هناك حالة من الحيرة والارتباك التي تعيشها دول
الخليج في ظل هذه المرحلة الدقيقة،
حيث تجد نفسها بين مطالب التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة من جهة، ومخاطر التورط
في صراع مفتوح مع
إيران من جهة أخرى، وأيضا بين ضرورة حماية أمنها القومي وعدم الرغبة
في أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. لتحقيق ذلك، يمكن للخليج أن يتبنى استراتيجية
متعددة المحاور تقوم على الأسس التالية:
أولا: تبني سياسة "الحياد الإيجابي" والابتعاد عن التورط
بدلا من الانحياز الكامل لأي طرف، يمكن لدول الخليج أن تتبع نموذجا مشابها لما
تفعله دول مثل سلطنة عمان، وهو:
- الوساطة
الاستباقية: الاستمرار في لعب دور الوسيط النشط بين واشنطن وطهران، ليس فقط لخفض التصعيد،
بل لبناء قنوات اتصال سرية وعلنية تجعلها طرفا لا يمكن الاستغناء عنه في أي اتفاق مستقبلي.
- رفض
استخدام الأراضي والمجالات الجوية: التأكيد بوضوح (علنا وسرا) على أن أراضيها ومجالها
الجوي لن تكون منصة لانطلاق أي هجوم ضد إيران، مما ينزع الذرائع عن طهران لاستهدافها،
ويحافظ على العلاقات الاقتصادية معها.
ثانيا: مراجعة التحالفات بما يخدم "التنويع الاستراتيجي"
العبرة المستفادة من حرب أوكرانيا وطوفان الأقصى هي أن الاعتماد على حليف واحد (مهما كان قويا) يشكل نقطة ضعف
العبرة المستفادة من
حرب أوكرانيا وطوفان الأقصى هي أن الاعتماد على حليف واحد
(مهما كان قويا) يشكل نقطة ضعف. لذا، المطلوب هو:
- تنويع
الشراكات العسكرية: تعزيز التعاون مع قوى صاعدة مثل الصين والهند وروسيا في المجالات
الدفاعية والتقنية، ليس بديلا عن التحالف الأمريكي، ولكن لتوليد توازن يمنع أي طرف
من الضغط على هذه الدول.
- تحويل
التحالفات إلى عقود اقتصادية: بدلا من النظر إلى التحالف مع أمريكا على أنه "ضمان أمني مجاني"، يجب تحويله إلى شراكة قائمة على الردع المتبادل
والمصالح الاقتصادية الملموسة، مع الاستثمار في تكنولوجيا الدفاع المحلية.
ثالثا: بناء القوة الذاتية (الردع الداخلي)
لقد اتضحت الصورة بشكل عملي هو أنه لا توجد " قوة لا تقهر،" ودول الخليج يجب أن تعمل بالفعل على هذا المسار لكنها
بحاجة لتسريعه:
- التكامل
العسكري الخليجي: تجاوز فكرة "جيش درع الجزيرة" التقليدي إلى إنشاء منظومة دفاع جوي موحدة ومتكاملة،
بحيث يكون استهداف أي دولة خليجية بمثابة استهداف للكل، مما يرفع كلفة العدوان.
- الاكتفاء
الاستراتيجي في الصناعات الدفاعية: الانتقال من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع
المحلي المشترك للطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر دقيقة التوجيه، لضمان
استمرارية القدرة الدفاعية في حال تعطل سلاسل الإمداد الخارجية.
رابعا: فصل الاقتصاد عن السياسة الأمنية
التجربة أثبتت أن الدول التي نجحت في حماية أمنها هي التي استطاعت أن تبقي قنوات
التواصل الاقتصادي مفتوحة حتى في أوقات التوتر الأمني.
- الاستمرار
في مشاريع الربط الاقتصادي: عدم قطع العلاقات التجارية والاستثمارية مع إيران أو مع
الأطراف المتصارعة، وجعل المصالح الاقتصادية المتبادلة ضمانة إضافية تردع أي طرف عن
التصعيد.
- تأمين
سلاسل الإمداد: الاستفادة من الحرب لإنشاء ممرات لوجستية بديلة (برية وبحرية) لا تمر
عبر مضيق هرمز فقط، بالتعاون مع العراق والأردن وسوريا، لتقليل الابتزاز الجيوستراتيجي.
