العنوان: الانتقال المجتمعي المعطل
المؤلف: المولدي قسومي
الناشر: دار الكتاب
رابعًا ـ المنهجية: المقاربة السوسيولوجية
في قراءة الانتقال المعطّل
يمثل البعد المنهجي أحد العناصر الأساسية
لفهم المشروع التحليلي الذي يقترحه الباحث المولدي قسومي في
كتاب الانتقال
المجتمعي المعطّل. فالمؤلف لا يكتفي بتقديم وصف سياسي لمسار التحول في
تونس، بل
يسعى إلى بناء مقاربة تفسيرية تستند إلى أدوات السوسيولوجيا السياسية من أجل فهم
الديناميات العميقة التي حكمت هذا المسار.
في هذا السياق، يتضح أن المؤلف يعتمد مقاربة
يمكن وصفها بأنها مقاربة سوسيولوجية تاريخية، تقوم على الربط بين اللحظة السياسية
الراهنة وبين المسار التاريخي الطويل لتشكل الدولة والمجتمع في تونس. فبدل النظر
إلى الثورة باعتبارها قطيعة مطلقة مع الماضي، يسعى الكاتب إلى إبراز الاستمراريات
البنيوية التي تربط الحاضر بالماضي، وهو ما يسمح بفهم كيف يمكن لبنيات تاريخية
راسخة أن تستمر في التأثير في مسار التحول السياسي حتى بعد حدوث تغيير ثوري.
ويقوم هذا المنهج على فكرة أساسية مفادها أن
الظواهر السياسية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن سياقها الاجتماعي والتاريخي. فالنظام
السياسي، في منظور السوسيولوجيا السياسية، ليس مجرد بنية مؤسساتية، بل هو تعبير عن
شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تتشكل عبر الزمن. ومن هنا تأتي
محاولة المؤلف قراءة الانتقال التونسي بوصفه جزءًا من مسار تاريخي أوسع يتعلق
بتشكل الدولة الوطنية وبطبيعة علاقتها بالمجتمع.
كما يظهر في الكتاب حضور واضح لما يمكن
تسميته التحليل البنيوي، حيث يسعى المؤلف إلى الكشف عن البنيات العميقة التي تتحكم
في سلوك الفاعلين السياسيين وفي طبيعة الصراعات التي عرفتها المرحلة الانتقالية.
فبدل التركيز على الأحداث السياسية اليومية أو على القرارات الظرفية للنخب
الحاكمة، يركز التحليل على الأنماط البنيوية التي تحدد حدود الفعل السياسي
وإمكاناته.
وفي هذا الإطار، يعتمد المؤلف أيضًا على نوع
من التحليل التأويلي الذي يسعى إلى فهم المعاني والدلالات الكامنة وراء الممارسات
السياسية والاجتماعية. فالأزمة السياسية، في نظره، ليست مجرد خلل في المؤسسات، بل
هي أيضًا تعبير عن توتر أعمق في الثقافة السياسية وفي التصورات المختلفة لطبيعة
الدولة والمجتمع.
يساهم الكتاب في إثراء النقاش السوسيولوجي حول مسارات التحول في العالم العربي، لأنه يسلط الضوء على الفجوة القائمة بين التغيير السياسي السريع الذي قد تحدثه الثورات وبين التحولات الاجتماعية البطيئة التي تحتاج إلى زمن أطول حتى تترسخ في البنية الثقافية للمجتمع. ومن خلال هذا التحليل، يحاول المؤلف أن يفسر كيف يمكن لمسار ثوري واعد أن يتحول إلى تجربة انتقالية متعثرة أو غير مكتملة.
غير أن هذه المقاربة المنهجية، رغم ما تمنحه
من عمق تحليلي، تطرح بدورها بعض التساؤلات. فالميل إلى التفسير البنيوي قد يؤدي
أحيانًا إلى التقليل من أهمية الفعل السياسي والقرارات التي تتخذها النخب في لحظات
تاريخية حاسمة. كما أن التركيز على العوامل الداخلية قد يجعل التحليل أقل انتباهًا
لتأثير السياقات الإقليمية والدولية التي لعبت دورًا مهمًا في مسارات التحول في
المنطقة العربية.
ومع ذلك، فإن القيمة الأساسية للمقاربة
المنهجية التي يعتمدها المؤلف تكمن في محاولتها تجاوز القراءة السطحية للأزمة
السياسية في تونس، والانتقال إلى مستوى أعمق من التحليل يسعى إلى فهم العلاقة
المعقدة بين الدولة والمجتمع والثقافة السياسية. فبهذا المعنى، لا يقدم الكتاب
مجرد سرد لأحداث المرحلة الانتقالية، بل يسعى إلى بناء نموذج تفسيري يضع هذه
الأحداث داخل إطار سوسيولوجي أوسع.
