تصحيح المسار: المشروع.. الانتظارات.. المحصول

عادل بن عبد الله
" يكن يستهدف حركة النهضة لأسباب أيديولوجية فقط، بل كان يستهدفها أساسا لأنها مركز الديمقراطية التمثيلية والنظام البرلماني"- جيتي
" يكن يستهدف حركة النهضة لأسباب أيديولوجية فقط، بل كان يستهدفها أساسا لأنها مركز الديمقراطية التمثيلية والنظام البرلماني"- جيتي
شارك الخبر
قد يختلف المشتغلون بالشأن العام وعمومُ التونسيين في توصيف إجراءات الرئيس التونسي يوم 25 تموز/ يوليو 2021، ولكنهم لن يختلفوا في أنّ سردية "تصحيح المسار" قد نجحت في إعادة هندسة الحقل السياسي بصورة جذرية. فقد أغلقت هذه السردية "الفاصلة الديمقراطية" ونظامها البرلماني المعدّل وحيّدت أجسامها الوسيطة، مبشّرةً بديمقراطية قاعدية/مجالسية تنهي الحاجة إلى الأحزاب وتعيد مَركزة السلطة في نظام رئاسوي. وفي هذا النظام الذي كتب دستوره الرئيس نفسه، تحوّلت السلطات إلى "وظائف"، وأصبحت أغلب الأجسام الوسيطة التي تمنّعت عن الانخراط الكُلّي والمطلق في سردية السلطة جزءا من "الخطر الجاثم" الذي يعيق "حرب التحرير الوطني" كما يُسميها الرئيس وأنصاره.

بعد مرور ما يقرب من ست سنوات على إجراءات الرئيس، وبعد نجاحه في تحويل حالة الاستثناء المؤقتة إلى مرحلة انتقالية مهّدت لتأسيس "جمهورية جديدة" بدستورها ونظامها السياسي وبرلمانها، فإن تحصين الرئيس نفسه ضد المساءلة البرلمانية وتحركه بمنطق التفويض الشعبي النهائي وغير القابل لـ"سحب الوكالة" -على خلاف وضعية "نوّاب الشعب" أنفسهم- لا يمنعنا من طرح جملة من الأسئلة المشروعة المتعلقة بمحصول مشروعه السياسي. ولكنّ تدبر المحصول يفرض علينا أن نطرح إشكاليات نرى أن الإجابة عنها ضرورية لفهم الواقع التونسي الآن وهنا، بل لاستشرافه كذلك بصورة معقولة: ما هو مشروع الرئيس كما بشّر به في حملته الانتخابية -أو ما يسميها بـ"الحملة التفسيرية"- ولماذا نجح في نقض مخرجات عشرية الانتقال الديمقراطي رغم غياب رافعة حزبية أو تاريخ نضالي لصاحبه؟
أهم تلك الدروس التي يمكن استخلاصها من نجاح "تصحيح المسار" في إنهاء "الفاصلة الديمقراطية"؛ هو عدم وجود حاضنة شعبية حقيقية للديمقراطية التمثيلية حين لا تكون ديمقراطية منجِزة، أي ديمقراطية قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية لعموم المواطنين
ولماذا استخفت الأجسام الوسيطة كلها بمشروع الرئيس ولم تحمله على محمل الجد؟ لماذا ساندت أغلب النخب "الديمقراطية" تلك الإجراءات؟ وما هو أفق الانتظار الذي حدد موقفها الداعم للرئيس؟ وهل إنّ انكسار ذلك الأفق هو حدث "مؤقت" أم هو خيار استراتيجي يرتبط بسردية السلطة وأسس شرعيتها؟

خلال عشرية الانتقال الديمقراطي التي أصبحت بعد 25 تموز/ يوليو 2021 "عشريةً سوداءَ" في سردية السلطة وأنصارها داخل "المساندة النقدية"، كان "الخبير الدستوري" قيس سعيد صريحا في نقده للمنظومة الحزبية وللسلطة ومعارضتها على حد سواء. وآية ذلك صرخته المشهورة بعد اغتيال الحاج محمد البراهمي سنة 2013: "ليرحل جميعُهم، معارضُتهم وحكومتهم". كان أستاذ القانون الدستوري منذ ظهوره شخصية محترمة عند عموم التونسيين، ولم يكن التونسيون يرونه أكثر من حَكم دستوري موثوق -بلا أي مصلحة ذاتية- يمكنه الفصل بين المتنازعين على تأويل الدستور. أمّا النخب فلم تكن ترى فيه منافسا ولا عدوا يُمثّل تهديدا وجوديا لأحزابها ومجتمعها المدني ونقاباتها.. الخ، فهو غير متحزب، وبلا تاريخ نضالي، ولا يمكنه في أكثر السيناريوهات تشاؤما أن يقلب طاولة الديمقراطية التمثيلية على أجسامها الوسيطة.

