"
الديمقراطية
هي الحل، والديمقراطية هي الغاية، والديمقراطية هي الوسيلة"؛
عبارات وشعارات لطالما تردد على مدار عقود، ونادى بها مثقفون، وصارت حلماً ينافحون
عنه ويخوضون لأجله معارك، وهتفت بها ولأجلها جماهير، ويردد كثيرون أنها السبيل
الوحيد لتحقيق العدل والمساواة والتنمية والاستقرار، بل يرددها ويتحدث عنها طغاة
ومستبدون ، ويرون العودة إليها هي السبيل، رغم أنهم أطاحوا بها وبإرادة الجماهير
التي اختارت من يمثلها وفقاً لآليات الديمقراطية.
هل الديمقراطية
هي الحل؟
إذا نظرنا إلى
التجربة الديمقراطية الغربية، سنجد أنها تجاوزت قرنين من الزمن وهي تقدم نفسها
بوصفها النموذج الأكثر اكتمالاً في إدارة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى أصبحت
الديمقراطية في الخطاب السياسي الغربي ليست مجرد آلية للحكم، وإنما قيمة أخلاقية
ومعياراً يُقاس به تقدم الدول أو تخلفها. غير أن ما يجري داخل الولايات المتحدة
نفسها يفرض سؤالاً محوريّاً: هل ما زالت الديمقراطية الأمريكية تعبر عن الإرادة
الشعبية، أم أن
المال السياسي أصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد نتائجها؟
ومن ناحية أخرى
هناك سؤال آخر، وهو: هل الديمقراطية هي الحل حقاً لمشاكل الشعوب -خاصة في العالم
الثالث- وما تعانيه من فقر وظلم وتراجع وتخلف؟
هناك من ينظر إلى
الديمقراطية على أنها غاية، ويحصرها في جانب الحريات العامة؛ مثل حرية التعبير
والتجمع وحرية الانتماء السياسي وسيادة القانون، لكن الديمقراطية أوسع من ذلك
بكثير، فهي وسيلة يجب أن يكون هدفها الحقوق الاجتماعية الأساسية؛ من عيش كريم إلى
الحق في العمل والتعليم والعلاج وخلافه، ليتحقق مع حرية التعبير مقومات الحياة
الأساسية.
الناخب الأمريكي يمتلك صوتاً واحداً داخل صندوق الاقتراع، لكن أصحاب المليارات ولجان الضغط يمتلكون آلاف الرسائل الإعلانية التي تسبق ذلك الصندوق، وتؤثر في تشكيل وعي الناخب واتجاهاته
ومن المفارقات أن
هناك من يرى أن الديمقراطية ليست الطريق الأمثل، كما أنها ليست بالضرورة حلاً
ناجعاً لمشكلات الدول والشعوب، بل يقول هؤلاء إن الديمقراطية كانت معطلة لمسيرة
بعض الدول، ويستشهدون ببعض التجارب في العالم الثالث، التي تنكبت خطاها وهي تتلمس
طريقها نحو الديمقراطية. وبالطبع هذا قياس في غير محله، وأمر لا يمكن بناء قاعدة
عامة عليه للحكم على الديمقراطية كأداة تُعد الوسيلة الأمثل التي وصلت إليها
البشرية في عصرنا لتختار الشعوب بنفسها من يمثلها.
وعلى جانب آخر،
هناك فريق يرى أن الديمقراطية على الطريقة الغربية ليست هي الطريق الوحيد لتحقيق
التقدم والتنمية والرخاء والاستقرار للشعوب، ويؤكد ذلك النموذج الصيني -بغض النظر
عن بعض الاعتبارات- حيث حققت الصين طفرة اقتصادية وفي جميع المجالات الأخرى،
وأصبحت تنافس أمريكا على زعامة العالم، دون الاعتماد على الديمقراطية بنموذجها
الغربي.
الديمقراطية
الأمريكية واحتكار الـ1%
تُعرف
الديمقراطية -حسب أبراهام لنكولن- بأنها "حكومة الشعب من قبل الشعب ومن أجل
الشعب"، أو "حكومة الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب". غير أن هذا
التعريف يفترض تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وأن يكون صوت المواطن هو العامل الحاسم
في اختيار ممثليه. وانطلاقاً من هذا التعريف يتساءل المرء: هل الديمقراطية
بنموذجها الغربي الرأسمالي والأمريكي تحديداً تعبر حقيقة عن إرادة الشعب؟
في الوقت الذي
تروج فيه الولايات المتحدة للديمقراطية وفقاً للنموذج الغربي، هناك في الغرب من
ينتقد ما وصلت إليه الديمقراطية الغربية ويقول إنها أصبحت أكذوبة من الأكاذيب!