ومن هنا يمكن القول إن المنهجية التي
يعتمدها الكتاب تشكل أحد عناصر قوته الأساسية، لأنها تتيح قراءة متعددة الأبعاد
لمسار الانتقال التونسي، تجمع بين التحليل التاريخي والبنيوي والتأويلي. غير أن
هذه القوة المنهجية تظل بحاجة إلى استكمالها بمزيد من الانفتاح على المقاربات
المقارنة التي تسمح بوضع التجربة التونسية في سياق أوسع من تجارب الانتقال السياسي
في العالم.
خامسًا ـ القيمة الفكرية للكتاب وموقعه داخل
المشروع البحثي للمولدي قسومي
يشكّل كتاب الانتقال المجتمعي المعطّل محطة
مهمة داخل المسار الفكري والبحثي للباحث المولدي قسومي، إذ يمكن النظر إليه بوصفه
امتدادًا لمشروع معرفي يسعى إلى قراءة التحولات السياسية والاجتماعية في تونس من
منظور سوسيولوجي يربط بين الدولة والمجتمع والثقافة السياسية. فالمؤلف لا يتعامل
مع الظاهرة السياسية بوصفها مجالاً منفصلاً عن البنيات الاجتماعية، بل يحرص على
إدراجها داخل شبكة أوسع من العلاقات التاريخية والاجتماعية التي تحدد طبيعة
التحولات وإيقاعها.
في هذا الإطار، يمكن القول إن هذا الكتاب
يندرج ضمن مسعى فكري أوسع لدى المؤلف يهدف إلى فهم ما يمكن تسميته أزمة الانتقال
في المجتمعات العربية، وخاصة في الحالة التونسية التي مثّلت، لفترة من الزمن،
النموذج الأكثر وعدًا في مسار التحولات التي أعقبت الثورات العربية. غير أن قراءة
المؤلف تسعى إلى تجاوز الخطابات المتفائلة أو التشاؤمية التي سادت في تحليل هذه
التجربة، لتقديم تفسير أكثر تركيبًا يأخذ بعين الاعتبار التداخل بين العوامل
السياسية والاجتماعية والثقافية.
ومن هذه الزاوية، لا يظهر الكتاب كتحليل
معزول لمرحلة سياسية محددة، بل كجزء من محاولة فكرية أوسع لإعادة التفكير في مفهوم
الانتقال ذاته. فبدل الاكتفاء بالمقولات الكلاسيكية التي طورتها أدبيات الانتقال
الديمقراطي في علم
السياسة، يقترح المؤلف توسيع أفق التحليل نحو ما يسميه الانتقال
المجتمعي، وهو مفهوم يسعى من خلاله إلى إبراز أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن
ينجح إذا بقي محصورًا في مستوى المؤسسات السياسية دون أن يمتد إلى المجتمع ذاته.
وفي هذا المعنى، يساهم الكتاب في إثراء
النقاش السوسيولوجي حول مسارات التحول في العالم العربي، لأنه يسلط الضوء على
الفجوة القائمة بين التغيير السياسي السريع الذي قد تحدثه الثورات وبين التحولات
الاجتماعية البطيئة التي تحتاج إلى زمن أطول حتى تترسخ في البنية الثقافية
للمجتمع. ومن خلال هذا التحليل، يحاول المؤلف أن يفسر كيف يمكن لمسار ثوري واعد أن
يتحول إلى تجربة انتقالية متعثرة أو غير مكتملة.
غير أن القيمة الفكرية للكتاب لا تقتصر على
الإطار المفهومي الذي يقترحه، بل تمتد أيضًا إلى محاولته بناء قراءة نقدية للتجربة
التونسية نفسها. فالكتاب يسعى إلى تفكيك السرديات المبسطة التي تختزل الأزمة في
صراع بين الفاعلين السياسيين أو في أخطاء ظرفية للنخب الحاكمة، ويعيد توجيه النقاش
نحو العوامل البنيوية العميقة التي تتحكم في مسار التحول.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح، رغم ما يتميز به من
عمق تحليلي، يظل بدوره مفتوحًا على عدد من الملاحظات النقدية. فمن جهة، قد يؤدي
التركيز القوي على العوامل البنيوية إلى التقليل من أهمية الفعل السياسي ومن دور
الخيارات التي اتخذتها النخب في لحظات تاريخية حاسمة من مسار الانتقال. ومن جهة
أخرى، يبدو حضور العوامل الإقليمية والدولية في التحليل محدودًا نسبيًا، رغم أن
هذه العوامل لعبت دورًا مؤثرًا في تشكيل السياق العام للتحولات السياسية في
المنطقة.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تقلل من
أهمية الجهد الفكري الذي يبذله المؤلف في هذا العمل. فالكتاب يقدم محاولة جادة
لإعادة التفكير في تجربة الانتقال التونسي خارج القراءات الاختزالية، ويسعى إلى
بناء نموذج تحليلي يربط بين التحول السياسي والبنيات الاجتماعية العميقة. وبهذا
المعنى، يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه مساهمة مهمة في النقاش الفكري حول مستقبل
التحولات الديمقراطية في تونس وفي العالم العربي عمومًا.
