القراء
الأعزاء، دعونا نتفق أولاً على أمر مضحك ومبك في آن واحد: نحن نعيش في عصر مرعوب من
فكرة أن تدمرنا الآلات وتسيطر على مصيرنا في المستقبل، في حين أننا نحن من يغذيها بأسلحة
بياناتنا، ونفسياتنا المضطربة، وسلوكياتنا اليومية دون توقف!
تأملوا
معي هذا المشهد: يأتينا
الذكاء الاصطناعي بكل ما أوتي من كفاءة واقتدار ونقاء رياضي،
ليعطينا أفضل ما عنده؛ يحل أعقد المعادلات، ينظم الفوضى الكونية، يختصر الوقت، ويمنحنا
حلولاً طبية وتقنية وخيارات متعددة وفي المقابل، ماذا نقدم له نحن؟ نكرم ضيافته بأسوأ
ما في جعبتنا: تعليقات غاضبة، صراعات افتراضية تافهة، وتفاعلات لا تنتهي على المحتوى
الهابط والضار.
إنه الكرم
البشري في أبهى تجلياته.. نعطيه النفايات الرقمية، وننتظر منه أن يفرز لنا حكمة الأنبياء
وفلسفة الفلاسفة!
الفخ المنطقي:
نحن نطلب قديس.. ونغذي منفلت
المشكلة
الحقيقية في هذا "الذكاء" ليست في أنه بلا قلب، أو أنه يضمر لنا شراً وكرها،
بل في أنه تلميذ مطيع جداً، بل ومثالي في تقليدنا.
الآلة اليوم تقلد البشر بشكل مرعب، لكنها لا تتعلم القيم في المعتكفات ولا تقرأ كتب الفلسفة الأخلاقية في أوقات فراغها لتصبح حكيمة؛ هي ببساطة تجلس معنا في مقهى الإنترنت، تراقبنا من خلف الشاشات، وتدوّن ملاحظاتها حول كيفية تفاعلنا
الآلة
اليوم تقلد البشر بشكل مرعب، لكنها لا تتعلم القيم في المعتكفات ولا تقرأ كتب الفلسفة
الأخلاقية في أوقات فراغها لتصبح حكيمة؛ هي ببساطة تجلس معنا في مقهى الإنترنت، تراقبنا
من خلف الشاشات، وتدوّن ملاحظاتها حول كيفية تفاعلنا.
والنتيجة؟
جودة
التكنولوجيا اليوم تعكس بدقة مدخلاتنا وتعاملاتنا. هي لا تعكس ما "نتمنى"
أن نكون عليه من مثالية وإنسانية، بل تعكس حقيقتنا العارية، نزواتنا، وفوضانا الداخلية.
إنها مرآة رقمية حقيقية لا تجامل أحداً، تريك تجاعيد روحك ونتوءات قيمك.
معادلة
العصر:
السرعة
من غير حكمة تضاعف المخاطر، والمنطق وحده ينتج كفاءة جافة، بينما الحكمة هي الوحيدة
التي تنتج الأمان.
عندما
قررت خوارزميات مواقع التواصل أن تمنح الأولية للانفعال لم تفعل ذلك لأنها شريرة، بل
لأنها اكتشفت بلغة الأرقام الصادمة أن انفعالنا الرقمي هو الوقود الاستراتيجي الأعلى
كفاءة لإبقائنا ملتصقين بالشاشات!
بالنسبة
للآلة، عندما يحصد المحتوى الضار أو الفضائحي اهتمامك وتفاعلاتك، فإنها تفسر هذا الصخب
ببراءة رقمية على أنه "نجاح باهر.. هذا ما
يفضله هؤلاء البشر، فلنمنحهم المزيد منه!".
تشريح
"التريند": هل تصنع الخوارزمية تفاهتنا أم نحن من يطلبها؟
دعنا نأخذ
خطوة للأمام وننظر إلى "التريندات" والمنشورات الأكثر تداولاً اليوم. هل
تعبر حقاً عن قيمنا؟ عن عمقنا الحضاري؟ عن أخلاقنا التي نتغنى بها في خطاباتنا الرسمية؟
بالطبع لا. التريند الحالي غالباً ما يكون مزيجاً من الفضائح، أو التراشق اللفظي، أو
التحديات السخيفة التي تهدد السلامة العقلية والجسدية.
هنا تقع
المفارقة: نمشي في الشوارع فنستنكر هذا الانحدار، ونجلس في مجالسنا فنشتم التفاهة التي
تملأ المواقع، ولكن بمجرد أن نختلي بهواتفنا، نتفاعل مع تلك المنشورات الهابطة، نعلّق
عليها (حتى لو بالشتم)، ونشاركها مع أصدقائنا لنقول لهم "انظروا إلى هذه السخافة!".