فالواقع الأمريكي يكشف عن صورة أكثر تعقيداً؛ إذ أصبحت الحملات الانتخابية صناعة
قائمة بذاتها، تحتاج إلى عشرات وربما مئات الملايين من الدولارات، الأمر الذي يجعل
الوصول إلى الناخب مرتبطاً بدرجة كبيرة بحجم التمويل أكثر من ارتباطه بقوة
البرنامج السياسي أو كفاءة المرشح.
ولذلك لم يكن
غريباً أن يصف عدد من المفكرين الأمريكيين الديمقراطية الحديثة بأنها تعيش أزمة
حقيقية. فالكاتب الأمريكي الراحل ويليام غرايدر، كان له وقفة مع الديمقراطية
الأمريكية في كتابه الشهير "من الذي سيبلّغ الناس" (Who
Will Tell the People)، حيث كشف عن المشكلات العميقة التي تعاني
منها الديمقراطية الأمريكية والوجه الزائف الذي يخفي وراءه تحطيماً لما يُسمى
الديمقراطية، مؤكداً انتقال السلطة الفعلية من الجمهور إلى نخبة مالية وسياسية
تحكم بعد أن سُحبت سلطة اتخاذ القرار من أيدي الكثرة.
من الخطأ كذلك أن يقود نقد التجربة الغربية إلى تمجيد النماذج السلطوية أو شرعنة الاستبداد. فالأمر المؤكد أن بدائل الديمقراطية هي الأسوأ على الإطلاق
في الولايات
المتحدة تسيطر نخبة لا تتجاوز 1 في المئة من السكان على ثالوث المال والإعلام
وتسويق السياسيين والتشريعات، مما يمكنها من السيطرة على القرار وتوجيهه. وفي
أمريكا يملك نحو 400 أمريكي قدر ما يمتلكه 150 مليون أمريكي، ويمتلك 1 في المئة من
الأمريكيين ما يوازي ستة أضعاف ما يمتلكه نحو 80 في المئة من السكان.
ولذلك يمكن القول
إن الديمقراطية في أمريكا والغرب تقترب بسرعة كبيرة من التحول إلى آلية شكلية.. لتبرير
حكم أقلية تسيطر على المال والإعلام والتسويق، وهي بذلك تمثل ديكتاتورية ناعمة
تحكم الشعب باسم الشعب، وبناء على انتخابات حرة نزيهة، ولكن الشعب لا يملك السلطة
الفعلية بين يديه.
وفي السياق ذاته،
يرى المفكر الأمريكي نعوم شومسكي أن الشركات الكبرى والمؤسسات المالية والبنوك
أصبحت صاحبة
النفوذ الأكبر في صناعة القرار وتوجيه الدولة، مؤكداً أن الوضع القائم
لا يمت بصلة للمُثل التي قامت عليها الثورة الأمريكية، وهو ما يفسر الفجوة
المتزايدة بين مطالب الرأي العام والسياسات التي تعتمدها المؤسسات المنتخبة.
قرار المحكمة
العليا ولجان "سوبر باك"
المال بات يتحكم
في الديمقراطية الغربية، حتى أن البعض يردد أن الديمقراطية الأمريكية والغربية
عموماً باتت خاتماً في أصبع من يملكون الثروة ويسيطرون على الإعلام، وأن ما يُقال
عن النزاهة والشفافية التي تتمتع بها النظم الديمقراطية هو أمر نسبي وليس مطلقاً،
ويخضع لتجاذبات المصالح. وفي كتابه "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها"
(The
Best Democracy Money Can Buy)، يكشف الصحفي الاستقصائي الأمريكي جريج
بالاست فضائح كارثية في الممارسات الديمقراطية، مؤكداً بالوقائع كواليس شراء الذمم
والتأثيرات الانتخابية.
ولعل أكثر ما عزز
هذه الهيمنة أن المحكمة العليا الأمريكية، منذ قرار " Citizens
United " عام 2010، وسّعت من مساحة الإنفاق
السياسي المستقل باعتباره شكلاً من أشكال حرية التعبير، وهو ما فتح الباب على
مصراعيه أمام تدفق مليارات الدولارات عبر لجان العمل السياسي الفائقة (Super PACs) ومجموعات التمويل غير المعلن، لتصبح
الانتخابات الأمريكية من أكثر الانتخابات تكلفة في التاريخ.
