هل يجوز قانونياً ربط نزع السلاح بإنهاء الاحتلال؟

محمود الحنفي
"تزداد المخاوف مع الانتقادات الموجهة إلى مجلس السلام بسبب اتساع صلاحياته وغموض تمثيل الفلسطينيين في بنيته"- الأناضول
"تزداد المخاوف مع الانتقادات الموجهة إلى مجلس السلام بسبب اتساع صلاحياته وغموض تمثيل الفلسطينيين في بنيته"- الأناضول
شارك الخبر
لم يعد النقاش حول نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة مجرد مطلب إسرائيلي يتكرر مع كل جولة تفاوضية. فالمقاربة المطروحة اليوم ضمن خطة غزة ومجلس السلام تحاول تحويل نزع السلاح إلى جزء من ترتيب أوسع يشمل انسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، ونشر قوة دولية، ونقل الإدارة إلى لجنة فلسطينية مدنية، وبدء إعادة الإعمار في المناطق التي يجري التحقق من نزع السلاح فيها.

ويبدو هذا التصور، للوهلة الأولى، أكثر توازناً من المطالبة بتسليم السلاح بصورة أحادية، لكنه يثير سؤالاً قانونياً بالغ الحساسية: هل يجوز ربط نزع سلاح حركة مقاومة بإنهاء الاحتلال وضمان الحماية الدولية، أم أن الاحتلال حالة غير مشروعة يجب إنهاؤها بصورة مستقلة، ولا يجوز تحويل إنهائها إلى مكافأة مشروطة بتجريد الطرف الواقع تحت الاحتلال من قوته؟

الجواب ليس بسيطاً؛ فالقانون الدولي لا يتضمن قاعدة عامة توجب على كل حركة مسلحة أن تسلم سلاحها لمجرد أن دولة ما أو مجموعة دول تطالب بذلك، وفي الوقت ذاته، لا يمنح وصف المقاومة أي طرف تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة دون قيود. وبين هاتين القاعدتين تقع الإشكالية الفلسطينية: حق شعب في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال، مقابل ضرورة حماية المدنيين وبناء نظام سياسي وأمني قابل للحياة.

من مطلب إسرائيلي إلى إطار دولي

أحدث التطورات تشير إلى انتقال ملف نزع السلاح من الشعار السياسي إلى محاولة بناء آلية تنفيذية؛ فقد أقر مجلس الأمن القرار 2803 لعام 2025، الذي أيّد خطة شاملة لغزة، ورحّب بإنشاء مجلس السلام بوصفه إدارة انتقالية، وأجاز نشر قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار. كما ربطت الوثائق التنفيذية بين نزع سلاح الفصائل، والانسحاب الإسرائيلي المرحلي، وانتشار القوة الدولية، وتولي لجنة فلسطينية مدنية إدارة القطاع.

جوهر الخلاف ما زال متعلقاً بالتوقيت والترتيب؛ فإسرائيل تريد نزع السلاح والتحقق منه قبل الانسحاب، بينما تربط حماس أي تحرك في ملف السلاح بوقف العمليات العسكرية، وتنفيذ الانسحاب، وتوسيع إدخال المساعدات. ولذلك، فالمشكلة ليست في قبول مبدأ التسوية فقط، بل في تحديد من يبدأ، ومن يضمن، وماذا يحدث إذا نفذ أحد الطرفين التزامه وامتنع الطرف الآخر

وينص التصور المعلن على إخراج الفصائل المسلحة من الحكم، وتفكيك البنية العسكرية، ووضع الأسلحة ضمن عملية تحقق دولية، مع إمكانية اعتماد برامج لشراء السلاح والعفو المشروط وإعادة دمج المقاتلين. وفي المقابل، تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجياً إلى محيط القطاع بحسب التقدم المتحقق في نزع السلاح، وتبدأ إعادة الإعمار في المناطق المعتمدة باعتبارها منزوعة السلاح.

أما المقاربة الأممية، فقد أكدت أن عناصر الخطة مترابطة، وأن نزع سلاح حماس والجماعات الأخرى لا ينفصل عن الانسحاب الإسرائيلي، ونشر القوة الدولية، وتمكين الإدارة الفلسطينية الانتقالية. وهذا مهم؛ لأنه يبتعد، نظرياً على الأقل، عن فكرة أن يسلم طرف سلاحه أولاً، ثم ينتظر تنفيذ الالتزامات الأخرى في وقت غير محدد.

لكن جوهر الخلاف ما زال متعلقاً بالتوقيت والترتيب؛ فإسرائيل تريد نزع السلاح والتحقق منه قبل الانسحاب، بينما تربط حماس أي تحرك في ملف السلاح بوقف العمليات العسكرية، وتنفيذ الانسحاب، وتوسيع إدخال المساعدات. ولذلك، فالمشكلة ليست في قبول مبدأ التسوية فقط، بل في تحديد من يبدأ، ومن يضمن، وماذا يحدث إذا نفذ أحد الطرفين التزامه وامتنع الطرف الآخر.

هل يفرض القانون الدولي نزع سلاح حركة مقاومة؟

لا تتضمن اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولا قواعد القانون الدولي الإنساني التزاماً عاماً ومستقلاً يوجب على جماعة مسلحة تسليم سلاحها أثناء استمرار النزاع أو الاحتلال. وظيفة القانون الدولي الإنساني الأساسية ليست تقرير من يملك السلاح، بل تنظيم كيفية استخدامه، وحماية المدنيين، وحظر استهدافهم، وفرض مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط.

