بعد الانقلابات العسكرية.. دول الساحل تبحث عن حليف جديد وروسيا في الواجهة

إن المشهد في الساحل لا يختزل في صعود روسيا بعد تراجع فرنسا، بل يكشف عن منطقة تتقاطع فيها حسابات عدة أطراف.. إكس
إن المشهد في الساحل لا يختزل في صعود روسيا بعد تراجع فرنسا، بل يكشف عن منطقة تتقاطع فيها حسابات عدة أطراف.. إكس
شارك الخبر
تواصل روسيا توسيع حضورها الأمني والعسكري في منطقة الساحل الأفريقي، عبر شراكة متنامية مع الدول الثلاث المنضوية في تحالف دول الساحل، حيث أعلنت موسكو استعدادها لتعزيز القدرات العملياتية لجيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في خطوة تعكس تحولًا متسارعًا في خارطة التحالفات الأمنية في غرب أفريقيا، بعد تراجع النفوذ الفرنسي وصعود أدوار قوى دولية منافسة.

وجاء الإعلان الروسي في ختام الدورة الثانية من المشاورات بين وزراء خارجية دول تحالف الساحل ونظيرهم الروسي سيرغي لافروف، التي احتضنتها العاصمة النيجرية نيامي، حيث أكد الجانبان عزمهما على مواصلة التعاون في المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يشمل دعم "القدرات العملياتية للقوات المسلحة للدول الأعضاء في التحالف والقوة الموحدة التابعة له".

ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصعيدًا أمنيًا متواصلًا، خصوصًا في مالي، حيث يخوض الجيش المالي، بدعم من عناصر الفيلق الأفريقي الروسي، مواجهات في شمال البلاد ضد جبهة تحرير أزواد، إضافة إلى معارك أخرى ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ومجموعات مسلحة تنشط في مناطق مختلفة.

شراكة أمنية في مواجهة التهديدات المسلحة

وأكد البيان المشترك الصادر عقب اللقاء الوزاري أن روسيا ودول تحالف الساحل أدانتا الهجمات المسلحة التي شهدتها مالي والنيجر خلال الأشهر الماضية، مشيدتين بما وصفتهما بـ"الجهود التي تبذلها القوات المسلحة للدول الأعضاء في تحالف الساحل" لمواجهة الإرهاب وانعدام الأمن.

كما ثمّن الطرفان ما اعتبراه "المساهمة الهامة للقوات المسلحة الروسية" في مكافحة التهديدات الأمنية بالمنطقة، في إشارة إلى الدور المتزايد للعناصر الروسية العاملة ضمن هياكل أمنية جديدة حلت تدريجيًا محل الوجود العسكري الفرنسي الذي انتهى في عدد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وفي مؤشر على تصاعد الخطاب السياسي المشترك بين موسكو وحلفائها الأفارقة، تضمن البيان اتهامات لأطراف دولية خارجية بالضلوع في الهجمات التي تستهدف دول التحالف، متحدثًا عن "تواطؤ" بين أوكرانيا وفرنسا ودول أخرى مع جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل.

وتأتي هذه الاتهامات في سياق صراع نفوذ أوسع بين روسيا والدول الغربية في القارة الأفريقية، حيث تحاول موسكو تقديم نفسها كشريك أمني بديل لا يربط تعاونه بشروط سياسية تتعلق بالحكم أو الديمقراطية، بخلاف الانتقادات التي وجهتها الحكومات العسكرية في الساحل إلى فرنسا والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية.

من باريس إلى موسكو.. إعادة تشكيل التحالفات في الساحل

شهدت العلاقات بين دول الساحل وفرنسا تدهورًا كبيرًا عقب سلسلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات منتخبة في مالي عام 2020، وبوركينا فاسو عام 2022، والنيجر عام 2023، حيث دخلت الأنظمة العسكرية الجديدة في مواجهات سياسية ودبلوماسية مع باريس، انتهت بانسحاب القوات الفرنسية وطرد عدد من الدبلوماسيين الفرنسيين.

وفي المقابل، اتجهت هذه الدول نحو تعزيز علاقاتها مع موسكو، التي قدمت نفسها شريكًا قادرًا على توفير الدعم العسكري والتدريب والتجهيزات الأمنية لمواجهة الجماعات المسلحة، في وقت تواجه فيه جيوش المنطقة تحديات كبيرة بسبب اتساع رقعة الهجمات المسلحة وتراجع السيطرة الحكومية على مناطق واسعة.

ولم يقتصر التقارب الروسي مع دول الساحل على الجانب العسكري فقط، بل توسع ليشمل المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، إذ تسعى موسكو إلى ترسيخ حضور طويل الأمد في منطقة تعد ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية، إضافة إلى قربها من مناطق نفوذ غربية تقليدية.