معركة ميشيغان
2026 وعبد الرحمن السيد والـ30 مليون دولار
لقد ظهرت آثار
هذه الظاهرة بصورة لافتة وعملية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لعضوية مجلس
الشيوخ في ولاية ميشيغان خلال عام 2026، والتي تحولت إلى واحدة من أكثر المعارك
الانتخابية تكلفة في تاريخ الانتخابات التمهيدية. فقد ضخت لجان الضغط السياسية
والمنظمات الداعمة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية
الإسرائيلية (AIPAC) عبر ذراعها السياسي الضخم "مشروع
الديمقراطية الموحدة"، أكثر من 100 مليون دولار خلال دورة انتخابات التجديد
النصفي لعام 2026.
وكان نصيب ولاية
ميشيغان من هذا الإنفاق الهائل نحو 30 مليون دولار خُصصت تماماً لغرض محدد: دعم
منافسة الطبيب وعالم الأوبئة التقدمي عبد الرحمن (عبدول) السيد، في محاولة حثيثة
لهزيمته وإسقاطه والتأثير على نتائج السباق. وأشارت التقارير الإعلامية إلى أن حجم
الإنفاق الخارجي بلغ مستويات غير مسبوقة في هذه المنافسة، حتى اعتبرها مراقبون
الاختبار الأكبر لنفوذ جماعات الضغط داخل الحزب الديمقراطي.
غير أن النتيجة
جاءت على خلاف توقعات كثير من المتابعين والخبراء؛ فقد تمكن
عبد الرحمن السيد من
تحقيق فوز ضيق برغم الفارق الكبير في حجم الإنفاق المالي ضده، وهو ما دفع صُحفاً
أمريكية للتساؤل عما إذا كانت الأموال الضخمة قد جاءت بنتائج عكسية، بعدما تحولت
قضية تدخل جماعات الضغط والأموال عابرة الولايات إلى أحد المحاور الرئيسية في
حملته الانتخابية.
دلالات الفوز
الصعب واختلال البيئة الانتخابية
لكن قراءة نتيجة
فوز عبد الرحمن السيد ينبغي ألا تقود إلى استنتاج متفائل أو تبسيطي بأن المال
السياسي فقدَ تأثيره، بل ربما تكشف العكس تماماً. فالمشكلة البنيوية ليست في أن
مرشحاً استطاع تجاوز هذا الحاجز بشق الأنفس، وإنما في أن عشرات الملايين من
الدولارات أصبحت عنصراً طبيعياً ومفروضاً في منافسة داخل حزب واحد، قبل الوصول أصلاً
إلى الانتخابات العامة. إن مجرد اضطرار أي مرشح إلى مواجهة هذا الحجم من التمويل
لكي يثبت حقه في المنافسة يكشف حجم الاختلال الذي أصاب العملية الديمقراطية
برمّتها.
لقد تحولت
الانتخابات الأمريكية تدريجياً إلى ساحة تتنافس فيها المؤسسات المالية الكبرى،
والشركات، وجماعات الضغط، والمنظمات السياسية ذات الموارد الضخمة، بينما يجد
المرشح الذي يعتمد على التبرعات الصغيرة والعمل الشعبي نفسه مضطراً إلى استنزاف
جانب كبير من جهده ووقته في جمع التمويل، بدلاً من الانشغال بعرض برامجه ومناقشة
قضايا المواطنين.
صوت الناخب
الأمريكي وآلة التوجيه الإعلامي
ولا يقتصر تأثير
المال السياسي على الإعلانات التلفزيونية أو الحملات الرقمية، بل يمتد إلى تشكيل
الصورة الذهنية للمرشح قبل أن يدخل الناخب إلى مركز الاقتراع. فالإعلام الحديث،
ومنصات التواصل، وشركات التسويق السياسي، واستطلاعات الرأي، كلها أصبحت أدوات يمكن
توظيفها عبر الإنفاق المالي لإعادة تشكيل المزاج العام، وهو ما يجعل المنافسة غير
متكافئة منذ البداية.
وهنا تبرز مفارقة
لافتة؛ فالناخب الأمريكي يمتلك صوتاً واحداً داخل صندوق الاقتراع، لكن أصحاب
المليارات ولجان الضغط يمتلكون آلاف الرسائل الإعلانية التي تسبق ذلك الصندوق،
وتؤثر في تشكيل وعي الناخب واتجاهاته. ومن ثم فإن الحديث عن مساواة الأصوات
الإجرائية لا يعني بالضرورة مساواة القدرة على التأثير المادي والسياسي.
