استعاد الجيش
المالي، مدعوماً بمقاتلين روس
من "فيلق إفريقيا"، السيطرة على مدينة النفيس شمال البلاد بعد أيام من
المعارك مع مقاتلي جبهة تحرير أزواد الانفصالية، في تطور يعكس تنامي
الدور الروسي
في مالي، ويكشف طبيعة التحالف الجديد بين المجلس العسكري الحاكم في باماكو وموسكو،
في مواجهة التحديات الأمنية والانفصالية التي تضرب منطقة الساحل منذ أكثر من عقد.
وأكدت مصادر عسكرية مالية، الجمعة، أن
القوات الحكومية تمكنت من اختراق التحصينات والوصول إلى المدينة التي تبعد نحو مئة
كيلومتر عن كيدال، المعقل التاريخي للمتمردين الطوارق، بعد وصول تعزيزات من الجيش
المالي والقوات الروسية مساء الخميس.
وكانت مدينة النفيس قد سقطت في أيدي مقاتلين
من جبهة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، ومنفصلين تابعين
لـ"جبهة تحرير أزواد"، إثر هجمات منسقة شنها الطرفان في شمال مالي
وجنوبها، قبل أن تبدأ القوات الحكومية وحلفاؤها الروس عملية استعادة السيطرة عليها.
ونقلت مصادر إعلامية دولية عن مصدر عسكري
مالي قوله اليوم: إن القوات المالية وشركاءها في "فيلق إفريقيا" تمكنوا
من "اختراق العوائق والوصول إلى النفيس لتعزيز القوات الموجودة هناك".
في المقابل، قال المتحدث باسم جبهة تحرير
أزواد محمد المولود رمضان إن الانسحاب من المدينة جاء "لدواع استراتيجية
ولتجنب وقوع خسائر مدنية"، مضيفاً أن القوات التي واجهتهم تضمنت نسبة كبيرة
من المقاتلين الروس، على حد قوله.
روسيا تملأ فراغ الغرب في الساحل
تمثل معركة النفيس حلقة جديدة في مسار
التحول الجيوسياسي الذي تشهده مالي منذ وصول العسكريين إلى السلطة إثر انقلابين
عامي 2020 و2021، حيث شهدت البلاد تراجعاً كبيراً في نفوذ القوى الغربية، خصوصاً
فرنسا، مقابل صعود الحضور الروسي.
وكانت الحكومات العسكرية في مالي والنيجر
وبوركينا فاسو قد اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية
بعيداً عن الشراكة التقليدية مع باريس، متهمة فرنسا بالفشل في مواجهة الجماعات
المسلحة، وعدم احترام سيادة دول المنطقة.
وفي هذا السياق، قدمت موسكو نفسها باعتبارها
شريكاً أمنياً بديلاً، مستفيدة من حالة الغضب الشعبي تجاه الوجود العسكري الفرنسي،
ومن رغبة الأنظمة العسكرية الجديدة في الحصول على دعم أمني مباشر دون شروط سياسية
مرتبطة بقضايا الديمقراطية والحكم المدني.
وتحولت مالي إلى إحدى أبرز ساحات هذا
التنافس، حيث عززت روسيا وجودها العسكري عبر تشكيلات تعرف باسم "فيلق
إفريقيا"، الذي يمثل امتداداً جديداً لنفوذ موسكو العسكري في القارة بعد
إعادة هيكلة حضور المرتزقة الروس عقب مقتل زعيم مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين عام
2023.
لماذا تدعم موسكو قادة مالي؟
يرتبط الدعم الروسي للسلطات العسكرية في
مالي بمجموعة من المصالح المتداخلة، أبرزها الرغبة في توسيع النفوذ الجيوسياسي في
منطقة الساحل، التي تعد من أكثر مناطق إفريقيا أهمية بسبب موقعها الاستراتيجي
وثرواتها الطبيعية.
وتنظر موسكو إلى مالي باعتبارها بوابة مهمة
لتعزيز حضورها في غرب إفريقيا، خاصة مع تراجع النفوذ الفرنسي والأوروبي، كما تسعى
إلى تقديم نفسها كشريك قادر على توفير الأمن ومكافحة الجماعات المسلحة.
إلى جانب البعد الأمني، ترتبط العلاقات
الروسية المالية بمصالح اقتصادية، خصوصاً في قطاعات التعدين والطاقة، حيث تعد مالي
من الدول الغنية بالذهب، إضافة إلى موارد طبيعية أخرى تجعلها ذات أهمية بالنسبة
للقوى الدولية المتنافسة على النفوذ في القارة الإفريقية.
كما يمنح التحالف مع باماكو موسكو فرصة
لتعزيز حضورها في منطقة قريبة من طرق التجارة والطاقة والهجرة غير النظامية، بما
يرفع من وزنها في مواجهة النفوذ الغربي.
العسكريون في مالي يبحثون عن شرعية الأمن
من جانبهم، يراهن قادة مالي الجدد على
التحالف الروسي لتثبيت سلطتهم وتقديم أنفسهم باعتبارهم القوة القادرة على استعادة
الأمن ووحدة الأراضي، في بلد يواجه منذ عام 2012 تمرداً مسلحاً متعدد الأطراف.
وتواجه مالي تهديدات متشابكة، تشمل جماعات
مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة، إلى جانب حركات انفصالية عرقية، خصوصاً بين
الطوارق في شمال البلاد، الذين يطالب بعضهم بحكم ذاتي أو انفصال منطقة أزواد.
ويرى المجلس العسكري أن استعادة السيطرة على
المناطق الشمالية تمثل اختباراً مركزياً لقدرته على فرض سلطة الدولة، بعد سنوات من
ضعف الحضور الحكومي في مناطق واسعة من البلاد.
لكن منتقدين للتحالف الروسي يحذرون من أن
الاعتماد على القوة العسكرية وحدها قد لا يكون كافياً لمعالجة جذور الأزمة، التي
ترتبط أيضاً بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، بينها الفقر، وضعف التنمية،
والتوترات العرقية.
هل يتحول الساحل إلى منطقة نفوذ روسية؟
تثير التحركات الروسية في مالي تساؤلات حول
مستقبل التوازنات الدولية في الساحل الإفريقي، خصوصاً مع تراجع الدور الفرنسي،
وانسحاب عدد من القوات الغربية التي كانت تنشط تحت مظلة مكافحة الإرهاب.
وترى موسكو أن الفراغ الذي خلفه تراجع الغرب
يمثل فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها، فيما تعتبر الأنظمة العسكرية في المنطقة أن
الشراكة مع روسيا تمنحها هامش حركة أكبر في مواجهة الضغوط الدولية.
غير أن استمرار التحديات الأمنية، واتساع
نشاط الجماعات المسلحة، يضعان هذا التحالف أمام اختبار حقيقي: فنجاحه لن يقاس فقط
بالسيطرة على مدن مثل النفيس، وإنما بقدرته على تحقيق استقرار طويل الأمد في منطقة
ظلت لعقد كامل مسرحاً للحروب المفتوحة والتنافس الدولي.
وتكشف معركة النفيس، رغم محدوديتها
الجغرافية، عن تحول أوسع في خريطة الساحل: انتقال مالي من شراكة أمنية غربية
تقليدية إلى تحالف جديد مع موسكو، في محاولة لإعادة رسم معادلات القوة في واحدة من
أكثر مناطق إفريقيا اضطراباً.
اظهار أخبار متعلقة