أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت
هيغسيث، الأربعاء، نجاح أول اختبار حي لمنظومة "
القبة الذهبية"، بعدما تمكنت من اعتراض تهديدات جوية بشكل مستقل باستخدام طاقة موجهة ضمن ظروف قتالية، في مشروع لطالما طمح إليه وتبناه الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، وخطوة مفصلية في مسار تطوير المنظومة الدفاعية الجديدة.
وأوضح هيغسيث، في منشور عبر منصة "إكس"، أن النظام نجح في رصد وتحييد عدد كبير من التهديدات الجوية الواردة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، دون تسجيل أي إخفاقات خلال الاختبار.
وأضاف أن أنظمة "الدفاع الديناميكي المستقل للإسقاط" (DDAD) المدعومة بتقنيات "الطاقة الموجّهة" من الجيل القادم، عملت باستقلالية كاملة، حيث تولّت تعقب التهديدات الجوية واستهدافها وتدميرها في الوقت نفسه.
ومن جانبها، نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين في البنتاغون أن الاختبار السري أُجري في ميدان عسكري لم يُكشف عن موقعه، مشيرة إلى أنه جرى تقييم قدرة المنظومة على العمل بكفاءة في بيئة تتسم بحرب إلكترونية كثيفة، إلى جانب محاكاة ظروف ميدانية قتالية حقيقية.
وأكد هيغسيث أن هذا التقدم "التاريخي" يحول رؤية الرئيس دونالد ترامب، المستوحاة من مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI) التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن، إلى واقع عملي، مشيرا إلى أن "القبة الذهبية" أصبحت اليوم درعا قويا وواقعا ملموسا لحماية الأراضي الأمريكية، عبر طبقة دفاعية متطورة تستند إلى منظومات برية وفضائية متكاملة.
ما هي القبة الذهبية؟
تعد القبة الذهبية منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات مخططة للولايات المتحدة، تهدف إلى رصد الصواريخ الباليستية والأسرع من الصوت وصواريخ كروز وإسقاطها قبل إطلاقها أو خلال طيرانها.
وأصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بشأنها في أواخر كانون الثاني/ يناير 2025 أمر فيه وزير الحرب بتقديم خطة تنفيذية، وأعلن أن المنظومة ستكون جاهزة قبل انتهاء ولايته.
وتعتمد المنظومة على شبكة من الأقمار الاصطناعية والمستشعرات الأرضية والبحرية والجوية.
اظهار أخبار متعلقة
وتعد منظومة "القبة الذهبية" مستوحاة من القبة الحديدية للاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها تصمم على نطاق أوسع بكثير، نظرا لاتساع المساحة الجغرافية المطلوب حمايتها، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بتعدد أنواع التهديدات التي قد تواجهها.
وبحسب الجنرال مايكل غويتلين، الذي عينه ترامب لإدارة برنامج القبة الذهبية في قوات الفضاء الأمريكية، أكد خلال مؤتمر في لوس أنجلوس مطلع العام الجاري، أن أولوية المنظومة هي بناء نظام متكامل للقيادة والسيطرة، مع خطة لإتاحة قدرة أولية لهذا النظام خلال صيف 2026.
التمويل والعقود.. أرقام مختلفة
قدر تحليل صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس منتصف الشهر الماضي، تكلفة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمشروع "القبة الذهبية"، بنحو 1.2 تريليون دولار على مدى 20 عاما، وهو رقم يفوق بكثير التقدير الأولي البالغ 175 مليار دولار الذي أعلنه ترامب العام الماضي.
وأوضح التقرير الصادر عن مكتب الميزانية غير الحزبي، أن هذا التحليل يمثل "نهجا توضيحيا" ولا يعد تقديرا لمقترح محدد تقدمت به الإدارة الأمريكية.
وبرّر ترامب، في الأمر التنفيذي، الحاجة إلى هذا النظام بالقول: "على مدى الأربعين عاما الماضية، لم يتراجع التهديد الناتج من الأسلحة الاستراتيجية من الجيل الجديد، بل أصبح أكثر حدة وتعقيداً مع تطوير الخصوم المنافسين وشبه المنافسين أنظمة إطلاق متطورة".
وفي المقابل، أشار تقرير مكتب الميزانية إلى أن تقدير التكلفة يواجه تحديات كبيرة بسبب نقص التفاصيل التي قدمتها وزارة الحرب الأمريكية بشأن طبيعة الأنظمة المزمع نشرها وعددها، ما يجعل "من المستحيل تقدير التكلفة طويلة الأجل" للمشروع.
وفي الأول من حزيران/ يونيو الجاري، أعلنت شركة نورثروب غرومان أن قوات الفضاء الأمريكية اختارتها لإثبات قدرات المعترضات الفضائية، وأن الشركة ماضية في جدولها الزمني لتقديم قدرة في المدار عام 2027 عقب اكتمال اختبارات أرضية ناجحة هذا العام.
وفي السياق، أعلنت قوة الفضاء التابعة للقوات المسلحة الأمريكية في آواخر أيار/ مايو، منح شركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك عقدا بقيمة 4.16 مليار دولار، ضمن برنامج يهدف إلى رصد التهديدات الجوية من الفضاء وتتبعها.