تحالف الساحل.. مشروع أمني وسياسي جديد

وتشكل تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، كإطار بديل عن المؤسسات الإقليمية التقليدية، خصوصًا بعد انسحاب الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس"، التي فرضت عقوبات عليها عقب الانقلابات العسكرية.

وتسعى الدول الثلاث إلى بناء تعاون مشترك في المجال الأمني من خلال إنشاء قوة عسكرية موحدة قادرة، بحسب قادتها، على مواجهة الجماعات المسلحة بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

ويرى مراقبون أن الدعم الروسي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية لهذا المشروع، خصوصًا في ظل حاجة الجيوش المحلية إلى تعزيز قدراتها اللوجستية والاستخباراتية والعسكرية. غير أن منتقدين يحذرون من أن الاعتماد المتزايد على موسكو قد يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الارتهان الخارجي، بدل أن يؤدي إلى بناء استقلال أمني حقيقي.

موسكو تراهن على فراغ النفوذ الغربي

وتعكس التحركات الروسية في الساحل استراتيجية أوسع تقوم على استثمار تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في مناطق كانت تعد تقليديًا ضمن دائرة النفوذ الأوروبي. فمنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، كثفت موسكو جهودها لتعزيز علاقاتها مع دول أفريقية عدة، مقدمة نفسها شريكًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

وفي هذا السياق، يمثل تحالف الساحل أحد أبرز ساحات التنافس الدولي، حيث تتقاطع فيه ملفات مكافحة الإرهاب، والسيطرة على الموارد، والتنافس الجيوسياسي بين روسيا والغرب.

ورغم أن التعاون الروسي مع دول الساحل يلقى ترحيبًا من الحكومات العسكرية التي تبحث عن حلفاء جدد، فإن مستقبل هذا التحالف سيظل مرتبطًا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة في مواجهة الجماعات المسلحة، وتحسين الوضع الأمني والمعيشي للسكان، في منطقة عانت لسنوات من الفقر وعدم الاستقرار وتعدد التدخلات الخارجية.

هل تتحرك روسيا بمفردها في الساحل؟

رغم أن موسكو تبدو في واجهة المشهد الجديد في منطقة الساحل، فإن تحركاتها لا تجري بمعزل عن شبكة أوسع من الفاعلين الذين يسعون إلى تثبيت حضورهم في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا أهمية من الناحية الجيوسياسية. فالتوسع الروسي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو يأتي ضمن سياق دولي تتنافس فيه قوى عدة على النفوذ، مستفيدة من تراجع الحضور الفرنسي وتصاعد خطاب السيادة الوطنية لدى الأنظمة الجديدة في المنطقة.

وتعتمد روسيا في مقاربتها للساحل على مزيج من الأدوات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لكنها ليست القوة الوحيدة التي تحاول ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الغربي. فإلى جانب موسكو، عززت دول مثل تركيا والصين حضورها في القارة الأفريقية عبر التعاون الاقتصادي والاستثمارات ومشاريع البنية التحتية، فيما تحاول بعض القوى الإقليمية بناء علاقات جديدة مع حكومات الساحل التي باتت أكثر انفتاحًا على الشركاء غير التقليديين.

كما أن الحضور الروسي نفسه لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يرتبط بشبكة من المصالح والشراكات التي تشمل الطاقة والتعدين والتجارة والدعم الدبلوماسي. وتدرك موسكو أن استمرار نفوذها في الساحل لا يمكن أن يعتمد فقط على المساعدات الأمنية، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد المحلي وصعوبة المواجهة مع الجماعات المسلحة التي تنشط في مناطق واسعة ذات تضاريس صعبة وحدود مفتوحة.

في المقابل، فإن دول تحالف الساحل لا تنظر إلى الشراكة مع روسيا فقط من زاوية التحالف العسكري، بل تسعى من خلالها إلى إعادة صياغة موقعها الدولي بعد القطيعة مع فرنسا وبعض المؤسسات الغربية. وتقدم هذه الدول التقارب مع موسكو باعتباره جزءًا من استعادة القرار السيادي، في حين يرى منتقدو هذا المسار أنه قد يؤدي إلى استبدال نفوذ خارجي بآخر إذا لم ترافقه عملية بناء مؤسسات وطنية قوية.

وعليه، فإن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كانت روسيا قادرة على تعزيز وجودها في الساحل، بل ما إذا كانت ستنجح في تحويل هذا الحضور إلى شراكة طويلة الأمد تتجاوز الجانب الأمني، في منطقة تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى مع أزمات محلية عميقة تتعلق بالحكم والتنمية والأمن.

