شهدت
مالي، السبت، تصعيدا أمنيا جديدا بعد
تعرض عدد من المواقع العسكرية التابعة للجيش لهجمات متزامنة في شمال البلاد
ووسطها، في تطور يعكس استمرار تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة المواجهة بين
القوات الحكومية والفصائل المسلحة، رغم العمليات العسكرية التي تنفذها باماكو بدعم
من الفيلق الأفريقي الروسي.
وأعلن
الجيش المالي، في بيان مقتضب، أن
مواقعه في أغيلهوك وأنفيف وغاو وسيفاريو كينيوروبا تعرضت لـ"محاولات
هجوم" صباح السبت، دون أن يكشف عن تفاصيل إضافية بشأن سير المعارك أو حجم
الخسائر البشرية والمادية.
وتأتي هذه الهجمات بعد أكثر من شهرين على
هجمات منسقة استهدفت سبع مناطق مالية، من بينها العاصمة باماكو، في مؤشر على قدرة
الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات واسعة ومتزامنة رغم الحملات العسكرية التي
تشنها السلطات.
الفيلق الأفريقي الروسي يتحدث عن صد الهجمات
من جانبه، أعلن الفيلق الأفريقي الروسي،
الذي يقدم دعما عسكريا للجيش المالي، أن الهجمات بدأت قرابة الساعة الخامسة
وأربعين دقيقة صباحا بالتوقيت المحلي، واستهدفت بلدات غاو وأنفيف وأغيلهوك.
وأكد الفيلق، في بيان نشره عبر منصة
"إكس"، أن قواته تنفذ، بالتنسيق مع الجيش المالي، "عمليات قتالية
ناجحة" لصد الهجمات، واصفا البلدات المستهدفة بأنها "آمنة"، دون
تقديم معلومات عن نتائج الاشتباكات أو الخسائر التي تكبدها أي من الطرفين.
ويأتي هذا الإعلان في ظل تنامي الدور الروسي
في مالي منذ انسحاب القوات الفرنسية، حيث أصبحت الوحدات الروسية شريكا رئيسيا
للسلطات العسكرية في مواجهة الجماعات المسلحة المنتشرة في شمال البلاد ووسطها.
جبهة تحرير أزواد تعلن بدء هجوم على أنفيف
في المقابل، أعلن المتحدث باسم "جبهة
تحرير أزواد"، محمد المولود رمضان، أن قوات الجبهة شنت هجوما على مدينة
أنفيف، مؤكدا أن المعارك لا تزال مستمرة داخل المدينة.
وقال رمضان، في منشور عبر صفحته على
"فيسبوك"، إن قوات الجبهة "تواصل التعامل مع ما تبقى من جيوب
المقاومة التابعة للمرتزقة الروس داخل المدينة"، في إشارة إلى العناصر
الروسية المساندة للجيش المالي.
وتعد أنفيف، إلى جانب أغيلهوك، من آخر
المواقع التي لا يزال الجيش المالي يحتفظ فيها بوجود عسكري داخل منطقة كيدال، التي
تشكل أحد أبرز معاقل الحركات الأزوادية في شمال البلاد.
هجوم طال محيط العاصمة
وفي تطور لافت، أفادت مصادر أمنية وسكان
محليون، نقلت عنهم وكالة الصحافة الفرنسية، بأن الهجمات شملت أيضا سجن كينيوروبا،
الواقع على بعد نحو 70 كيلومترا من العاصمة باماكو، ما يشير إلى اتساع النطاق
الجغرافي للهجمات ووصولها إلى مناطق قريبة من مركز السلطة.
ولم تصدر السلطات المالية حتى الآن أي
توضيحات بشأن طبيعة الهجوم على السجن أو حجم الأضرار التي خلفها.
امتداد لهجمات واسعة شهدتها البلاد
وتعيد الهجمات الحالية إلى الأذهان العمليات
الواسعة التي شهدتها مالي في 25 نيسان/ أبريل الماضي، عندما شنت "جبهة تحرير
أزواد"، بالتنسيق مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، هجمات
متزامنة استهدفت العاصمة باماكو ومدن كاتي وكونا وموبتي وسيفاري وكيدال وغاو.
وأسفرت تلك الهجمات، بحسب ما أعلن آنذاك، عن
مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، في واحدة من أكبر الضربات التي تعرضت لها
السلطات العسكرية منذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم.
تصاعد الصراع في شمال مالي
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه مالي
تصاعدا في حدة الصراع منذ انسحاب بعثة الأمم المتحدة والقوات الفرنسية، واتجاه
المجلس العسكري الحاكم إلى توثيق تعاونه مع روسيا في المجالين العسكري والأمني.
وفي المقابل، كثفت الحركات الأزوادية
المسلحة، إلى جانب جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية،
عملياتها ضد الجيش المالي، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للشمال، واتساع
رقعة المناطق الصحراوية، ما جعل البلاد تواجه واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في
منطقة الساحل.
ويرى مراقبون أن الهجمات المتزامنة الأخيرة
تعكس استمرار قدرة الفصائل المسلحة على المبادرة وشن عمليات منسقة في أكثر من
جبهة، رغم إعلان السلطات المالية مرارا تحقيق تقدم ميداني، وهو ما ينذر بمزيد من
التصعيد في ظل تعثر الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار في البلاد.