وقالت قوة الفضاء، بحسب ما أوردته وكالة "رويترز"، إن عدة شركات ستدخل ضمن موردي البرنامج، من بينها سبيس إكس، مشيرة إلى أنها ستمنح عقودا إضافية خلال العام المقبل، مضيفة أن العقد الأول سيفضي إلى إطلاق مجموعة من الأقمار الصناعية بحلول عام 2028، بما يوفر للقوات المشتركة قدرة مبكرة على سد الثغرات التشغيلية.
اظهار أخبار متعلقة
من جانبها، كشفت وكالة "نوفوستي" الروسية، استنادا إلى تحليل وثائق للكونغرس الأمريكي، أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى نشر طبقة من 7800 قمر صناعي اعتراضي فضائي لتشغيل نظام "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي.
وفي آذار/ مارس الماضي، أقر الجنرال غويتلين بارتفاع التكلفة الرسمية 10 مليارات دولار إضافية لتبلغ 185 مليار دولار، مبرراً ذلك بأن "الحكومة طلبت قدرات فضائية إضافية".
ويبقى الاختبار الذي نفذ اليوم محدود النطاق قياسا بأهداف المنظومة الشاملة، فبحسب مصدرين مطلعين نقلت عنهما شبكة "سي إن إن"، فإن الاختبار الرئيسي الأول للمنظومة الكاملة لا يزال مقررا في الربع الرابع من عام 2028، كما حذر مسؤول دفاعي من أن "عدد الأقمار الاصطناعية اللازمة لتحقيق احتمالية اعتراض ناجحة سيكون مرتفعا جدا نظرا للوقت والمساحة اللازمَين لتغطية الأراضي الأمريكية بالكامل"، واصفا التحدي بأنه "صعب تقنيا وعالي المخاطرة".
وأبدى تود هاريسون، الباحث الأول في معهد أمريكان إنتربرايز، تشككا في الجدول الزمني كله.
وقال هاريسون، بحسب ما نقلت عنه مجلة "
ناشيونال ديفنس" إن "كثيرا مما نراه من هذا البنتاغون هو أداء استعراضي، بهدف إنجاز أشياء تبدو جيدة أمام الكاميرات"، مضيفا أنه "لن يكون ممكنا بناء أي شيء جوهري بحلول خريف 2028"، وأن الحكومة قد "تعيد نشر منظومات دفاع جوي وصاروخي موجودة في مواقع بارزة حول الولايات المتحدة، ثم تضع عليها لافتة تقول القبة الذهبية للأمريكيين".
وفي السياق ذاته، حذر ديفيد رايت، الخبير في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في
مقالة نشرتها مجلة "ساينتيفيك أمريكان" من "مؤشرات تحذيرية شتى"، مستشهدا بما وصفه بأنه "تراجع في الرقابة على المنظومة"، إذ أحجم البنتاغون عن مناقشتها في منتدى الفضاء والدفاع الصاروخي السنوي في هنتسفيل، فيما أعفيت من قواعد "الاختبار قبل الشراء" المعتادة الهادفة إلى تقليص الإنفاق على مشاريع غير واقعية.
الصين وروسيا: مشروع تهديد
على الجانب الآخر، لم يخف الخصوم منذ الإعلان الأول للمنظومة، ردود أفعالهم، حيث جاء في بيان مشترك الصادر عن موسكو وبكين عقب محادثات قادة البلدين منتصف الشهر الماضي، والذي تم نشره على موقع الكرملين، أن "الجانبين يريان أن المشروع الأمريكي 'القبة الذهبية' يشكل تهديدا جليا للاستقرار الاستراتيجي، كونه يهدف إلى إنشاء منظومة دفاع صاروخي عالمية، متعددة المستويات والمجالات، وغير مقيدة بأي حدود، تستهدف اعتراض أي نوع من الأسلحة الصاروخية، بما في ذلك جميع أنواع الصواريخ التابعة لـ'الخصوم الندين'، وذلك في جميع مراحل طيرانها وحتى قبل إطلاقها".
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب
تقرير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، يرى المحلل الروسي ألكسندر إيرماكوف من معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو أن القبة الذهبية "قد تكون مصممة لدرء هجمات دول كإيران وكوريا الشمالية والتخفيف من هجمات
روسيا والصين".
كما أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في التقرير ذاته، أن نظام القبة الذهبية "يجب أن يؤخذ على محمل الجد".
وأضاف أن "الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرح مرارا وتكرارا بأن أنظمتنا الاستراتيجية مجهزة بحيث يمكننا اختراق أي نظام دفاع جوي بشكل موثوق"، وأنه واثق من أن "اعتقاد الولايات المتحدة بتفوقها المطلق بفضل بعض الإنجازات التكنولوجية... سيُدحض".
ووفق التقرير، يرى محللون روس أن أنظمة إيصال الأسلحة النووية الروسية الحديثة ولا سيما صاروخ كروز بوريفستنيك الذي يعمل بالطاقة النووية وطوربيد بوسيدون بعيد المدى تضمن قدرة روسيا على اختراق أي دفاعات أمريكية مستقبلية.