كانت النخب المهيمنة على عشرية الانتقال الديمقراطي ترى في "الخبير الدستوري" -بعد أن أكدت استطلاعات الرأي أنه منافس جِدّي على رئاسة الجمهورية- إما حليفا موضوعيا وفكريا في إخراج النهضة من مركز الحقل السياسي، وبناء مشروع سياسي تشاركي يجد مرجعه في علاقة التعامد الوظيفي بين أغلب مكونات "العائلة الديمقراطية" وبين نظام المخلوع (وهذا هو طرح أغلب "الديمقراطيين" الذين مهدوا لإجراءات الرئيس ثم ساندوها بدرجات مختلفة)، وإما مجردَ شخص بلا أي رافعة حزبية ولا تاريخ داخل الدولة العميقة، أي تراه شخصا قابلا للاحتواء أو التحييد بالمراهنة على "قوة الانتقال الديمقراطي" واستثنائية الثورة التونسية، وبالمراهنة كذلك على البعد المحافظ في شخصية السيد قيس سعيد وتوجّس النخب الحداثية خيفة منه (وهو طرح حركة النهضة وبعض حلفائها). ونحن في الحالتين أمام شبكات قراءة واستشراف أثبتت الوقائع تهافتها وبؤس العقل السياسي الذي أنتجها يمينا ويسارا.

في "حملته التفسيرية" التي سبقت الانتخابات الرئاسية سنة 2019، كان المترشح قيس سعيد واضحا في طبيعة مشروعه السياسي، إنه مشروع يتحرك بمنطق البديل لا بمنطق الشريك. كان يبشر بنظام سياسي جديد وبنهاية زمن الأحزاب التي ستنحل من تلقاء أنفسها لأن "التأسيس الثوري الجديد" ينفي الحاجة إليها، ولكنّ الفاعلين الجماعيين تعاملوا مع مشروع الرئيس بنوع من سوء التقدير انطلاقا من ثقتهم بقوتهم الذاتية وبالتوازنات الإقليمية والدولية التي تجعل مشروع الرئيس في نظرهم مجرد طوبى بلا آفق واقعي. فبالنسبة لأغلب "الديمقراطيين" لن يكون إنهاء الفاصلة الديمقراطية إلا "مرحلة مؤقتة" تستهدف أساسا حركة النهضة، وبالتالي فإن ما سيعقبها سيكون بناء شراكة بينها وبين السلطة في ظل ديمقراطية خالية من الإسلاميين ومن مخرجات "الربيع العبري". أمّا النهضة فقد ظنت أن عمقها الشعبي سيعصمها من مشروع الرئيس، بل إنها قد توهمت أن ساكن قرطاج قد يكون حليفها ضد الاستئصاليين ورُعاتهم في محور الثورات المضادة بحكم أطروحاته المحافظة وتديّنه الذي لا يخفيه.

أمام هذه الانتظارات المتناقضة، كان الرئيس قيس سعيد يحمل مشروعا سياسيا تحتاجه الدولة العميقة ومحور الثورات المضادة. ونحن لا نعني بذلك أن الرئيس قد نسّق صعوده السياسي مع تلك الأطراف، بل نعني أن مشروعه السياسي يلتقي موضوعيا مع استراتيجيتها للانقلاب على "الفاصلة الديمقراطية" وإلحاق تونس بتجارب الانتقال الديمقراطي المجهضة. فالرئيس الذي يرفض التحزب والذي تعوزه النخب البديلة لن يستطيع مهما كان صدقه أن يتحرك من موقع النظير لمنظومة الاستعمار الداخلي أو القادر على فرضه شروطه عليها، كما أنه سيجد نفسه مضطرا للاستعانة بـ"حزب الإدارة" وبأسوأ ما يوجد في اليسار الوظيفي وفي كل السرديات الكبرى. ولذلك فإنه سيخوض ما يسمّيه بـ"حرب التحرير" بكل المكوّنات التي لا مصلحة لها في هذه الحرب إلا قضاياها الصغرى والتنفيس عن مكبوتاتها الأيديولوجية.

ولا شك في أننا نوافق الرئيس عندما يتحدث عن وجود أطراف تعمل على إفشال "حرب التحرير الوطني"، ولكننا نخالفه في تحديد تلك الأطراف: إنها في الأغلب الأعم تلك المكوّنات التي التحقت خطابيا بمشروعه السياسي؛ إما للبراءة من أدوارها المشبوهة في "العشرية السوداء"، وإما لخدمة منظومة الاستعمار الداخلي بالتستر بسردية سياسية تكتسب شرعيتها نظريا -لا واقعيا- من تفكيك مكوناتها وإعادة توزيع السلطة والثروة من منظور "تحرري".