خامسا: إعادة تعريف "الأمن القومي" ليشمل الاستقرار الداخلي
الدرس الأهم من "طوفان الأقصى" هو أن الأمن لم يعد عسكريا فقط، بل مجتمعيا واقتصاديا.
دول الخليج مطالبة بـ:
- تعزيز
مشاريع التنمية ورؤى المستقبل (كالرؤى السعودية والكويتية والقطرية) كأداة للقوة الناعمة
والصلبة، لأن الدولة المستقرة داخليا والمتنوعة اقتصاديا تكون أقل عرضة للابتزاز الأمني.
- إدارة
الخطاب الإعلامي: احتواء الخطاب الداخلي وعدم الانجراف وراء الاستقطاب الإقليمي، مع
التركيز على الهوية الوطنية الجامعة بدلا من الانقسامات المذهبية أو الإقليمية.
خلاصة ما نقترحه أن دول الخليج اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة ترتيب أوراقها
ليس كـ"دول ريعية" تابعة في صراعات الآخرين، بل كـ"مركز ثقل" إقليمي يمتلك
أدوات الردع الذاتي، ويدير علاقاته مع القوى الكبرى من موقع الندية الاقتصادية، ويجعل
من أمنها واستقرارها "مصلحة عليا" للجميع، لا يمكن المساس بها دون دفع ثمن باهظ.
لتحقيق الاستراتيجية التي تمّ التوصل إليها -القائمة على الحياد الإيجابي، وتنويع
التحالفات، وبناء القوة الذاتية، وفصل الاقتصاد عن السياسات الأمنية- تواجه دول الخليج
جملة من العوائق الهيكلية والظرفية التي تحدّ من قدرتها على الانتقال السريع من حالة
الارتباك إلى حالة الردع والاستقرار الذاتي. يمكن تصنيف العوائق التي ممكن أن تواجه
هذه الإجراءات كالتالي:
1. العوائق
السياسية الداخلية والخلافات البينية
- غياب
آلية صنع قرار خليجي موحّد: رغم وجود مجلس التعاون، إلا أن القرارات الأمنية الكبرى
لا تزال أحادية أو ثنائية، مما يصعّب تبني موقف خليجي موحّد إزاء أزمات كبرى كالصراع
الإيراني-الأمريكي.
- اختلاف
التقديرات للتهديدات: تنظر كل دولة إلى التهديد الإيراني أو الأمريكي بمنظارها الخاص؛
فالدول الأقرب جغرافيا لإيران (مثل الكويت والبحرين) لديها حسابات مختلفة عن الدول
الأبعد، كما أن وجود قواعد أمريكية على أراضي بعضها يخلق تفاوتا في هامش المناورة.
- الانقسامات
السياسية السابقة: لا تزال تداعيات مقاطعة قطر (2017-2021) تلقي بظلالها على الثقة
المتبادلة، مما يعيق أي مشروع دفاع مشترك أو استخباري موحّد.
2. العوائق العسكرية والأمنية: التبعية
للقواعد الأمريكية
- وجود
القواعد العسكرية الأمريكية: وجود أكثر من 30 ألف جندي أمريكي ومراكز قيادة متقدمة يجعل تلك الدول
شريكا ملتصقا بأي تصعيد أمريكي ضد إيران، ويقلص قدرتها على إعلان الحياد أو رفض استخدام
أراضيها.
- الاعتماد
على المظلة الدفاعية الأمريكية: لا تزال أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الخليجية معتمدة
بشكل كبير على التشغيل والدعم الفني الأمريكي، مما يجعل الاستغناء عنها أو حتى تنويع
المصادر عملية بطيئة ومكلفة.
- ضعف
التكامل العسكري الخليجي: تجربة "درع الجزيرة" لم تصل إلى مستوى القوة المشتركة القادرة على الردع،
ولا تزال المنظومات الدفاعية غير متوافقة تقنيا بين الدول.
3. العوائق الاقتصادية: هشاشة التنويع
ورهانات النفط
- الاعتماد
على عائدات النفط والغاز: على الرغم من مشاريع التنويع، إلا أن ميزانيات التسليح والتحالفات
لا تزال مرتبطة بتدفقات الإيرادات النفطية، مما يجعل الاقتصاد الخليجي عرضة لتقلبات
الأسعار والضغوط السياسية من المستوردين الكبار (مثل الضغوط الصينية أو الأوروبية).