إن أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه لا يكتفي
بتفسير تعثر الانتقال، بل يدفع القارئ إلى التفكير في الشروط التاريخية
والاجتماعية التي تجعل هذا الانتقال ممكنًا في المستقبل. فالتشخيص الذي يقدمه
المؤلف، رغم طابعه النقدي، يفتح في الوقت نفسه أفقًا للتفكير في كيفية تجاوز حالة
التعطيل وبناء مسار تحول أكثر رسوخًا واستدامة.
سادسًا ـ المقاربة المقارنة.. موقع أطروحة
قسومي داخل النقاش النظري حول الانتقال
يكتسب التحليل الذي يقدمه الباحث المولدي
قسومي في كتابه الانتقال المجتمعي المعطّل أهمية خاصة حين يوضع في سياق النقاش
النظري الأوسع حول مسارات التحول السياسي في المجتمعات الحديثة. فالأطروحة التي
يدافع عنها المؤلف لا تنفصل عن تقاليد معرفية متعددة في علم الاجتماع السياسي،
لكنها في الوقت ذاته تحاول تجاوز بعض حدودها النظرية.
في أدبيات علم السياسة الكلاسيكية، خاصة تلك
التي تطورت منذ سبعينيات القرن العشرين، تم تحليل التحولات السياسية في إطار ما
يعرف بنظريات
الانتقال الديمقراطي. وقد ركزت هذه الأدبيات أساسًا على التحولات
المؤسسية التي تنتقل فيها الأنظمة السياسية من السلطوية إلى الديمقراطية، مع
اهتمام خاص بدور النخب السياسية والتوافقات التي تنشأ بينها خلال المرحلة
الانتقالية. فالديمقراطية، في هذا التصور، تتشكل أساسًا من خلال إعادة صياغة قواعد
اللعبة السياسية وبناء مؤسسات تضمن التداول السلمي على السلطة.
غير أن هذه المقاربة تعرضت لاحقًا لانتقادات
عديدة، خاصة من قبل الباحثين الذين رأوا أن التركيز على المؤسسات السياسية وحدها
لا يكفي لفهم تعقيد التحولات التي تشهدها المجتمعات الخارجة من الأنظمة السلطوية.
فالديمقراطية ليست مجرد نظام مؤسسي، بل هي أيضًا نتاج تحولات اجتماعية وثقافية
أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق يمكن فهم الطرح الذي يقترحه
قسومي. فمفهوم الانتقال المجتمعي الذي يضعه في قلب تحليله يمثل محاولة لتجاوز
المقاربة المؤسسية الضيقة لنظريات الانتقال الديمقراطي. فبدل التركيز على التحول
السياسي في حد ذاته، يدعو المؤلف إلى قراءة هذا التحول ضمن مسار تاريخي أوسع يشمل
إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والثقافة السياسية.
ومن هذه الزاوية، يقترب تحليل قسومي من بعض
المقاربات السوسيولوجية التي ترى أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق إلا عندما
تتوفر شروط اجتماعية وثقافية تسمح بترسيخ قيم المشاركة والتعددية داخل المجتمع.
فالديمقراطية، وفق هذا المنظور، ليست مجرد نتيجة لتوافق النخب السياسية، بل هي
أيضًا تعبير عن تحولات أعمق في بنية المجتمع ذاته.
لكن ما يميز أطروحة قسومي هو محاولته تطبيق
هذا الإطار التحليلي على الحالة التونسية، حيث يسعى إلى تفسير تعثر التجربة
الانتقالية من خلال التوتر القائم بين التحول السياسي السريع الذي أحدثته الثورة
وبين بطء التحولات الاجتماعية والثقافية التي يفترض أن تدعم هذا التحول.