الجزائر بين حدود الأمن وشراكة موسكو.. أين تقف من مالي وتحولات الساحل؟

لا يمكن قراءة التحولات الجارية في منطقة الساحل من دون التوقف عند موقع الجزائر، باعتبارها الدولة الأكثر اتصالًا جغرافيًا وأمنيًا بالملف المالي، وصاحبة الحدود الأطول مع مالي، إضافة إلى كونها طرفًا تاريخيًا في معادلات الأمن الإقليمي في منطقة الصحراء.

وتنظر الجزائر إلى ما يجري في مالي باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، إذ تخشى من انتقال الفوضى المسلحة والجماعات المتطرفة وشبكات التهريب عبر حدودها الجنوبية. ولهذا حافظت طوال السنوات الماضية على حضور سياسي وأمني في الملف المالي، ولعبت أدوار وساطة، خصوصًا خلال مراحل الحوار بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة في شمال البلاد.

غير أن العلاقة بين الجزائر والسلطات العسكرية في باماكو شهدت خلال الفترة الأخيرة توترات متزايدة، خصوصًا بعد تراجع مسار اتفاق السلام الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد، والذي لعبت الجزائر دورًا محوريًا في رعايته. كما أثار التقارب المتزايد بين مالي وروسيا قلقًا جزائريًا غير معلن، رغم استمرار العلاقات الاستراتيجية بين الجزائر وموسكو.

فالجزائر تعد من أبرز شركاء روسيا في القارة الأفريقية، وترتبط معها بعلاقات عسكرية وسياسية عميقة تعود إلى الحقبة السوفياتية، غير أنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على استقلالية قرارها الإقليمي، وعدم تحويل الساحل إلى ساحة تنافس دولي مفتوح قرب حدودها.

ومن هنا تبدو المقاربة الجزائرية مختلفة عن مقاربة السلطات العسكرية في مالي؛ فبينما ترى باماكو في موسكو شريكًا أمنيًا قادرًا على ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي، تميل الجزائر إلى مقاربة تقوم على أولوية الحلول السياسية، والحفاظ على توازنات المنطقة، والحذر من عسكرة الأزمات الممتدة.

الإمارات وحضور يتجاوز الأمن إلى الاقتصاد

في المقابل، تظهر الإمارات كفاعل إقليمي آخر يتحرك في فضاء الساحل، لكن بأدوات مختلفة عن روسيا. فبينما تركز موسكو أساسًا على الشراكات الأمنية والعسكرية، تعتمد أبوظبي بدرجة أكبر على الأدوات الاقتصادية والاستثمارية والعلاقات السياسية.

وقد عززت الإمارات خلال السنوات الأخيرة حضورها في عدد من الدول الأفريقية عبر الاستثمارات في قطاعات الموانئ والطاقة والتعدين والبنية التحتية، إضافة إلى علاقات سياسية مع حكومات المنطقة. ويأتي هذا الحضور في إطار تنافس أوسع بين قوى إقليمية ودولية على النفوذ في أفريقيا، حيث أصبحت الموارد الطبيعية والممرات التجارية والموقع الجغرافي عناصر أساسية في الحسابات الاستراتيجية.

وفي حالة الساحل، ينظر بعض المراقبين إلى الدور الإماراتي باعتباره جزءًا من شبكة علاقات أوسع تشمل ملفات الأمن الإقليمي ومحاربة الجماعات المسلحة، في حين يربطه آخرون بتنافس النفوذ بين القوى العربية والدولية على مناطق استراتيجية في القارة.

غير أن طبيعة الدور الإماراتي تختلف عن الدور الروسي؛ فموسكو تقدم نفسها أساسًا باعتبارها شريكًا عسكريًا وأمنيًا للحكومات التي تواجه تهديدات مسلحة، بينما تسعى أبوظبي إلى بناء نفوذ متعدد الأبعاد يجمع بين الاقتصاد والسياسة والعلاقات الأمنية.

ساحل تتقاطع فيه الحسابات

وبذلك، فإن المشهد في الساحل لا يختزل في صعود روسيا بعد تراجع فرنسا، بل يكشف عن منطقة تتقاطع فيها حسابات عدة أطراف: الجزائر التي ترى الساحل مجالًا حيويًا لأمنها القومي، وروسيا التي تبحث عن موطئ قدم استراتيجي، والإمارات التي توسع حضورها الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى قوى دولية أخرى تراقب تحولات المنطقة.

ويبدو أن مستقبل الساحل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة دوله على تحويل هذه المنافسة الخارجية إلى فرص تنموية وأمنية، بدل أن تتحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة صراع نفوذ بين القوى الكبرى.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)