ولا يعني هذا أن
الديمقراطية الأمريكية فقدت كل عناصرها الإيجابية، أو أنها تحولت إلى نظام مغلق
تماماً لا يسمح بالتغيير؛ فما زالت المؤسسات تعمل، والانتخابات تجرى بانتظام،
ووسائل الإعلام تحتفظ بمساحات واسعة من الحرية، والقضاء يتمتع بدرجة معتبرة من
الاستقلال. كما أن فوز مرشحين واجهوا حملات إنفاق ضخمة يؤكد أن الإرادة الشعبية لا
تزال قادرة، في بعض الأحيان، على المقاومة. إلا أن هذه الوقائع لا تنفي وجود أزمة
هيكلية تتعلق بتوازن القوة داخل النظام السياسي.
النموذج الغربي للديمقراطية يعاني تراجعاً وتدهوراً في السمعة منذ أكثر من عقدين؛ لأسباب عديدة منها تحكم القلة في الكثرة، والممارسات السيئة، والحروب التي شنتها تلك الدول الغربية تحت شعارات براقة، بينما القول والشعارات في واد والأفعال على الأرض في أودية أخرى
ومن الخطأ كذلك
أن يقود نقد التجربة الغربية إلى تمجيد النماذج السلطوية أو شرعنة الاستبداد.
فالأمر المؤكد أن بدائل الديمقراطية هي الأسوأ على الإطلاق؛ فالقمع والاستبداد،
وسيادة قلة قليلة على البقية، وفرض الاستقرار بالخوف لا يمكن أن يكون أفضل وسيلة
لتحقيق الأمن والرخاء.
البديل عن
ديمقراطية تعاني من هيمنة رأس المال ليس الديكتاتورية، لأن الاستبداد يلغي أصلاً
حق المجتمع في الرقابة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة. ولذلك فإن القضية
الحقيقية لا تكمن في رفض الديمقراطية، وإنما في البحث عن السبل الكفيلة بتحريرها
من سطوة المال السياسي وجماعات الضغط، حتى تستعيد جوهرها القائم على تكافؤ الفرص
وعدالة المنافسة.
لقد أثبتت
التجربة الأمريكية أن وجود الانتخابات وحده لا يكفي لضمان العدالة السياسية، كما
أن نزاهة إجراءات التصويت التقنية لا تعني بالضرورة نزاهة البيئة المالية
والإعلامية التي سبقت التصويت. فحين يصبح الوصول إلى الناخب مرهوناً بحجم التمويل،
وحين تتسع الفجوة بين قدرة المواطن العادي وقدرة جماعات الضغط على التأثير، فإن
الديمقراطية تدخل مرحلة جديدة من التحديات تختلف عن تلك التي عرفتها في القرن
الماضي.
خاتمة.. أزمة
فلسفة سياسية ومستقبل المفهوم
إن النموذج
الغربي للديمقراطية يعاني تراجعاً وتدهوراً في السمعة منذ أكثر من عقدين؛ لأسباب
عديدة منها تحكم القلة في الكثرة، والممارسات السيئة، والحروب التي شنتها تلك
الدول الغربية تحت شعارات براقة، بينما القول والشعارات في واد والأفعال على الأرض
في أودية أخرى.
وفي النهاية، لا
تبدو الأزمة التي كشفتها انتخابات 2026 أزمة انتخابات فحسب، بل أزمة فلسفة سياسية
كاملة تواجه اختباراً صعباً. فالديمقراطية التي تُبنى على حرية الاختيار لا تستطيع
الحفاظ على مشروعيتها إذا أصبح تشكيل هذا الاختيار خاضعاً بصورة متزايدة لقوة
المال والنفوذ. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الديمقراطية هي أفضل
النظم السياسية، وإنما كيف يمكن حمايتها من التحول إلى منافسة غير متكافئة يملك
فيها أصحاب الثروة قدرة أكبر على صناعة النتائج من أصحاب الأصوات.
إن إصلاح
الديمقراطية يبدأ بتحريرها من سطوة رأس المال والنفوذ، وبناء نظام سياسي يصون
إرادة الناخبين.
كثيرون يدعون
وصلاً بالديمقراطية.. ولكن الديمقراطية لا تقر لهم وصالاً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.