ومع ذلك، فإن المقاربة التي يعتمدها المؤلف
تظل بدورها مفتوحة على النقاش. فالتفسير البنيوي الذي يركز على البنيات العميقة
للدولة والمجتمع يمنح التحليل عمقًا سوسيولوجيًا واضحًا، لكنه قد يقلل أحيانًا من
أهمية العوامل الظرفية ومن دور الفاعلين السياسيين في توجيه مسار الأحداث. كما أن
حضور المقارنة الدولية في الكتاب يبقى محدودًا نسبيًا، رغم أن وضع التجربة
التونسية في سياق تجارب انتقالية أخرى كان يمكن أن يثري التحليل ويوسع أفقه
التفسيري.
يقدم كتاب الانتقال المجتمعي المعطّل للباحث المولدي قسومي محاولة فكرية جادة لفهم تعثر مسار التحول السياسي في تونس بعد الثورة، وذلك من خلال مقاربة سوسيولوجية تسعى إلى الربط بين الدولة والمجتمع والثقافة السياسية داخل إطار تحليلي واحد. فالمؤلف لا يكتفي بتقديم قراءة ظرفية للأزمة السياسية، بل يحاول أن يضعها في سياق تاريخي أوسع يتعلق بتشكل الدولة الوطنية وبطبيعة العلاقة التي نسجتها هذه الدولة مع المجتمع.
ومع ذلك، تبقى القيمة الأساسية لهذا الطرح
في كونه يساهم في نقل النقاش حول التحول السياسي في تونس من مستوى السجال السياسي
اليومي إلى مستوى التحليل السوسيولوجي العميق. فبدل الانشغال بتفسير الأزمات
السياسية المتلاحقة، يحاول المؤلف أن يكشف عن البنيات التاريخية والاجتماعية التي
تجعل هذه الأزمات ممكنة.
في المحصلة، يقدم كتاب الانتقال المجتمعي
المعطّل للباحث المولدي قسومي محاولة فكرية جادة لفهم تعثر مسار التحول السياسي في
تونس بعد الثورة، وذلك من خلال مقاربة سوسيولوجية تسعى إلى الربط بين الدولة
والمجتمع والثقافة السياسية داخل إطار تحليلي واحد. فالمؤلف لا يكتفي بتقديم قراءة
ظرفية للأزمة السياسية، بل يحاول أن يضعها في سياق تاريخي أوسع يتعلق بتشكل الدولة
الوطنية وبطبيعة العلاقة التي نسجتها هذه الدولة مع المجتمع.
وقد سمح هذا المنظور للمؤلف بأن يطرح مفهوم
الانتقال المجتمعي بوصفه إطارًا تحليليًا يتجاوز القراءة الضيقة للانتقال
الديمقراطي، ويؤكد أن التحول السياسي لا يمكن أن يكتمل ما لم يصاحبه تحول أعمق في
البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع. ومن خلال هذا الطرح يسعى الكتاب إلى تفسير
حالة التعثر التي عرفتها التجربة التونسية بوصفها نتيجة تفاعل معقد بين بقايا
البنية السلطوية للدولة، وضعف التوافق بين النخب السياسية، وبطء التحولات
الاجتماعية الضرورية لترسيخ الديمقراطية.
ورغم ما يقدمه الكتاب من إسهام تحليلي مهم،
فإنه يظل مفتوحًا على جملة من الأسئلة التي يمكن أن تشكل منطلقًا لمزيد من البحث.
فإلى أي مدى يمكن تفسير تعثر الانتقال في تونس بالاعتماد أساسًا على العوامل
البنيوية الداخلية؟ وما هو الدور الذي تلعبه السياقات الإقليمية والدولية في تشكيل
مسارات التحول السياسي في المنطقة؟ ثم إلى أي حد يمكن لمفهوم الانتقال المجتمعي أن
يشكل إطارًا نظريًا عامًا لفهم التحولات في المجتمعات العربية؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية العمل، بل
تؤكد في الواقع قيمته الفكرية، لأن أحد أهداف البحث العلمي ليس تقديم إجابات
نهائية بقدر ما هو فتح آفاق جديدة للتفكير. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كتاب
قسومي بوصفه مساهمة مهمة في النقاش الفكري حول مستقبل التحولات الديمقراطية في
تونس، وفي العالم العربي عمومًا.
فهو عمل يحاول أن يحرر تحليل الأزمة من
سطحية السجال السياسي، وأن يعيده إلى مستوى أعمق من التفكير السوسيولوجي في شروط
الانتقال وإمكاناته وحدوده.
إقرأ أيضا: حين يسبق السياسيُّ الاجتماعي.. مأزق الانتقال الديمقراطي في تونس 1من2