صراع يتجاوز حدود مالي
لا تقتصر تداعيات المواجهة الدائرة في شمال
مالي على الداخل المالي، بل تمتد إلى مجمل منطقة الساحل والصحراء، التي تشهد منذ
سنوات تداخلا بين النزاعات الانفصالية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، والتنافس
الدولي على النفوذ. ويكتسب الشمال المالي أهمية خاصة لوقوعه على تقاطع حدود
الجزائر والنيجر وموريتانيا، ما يجعل أي تصعيد أمني فيه محل اهتمام مباشر للقوى
الإقليمية والدولية.
وتعد الجزائر الطرف الإقليمي الأكثر انخراطا
في الملف المالي، بحكم حدودها الطويلة مع شمال مالي، وارتباطها تاريخيا بجهود
الوساطة بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية. ورعت الجزائر عام 2015
"اتفاق السلم والمصالحة" المعروف باسم "اتفاق الجزائر"، الذي
نص على ترتيبات سياسية وأمنية لمنح مناطق الشمال قدرا أكبر من الإدارة المحلية
ودمج مقاتلي الحركات المسلحة في مؤسسات الدولة، غير أن الاتفاق تعرض لانتكاسات
متتالية، قبل أن تعلن السلطات العسكرية في باماكو مطلع عام 2024 إنهاء العمل به،
متهمة بعض الفصائل المسلحة بانتهاكه، وهو ما تسبب في توتر ملحوظ في العلاقات بين
الجزائر والسلطات المالية.
أما الاتحاد الإفريقي، فيواصل الدعوة إلى حل
سياسي يحافظ على وحدة الأراضي المالية، مع التأكيد على ضرورة معالجة الأسباب
السياسية والتنموية للنزاع، إلى جانب مكافحة التنظيمات المتشددة. كما يدعو الاتحاد
باستمرار إلى تعزيز التنسيق بين دول الساحل، خشية أن يؤدي استمرار القتال إلى مزيد
من عدم الاستقرار الإقليمي واتساع حركة النزوح وانتقال الجماعات المسلحة عبر
الحدود.
من جهتها، تتابع الولايات المتحدة التطورات
في مالي باعتبارها جزءا من المشهد الأمني الأوسع في منطقة الساحل، حيث تركز واشنطن
على مكافحة التنظيمات المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، مع إبداء قلق
متكرر من تراجع المسار الديمقراطي عقب الانقلابات العسكرية، ومن تنامي النفوذ
الروسي في البلاد. كما دعت الإدارة الأمريكية مرارا إلى استئناف الحوار مع
المكونات المحلية، واحترام حقوق الإنسان، وتجنب الحلول العسكرية الصرفة التي قد
تؤدي إلى تعقيد الأزمة.
كما تنظر بعض الأوساط الإقليمية إلى الحضور
الإماراتي في منطقة الساحل بوصفه آخذًا في التوسع، عبر تنمية العلاقات الاقتصادية
والاستثمارية مع دول المنطقة، إلى جانب التعاون الأمني مع بعض الحكومات. وفي
السياق المالي، لم تلعب أبوظبي دور الوسيط السياسي كما فعلت الجزائر، إلا أن اسمها
يرد أحيانا في النقاشات المتعلقة بإعادة تشكيل موازين النفوذ في الساحل، في ظل
التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على المنطقة، دون وجود دور معلن أو مباشر في
الصراع الدائر بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية.
أزمة أمنية مستمرة منذ أكثر من عقد
تشهد مالي اضطرابات أمنية متواصلة منذ عام
2012، عندما سيطرت الحركات الأزوادية المسلحة، بالتوازي مع جماعات جهادية، على
أجزاء واسعة من شمال البلاد، قبل أن تتدخل فرنسا عسكريا مطلع عام 2013 ضمن عملية
"سيرفال"، التي نجحت في استعادة المدن الرئيسية، دون أن تنهي التمرد
بشكل كامل.
وخلال السنوات اللاحقة، تعاقبت الانقلابات
العسكرية، كان آخرها انقلابا عامي 2020 و2021 اللذان أوصلا المجلس العسكري الحالي
إلى السلطة، بالتزامن مع تدهور العلاقات مع فرنسا وشركائها الأوروبيين، وانسحاب
القوات الفرنسية ثم بعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، مقابل تعزيز التعاون العسكري مع
روسيا عبر "الفيلق الإفريقي"، الذي خلف مجموعة فاغنر بعد إعادة هيكلتها.
وفي المقابل، أعادت الحركات الأزوادية تنظيم
صفوفها تحت مظلة "جبهة تحرير أزواد"، واستأنفت عملياتها ضد الجيش
المالي، فيما واصلت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبطة بتنظيم
القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، توسيع نطاق عملياتهما في
شمال البلاد ووسطها.
ويجعل تعدد أطراف الصراع، وتداخل المطالب
الانفصالية مع نشاط التنظيمات الجهادية، فضلا عن التنافس الدولي على النفوذ في
منطقة الساحل، الأزمة المالية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في أفريقيا، ويقلل من
فرص حسمها عسكريا في المدى المنظور، رغم استمرار العمليات التي يشنها الجيش المالي
بدعم روسي.
اظهار أخبار متعلقة