كروب "اجمعي": حين تصبح الحاجة مدرسةً للتدبير

هناء عبد العال
"مهنة تقتات على ما يرميه الآخرون، لكنها في الوقت ذاته، تعيد تدوير أكثر من مجرد مواد خام"- جيتي
"مهنة تقتات على ما يرميه الآخرون، لكنها في الوقت ذاته، تعيد تدوير أكثر من مجرد مواد خام"- جيتي
شارك الخبر
في زحمة الشوارع وتفاصيل المدينة التي لا تهدأ، غالباً ما نمرّ أمام مشاهد يومية نعتاد رؤيتها حتى تفقد دهشتها. لكن ثمة لحظات تتوقف فيها الساعة، وتنتزعك من روتينك لتجبرك على التأمل في فلسفة البقاء التي يبتكرها الإنسان حين تحاصره الحاجة.

فلسفة "الكروب"

في أحياء المدينة المكتظة، يظهر "كروب اجمعي"؛ ليس مجرد لقب لجامعي البلاستيك والكرتون، بل هو مسمى يحمل في طياته دلالات سوسيولوجية عميقة. هؤلاء الأشخاص الذين نراهم يجرون عرباتهم المتهالكة، أو يلملمون بقايا الاستهلاك البشري.

هم في الحقيقة مهندسو بقاء، هم أفراد دفع بهم الواقع إلى "المهنة المنسية"، مهنة تقتات على ما يرميه الآخرون، لكنها في الوقت ذاته، تعيد تدوير أكثر من مجرد مواد خام؛ إنها تعيد تدوير الأمل.

مدرسة التدبير في الشارع
إنهم يمتلكون قدرة مذهلة على "قراءة" القمامة، معرفة ما هو ذو قيمة وما هو عديم الجدوى، في عالم يسير وفق منطق الاستهلاك السريع. هذه المهارة ليست مجرد حرفة، بل هي تدبيرٌ واعٍ للحياة في أقسى ظروفها

يعد الشارع بالنسبة لـ"الكروب" مدرسة كبرى. هنا، لا توجد نظريات اقتصادية مكتوبة، بل قوانين محفورة في العرق والتعب. إنهم يمتلكون قدرة مذهلة على "قراءة" القمامة، معرفة ما هو ذو قيمة وما هو عديم الجدوى، في عالم يسير وفق منطق الاستهلاك السريع. هذه المهارة ليست مجرد حرفة، بل هي تدبيرٌ واعٍ للحياة في أقسى ظروفها. إنهم يعلموننا أن القيمة ليست في الأشياء ذاتها، بل في قدرتنا على استخراج الجدوى من العدم.

بين نظرة المجتمع وواقع الكرامة

المفارقة المؤلمة تكمن في النظرة المجتمعية لهؤلاء، فبينما يراهم البعض عبئاً أو مصدراً للفوضى، يغيب عن الأذهان أن هؤلاء يمارسون نوعاً من "العمل الشريف" الذي يجنبهم الانزلاق نحو مسارات أكثر قتامة. إنهم يحفظون كرامتهم بـ"إيديهم"، يكدون من الفجر حتى المساء، دون مظلة حماية اجتماعية، ودون اعتراف بدورهم البيئي والاقتصادي المهم.

خاتمة: دعوة لإعادة النظر

إن "كروب اجمعي" هو مرآة تعكس فجوات مجتمعنا. إنهم ليسوا مجرد حالات عابرة، بل هم جزء من نسيج المدينة، جزءٌ صامت يصرخ بصمته عن ثنائية البقاء والتدبير. إن التحدي الذي يواجهنا ليس في كيفية التعامل معهم، بل في كيفية رؤيتهم بإنصاف؛ كبشر يمتلكون، رغم كل شيء، قدرةً إبداعية على تطويع الحياة لتستمر، مهما كانت الظروف قاسية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)