الخوارزمية
لا تفهم النوايا؛ هي لا تعرف أنك فتحت الفيديو لتسخر منه أو لتستنكره، هي فقط تسجل
رقما لقد قضى هذا المستخدم 3 دقائق كاملة يشاهد هذا المحتوى، إذن هو يحبه. وبذلك،
يسهم استنكارنا السلبي في رفع التقييم البرمجي للمحتوى السيئ، ليصبح في اليوم التالي
هو "التريند" المسيطر. الخوارزميات تترجم اهتمامنا وتفسره على أنه نجاح،
فتعيد تدويره وضخه للملايين.
من المسؤول
عن هذا المسوخ الرقمية؟
إذا سألتَ
الناس: من المسؤول عن هذا الانحدار؟ سيشيرون بأصابع الاتهام فوراً إلى شركات التكنولوجيا
أو إلى الذكاء الاصطناعي نفسه. وهذه في الحقيقة أسهل طريقة للهروب من المسؤولية.
الحقيقة
أعمق من ذلك؛ المسؤولية مشتركة وثلاثية الأبعاد:
1-
صنّاع التكنولوجيا: الذين صمموا أنظمة قائمة على "اقتصاد
الانتباه" (Attention Economy)،
حيث المال يساوي عدد دقائق بقائك متصلاً، بغض النظر عما تشاهده. هم من وضعوا "المنطق
والسرعة" فوق "الحكمة والأمان".
2-
الخوارزميات المتروكة بلا كوابح: التي تحولت إلى وحش أعمى يضخم الأثر
شرا كان أم خيراً، والذكاء بدون توجيه أخلاقي يصبح قوة غير متوقعة تماماً وغير آمنة.
الذكاء الاصطناعي لا يبني سلوكاً من العدم؛ هو مجرد مكبر صوت لعيوبنا وميزاتنا على حد سواء. القول بأن الآلات ستدمر الأخلاق هو كذبة نبرر بها كسلنا الأخلاقي. الذكاء لا يتعلم القيم تلقائياً، بل يظهر ويجتر القيم التي نظهرها نحن أمامه وعبر شاشاته
3-
نحن (المستخدمون): وهذا هو الضلع الأهم والمسكوت عنه.
نحن مَن نمنح التافهين الشهرة بضربة زر، ونحن من نغذي الآلة ببيانات الغضب والفضول
الفضائحي، ثم نتذمر من النتيجة.
المنطق
ينتج كفاءة، لكن مدخلاتنا السلوكية هي التي تحدد اتجاه هذه الكفاءة: هل ستكون كفاءة
في البناء أم كفاءة في الهدم النفسي والفكري؟
الخاتمة..
خطة الإنقاذ تبدأ بالضخ القيمي والأخلاقي
الذكاء
الاصطناعي لا يبني سلوكاً من العدم؛ هو مجرد مكبر صوت لعيوبنا وميزاتنا على حد سواء.
القول بأن الآلات ستدمر الأخلاق هو كذبة نبرر بها كسلنا الأخلاقي. الذكاء لا يتعلم
القيم تلقائياً، بل يظهر ويجتر القيم التي نظهرها نحن أمامه وعبر شاشاته.
الذكاء
يحتاج إرشاداً وتوجيهاً مستمراً، والمسؤولية الأخلاقية تقع كاملة على عاتقنا. الحل
لا يكمن في البكاء على أطلال القيم وسطوة التريندات، بل في غرس الأخلاق "عن قصد"
وبشكل صارم في الخوارزميات. يجب على المهندسين إعادة هندسة نظام المكافآت البرمجية؛
بحيث يتعلم الذكاء الاصطناعي أن السلوك الإيجابي، والمحتوى البنّاء، والنقاش العقلاني
هو ما يمثل النجاح، وليس عدد المشاهدات القائمة على إثارة الغرائز أو الغضب.
وحتى يقتنع
عمالقة التكنولوجيا بتغليب الحكمة على الأرباح، وحتى نتوقف نحن عن ممارسة النفاق الرقمي..
في المرة القادمة التي ترى فيها الذكاء الاصطناعي يعطيك إجابة مشوهة، أو ترى ترينداً
يخدش ذوقك وقيمك، لا تشتم التكنولوجيا وتدّعي الصدمة.. فقط انظر إلى المرآة، وتذكر
ماذا أطعمتها في الأمس!
سؤال لمتابعي
المدونة: في رأيك، من يملك القوة الأكبر لتغيير
هذا الواقع الرقمي: مهندس البرمجيات الذي يكتب الكود، أم أنت بضربة إصبعك وتوجيه اهتمامك؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.