- الاستثمارات
المتبادلة مع إيران والغرب: تمتلك دول الخليج استثمارات ضخمة في الغرب (صناديق سيادية)
وفي نفس الوقت تسعى لربط اقتصاداتها بشرق آسيا، وهذا الموقع المتوسط يجعلها تحت ضغط
مزدوج لاختيار طرف عند التصعيد.
4. العوائق الاجتماعية والداخلية:
الهشاشة المذهبية والإعلامية
- التوترات
المذهبية الداخلية: في بعض دول الخليج، يمكن لأي تصعيد إقليمي أن يُعيد إنتاج انقسامات
داخلية تستغلها قوى خارجية، مما يجعل الحكومات أكثر تحفظا في التعامل مع إيران أو مع
الجماعات المسلحة.
- تأثير
الإعلام والاستقطاب الرقمي: الخطاب الإعلامي المتطرف من جهات خارجية وداخلية يحد من
مساحة السياسات الهادئة والحياد، ويدفع الحكومات أحيانا لمواقف متشددة لامتصاص الغضب
الشعبي.
5. العوائق الخارجية: الضغوط الأمريكية
والإيرانية
- الضغط
الأمريكي للانحياز الكامل: واشنطن تميل إلى النظر إلى أي تنويع في التحالفات (خاصة
مع الصين أو روسيا) باعتباره تهديدا لمصالحها، وتستخدم أدوات ضغط تشمل قيود التسليح
والتعاون الأمني.
لا بد في مواجهة هذا الجنون الأمريكي الصهيوني المتطرف الذي لا يعبأ إلا بمصالحه الخاصة الخروج من ردود الأفعال النمطية داخل الصندوق بدلا من مواجهة خسائر عظيمة لا يمكن تحملها كدول خليجية!
- التهديد
الإيراني المباشر: إيران تمتلك قدرات بالوكالة (مليشيات، صواريخ، طائرات مسيرة) تمكنها
من استهداف البنى التحتية الخليجية دون حرب شاملة، مما يجعل دول الخليج في موقع المتهم
الدائم بـ"التحريض" إذا اتخذت خطوات دفاعية واضحة.
- الانخراط
في مشاريع إقليمية متصارعة: دول الخليج مطالبة بالاستثمار في إعادة إعمار سوريا والعراق
وليبيا، لكن هذه الاستثمارات تجرها إلى حسابات متشابكة مع أطراف الصراع (تركيا، إيران،
روسيا)، مما يصعّب عليها الاحتفاظ بسياسة مستقلة.
6. عوائق مؤسسية: بطء التحول نحو
الاقتصاد المعرفي والصناعات الدفاعية
- الهوة
بين الرؤية والتنفيذ: رؤى المستقبل الطموحة (كـ"رؤية 2030") تحتاج
إلى وقت طويل لتحقيق الاكتفاء الدفاعي والتكنولوجي، وحاليا ما زال الاستيراد العسكري
يشكل النسبة الأكبر.
- نقص
الكوادر البشرية المتخصصة: الصناعات الدفاعية المتطورة تحتاج إلى عقود لبناء قاعدة
بشرية وكفاءات، وفي الوقت الراهن تعتمد على الخبراء الأجانب، مما يخلق تبعية معرفية
موازية للتبعية العسكرية.
في نهاية هذا المقال نقر أن العوائق التي تحول دون تحقيق الاستراتيجية المذكورة
ليست مستعصية، لكنها تحتاج إلى:
- إرادة
سياسية خليجية جماعية تتجاوز الخلافات الثنائية.
- إدارة
ذكية للعلاقة مع واشنطن بحيث لا تتحول الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي إلى عداء.
- تسريع
التكامل الدفاعي والاقتصادي كخيار وليس كرد فعل على الأزمات.
- بناء
قنوات تواصل شفافة مع طهران تفصل الخلافات السياسية عن المصالح الاقتصادية والأمنية.
- التفكير بجدية في التكامل العربي الإسلامي في مجال الصناعات الدفاعية.
لا بد في مواجهة هذا الجنون الأمريكي الصهيوني المتطرف الذي لا يعبأ إلا بمصالحه
الخاصة الخروج من ردود الأفعال النمطية داخل الصندوق بدلا من مواجهة خسائر عظيمة لا
يمكن تحملها كدول خليجية!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.