مهما كان موقفنا من "تصحيح المسار" فإنه قد جاء ليؤكد هشاشة الانتقال الديمقراطي في تونس، بل غياب الثقافة الديمقراطية حتى عند أكثر النخب ادعاءً لها. كما جاءت إجراءات الرئيس ومشروعه السياسي لتؤكد زيف تلك الادعاءات باستثنائية التجربة التونسية وبقوة الأجسام الوسيطة السياسية والمدنية والنقابية وغيرها.

إن نجاح تصحيح المسار يقدّم جملة من الدروس التي لا يبدو أن النخب مستعدة لتبنيَ عليها مراجعاتها ونقدها الذاتي. ولعل من أهم تلك الدروس التي يمكن استخلاصها من نجاح "تصحيح المسار" في إنهاء "الفاصلة الديمقراطية"؛ هو عدم وجود حاضنة شعبية حقيقية للديمقراطية التمثيلية حين لا تكون ديمقراطية منجِزة، أي ديمقراطية قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية لعموم المواطنين.

لقد جاء تصحيح المسار ليؤكد أن الديمقراطية ليست مطلبا حقيقيا ولا مبدئيا، خاصةً عند أولئك الذين يُصرّون على احتكار هذه الصفة ونفيها عن خصومهم، بل هي عندهم مجرد خيار تكتيكي فرضته سياقات معينة وتوازنات داخلية ودولية مؤقتة. ولذلك فإنهم لن يعارضوا أي مشروع سياسي يعيد هندسة الحقل السياسي بقوة الدولة -أي من فوق- إذا ما ضمن لهم حضورا ولو هامشيا في السلطة وخلّصهم من عدوهم الوجودي: الإسلام السياسي. ولكنّ هذا التوقع خاب لأن مشروع الرئيس -في إطار علاقة التعامد مع الدولة العميقة ورعاتها الإقليميين والدوليين- لم يكن يستهدف حركة النهضة لأسباب أيديولوجية فقط،
تأزم وضعية تصحيح المسار وفقدانه جزءا كبيرا من شرعيته ومشروعيته لا يعني أنه لن يستمر في حكم تونس في المدى المنظور، فالمعارضة بمختلف أطرافها لا تملك أي مشروع بديل يتجاوز سقف 24 تموز/ يوليو 2021، وهو سقف لا يتمتع بمصداقية كبيرة بين عموم التونسيين ولا بدعم نخبهم المؤثرة
بل كان يستهدفها أساسا لأنها مركز الديمقراطية التمثيلية والنظام البرلماني المعدّل. وهو ما يعني انتفاء الحاجة للأجسام الوسيطة المنتمية لليسار الوظيفي ولورثة التجمع، لكن دون انتهاء الحاجة إلى خزّانها البشري بصفة فردية.

أما في المستوى الخارجي، فقد أكد تصحيح المسار أن احتفاء الغرب بالانتقال الديمقراطي في تونس كان مجرد موقف براغماتي تكتيكي لم يغير شيئا في المحدد الاستراتيجي لتعامل القوى الغربية مع "الكيانات الوظيفية" بعد "الربيع العربي": القدرة على ضبط المجال الداخلي وتحقيق الاستقرار من جهة أولى، وعدم تهديد المصالح المادية والرمزية للغرب من جهة ثانية.

إن علاقة التعامد الوظيفي أو التخادم بين تصحيح المسار ومنظومة الاستعمار الداخلي هو واقع لا يمكن أن تخفيه سردية "التحرير الوطني" ولا تغيير واجهات "الوظيفة التنفيذية، وهو ما يجعل تلك الحرب -مهما كان صدق الرئيس- لا تتجاوز المستوى الخطابي. فالمشكل ليس في الأشخاص أو الأعيان، بل في بنية الدولة ذاتها وفي الأساطير التأسيسية التي بنت "دولة الاستعمار الجديد". ولذلك فإن الحديث عن "شبكات الفساد" و"اللوبيات" لم يستطع أن يغير شيئا من الواقع المعيش للتونسي، فهذا الواقع ما زالت تسوسه عقيدة إدارية وتشريعات مرعيّة لا تتوافق مع "حرب التحرير" بل تناقضها، وهو ما أفقد هذا المشروع الكثير من مشروعيته بعد تآكل شرعيته.

ولكن تأزم وضعية تصحيح المسار وفقدانه جزءا كبيرا من شرعيته ومشروعيته لا يعني أنه لن يستمر في حكم تونس في المدى المنظور، فالمعارضة بمختلف أطرافها لا تملك أي مشروع بديل يتجاوز سقف 24 تموز/ يوليو 2021، وهو سقف لا يتمتع بمصداقية كبيرة بين عموم التونسيين ولا بدعم نخبهم المؤثرة، بصرف النظر عن المحصول الواقعي للنظام الحالي في مختلف المجالات.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)