بتهور الاتفاق النووي مع طهران عام 2015 المدعوم من بريطانيا، تستخدم من قبل الملالي لتبرير إخفاقاتهم وانتهاكاتهم. 

وقد أهدرت الولايات المتحدة مرارا فرصا لدعم الإصلاحيين، مثل الرئيس السابق حسن روحاني، من خلال تخفيف العقوبات. وكلما ازداد فقر البلاد، تفاقمت الضغوط الاجتماعية واشتدت قبضة الفصائل الدينية والعسكرية المتشددة والقمعية والمتعصبة ضد المرأة. وعليه،  فإيران اليوم، هي على الأقل وإن جزئيا من صنع الولايات المتحدة.

وقال تيسدال إن إيران تحتاج وبشكل كبير إلى بداية جديدة،

فقد ولى عهد النظام الديني الذي جسده مرشدها الأعلى المغتال، علي خامنئي. ويتوق الكثير من الإيرانيين، بل ربما معظمهم، إلى مجتمع أكثر انفتاحا وحرية وازدهارا وتعددية وموال للغرب. 

لكن هذه العودة الأمريكية الإسرائيلية المدمرة وغير المدروسة إلى أسوأ تجاوزات التخريب الإمبريالي يسحق آمال التغيير السلمي، وهو النوع الوحيد الدائم، ويعجل بانهيار البلاد إلى معسكرات متناحرة. 
وما قد ينتج عن هذه الحرب، ليس إيران متجددة وصديقة، بلدا ممزقا يظل رهينة لنظام متشدد أكثر وحشية ويعاني من الرهاب والشعور بالتهديد الدائم ويعيش وشعبه  في صراع  دائم مع الغرب.

وعلق إن بريطانيا، على ما يقال، متورطة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في مسائل الدفاع والأمن وجمع المعلومات الاستخباراتية لدرجة أنها لا تستطيع تحمل قطع العلاقات نهائيًا مع إيران. 

وهذه نصيحة بائسة، فعلى مدار تاريخها الطويل، استطاعت بريطانيا بطريقة أو بأخرى أن تتجاوز الصعاب دون مساعدة أمريكية مشروطة دائما. قد يتكرر ذلك، وإن كان مؤلما لبعض الوقت. وسيكون من المفيد، على سبيل المثال، التخلص من غواصات "ترايدنت" النووية البريطانية باهظة الثمن وغير المرغوب فيها، والتي تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية. ذلك أن هذه التبعية تمنح ترامب غير المستقر والمدمن على الحرب نفوذا خطيرا على بريطانيا، ومن الأفضل التخلص منها قبل أن يستخدمها.

وقال إن تسعة أيام مضت، والعد مستمر، إلى متى؟ أسابيع؟ شهور؟ ويجب إيقاف ترامب ومستشاره الإسرائيلي المتلاعب، من أجل الإيرانيين ومن أجل السلام والأمن المستقبليين في الشرق الأوسط وبريطانيا وحلفائها المتبقين. فالتهديد الوجودي للقيم والقوانين والحريات الديمقراطية الذي يمثله ترامب ونتنياهو وحلفاؤهما الاستبداديون مثل فلاديمير بوتين منتشر في كل مكان، ويتزايد. بالنسبة لكير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، وهو رجل شريف سخر منه شخص وضيع ظلما، هذا هو الدرس الأكبر والأهم من الحرب: اعرف عدوك - وتصرف وفقا لذلك.

فهذه هي الحرب التي اختارها ترامب، لكن أمام بريطانيا خيارات أيضا، وبعد مرور 250  على تحرر المستعمرين الأمريكيين من الإمبراطورية، حان الوقت لإعلان بريطانيا استقلالها.