وعليه، فإن نزع السلاح الكامل يظهر عادة في إطار اتفاق سياسي أو اتفاق سلام أو ترتيب لوقف النزاع، وليس بوصفه حكماً تلقائياً ينشأ بمجرد مطالبة الخصم به. وتدل التجارب الدولية على أن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تنجح عندما تكون جزءاً من عملية انتقال سياسي تتضمن ترتيبات أمنية وضمانات ومشاركة دولية وإعادة دمج اجتماعي واقتصادي، لا عندما تستخدم كإجراء استسلام أحادي.

ولا يعني الاعتراف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته أن الجماعات المسلحة معفاة من الالتزام بأحكام القانون الدولي الإنساني؛ فهي ملزمة، كسائر أطراف النزاع، باحترام قواعده. غير أن هذا الالتزام لا يجوز أن يُستخدم لحجب الحقيقة القانونية المتمثلة في أن قوة الاحتلال، بوصفها الطرف الذي يفرض السيطرة الفعلية على الأرض والسكان، تتحمل المسؤولية الأساسية عن الانتهاكات الجسيمة والمنهجية، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا يجوز المساواة بين حق شعبٍ يرزح تحت الاحتلال في النضال من أجل حريته وبين ممارسات الاحتلال غير المشروعة أو اختزال السياق القانوني للاحتلال في أفعال معزولة.

المقاومة وتقرير المصير

يضع ميثاق الأمم المتحدة احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن مقاصد المنظمة. كما اعتبر البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 أن النزاعات التي تكافح فيها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية، في ممارسة حقها في تقرير المصير، تدخل ضمن نطاق النزاعات المسلحة الدولية بالنسبة إلى الدول المرتبطة بالبروتوكول.

كذلك أكدت قرارات للجمعية العامة شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي من أجل الاستقلال وتقرير المصير. غير أن قرارات الجمعية العامة ليست مساوية، من حيث القوة القانونية، للمعاهدات أو القرارات الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن، كما أن الإشارة إلى شرعية النضال لا تلغي القيود التي يفرضها القانون الدولي الإنساني على وسائل القتال.

لذلك، فإن القانون الدولي لا يمنح أي جماعة حقاً مطلقاً في استخدام السلاح، وإنما يقر بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في تقرير مصيرها والتحرر منه، مع بقاء وسائل النضال وأفعال الأطراف خاضعة لأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.

الاحتلال ليس مقابل تفاوضياً

تزداد المسألة تعقيداً لأن محكمة العدل الدولية خلصت في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير مشروع، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن، مع احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

وتترتب على ذلك نتيجة مهمة: إنهاء الوضع غير المشروع ليس تنازلاً سياسياً تمنحه إسرائيل مقابل نزع السلاح، بل هو التزام قانوني قائم بذاته، فلا يجوز من حيث المبدأ تحويل الامتثال للقانون الدولي إلى ثمن يدفعه الطرف الواقع تحت الاحتلال.

غير أن هذا لا يمنع الاتفاق على ترتيبات عملية لتنفيذ الانسحاب بصورة مرحلية، ولا يمنع ربط مراحل الانسحاب بضمانات أمنية متبادلة إذا كان الهدف تنظيم الانتقال ومنع الفراغ الأمني. الفارق دقيق لكنه جوهري: هناك فرق بين أن يقال إن الاحتلال يصبح مشروعاً إلى أن تنزع المقاومة سلاحها، وبين أن يقال إن إنهاء الاحتلال سيتم وفق جدول زمني متزامن مع بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. الأول يجعل إنهاء المخالفة القانونية مشروطاً بإرادة القوة القائمة بالاحتلال، أما الثاني فيحاول تنظيم تنفيذ التزامات متبادلة داخل تسوية أوسع. ومع ذلك، لا يجوز أن تتحول الترتيبات المرحلية إلى أداة لإدامة الاحتلال واستمرار العدوان، أو لإضفاء أي شرعية قانونية أو سياسية عليهما.

الحماية الدولية ليست مجرد وجود قوة أجنبية

إذا كان نزع السلاح سيجرد جماعة فلسطينية من قدرتها العسكرية، فإن الضمان المقابل لا يمكن أن يكون مجرد وعود سياسية أو وجود رمزي لقوة دولية. المطلوب هو نظام حماية واضح الصلاحيات، قادر على منع القتل، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، والإشراف على الانسحاب، والتحقق من التزام جميع الأطراف.

وهنا تبرز أسئلة لم يتم الاجابة عنها بعد، منها ما إذا كانت القوة الدولية ستتمتع بتفويض لحماية السكان أم يقتصر دورها على مراقبة نزع السلاح، ومن يملك صلاحية التحقيق في الانتهاكات، وهل تستطيع هذه القوة منع عمليات عسكرية إسرائيلية داخل المناطق المنزوعة السلاح، فضلاً عن تحديد علاقتها بالسلطة الفلسطينية، والضمانات المتاحة في حال انهيار الترتيب السياسي أو استئناف الأعمال العدائية.

إن نزع السلاح دون حماية فعالة قد يحوّل السكان إلى مجتمع أعزل تحت سيطرة عسكرية مستمرة، أما نشر قوة دولية بلا صلاحيات أو مساءلة، فقد يمنح التسوية مظهراً دولياً دون أن يغيّر موازين الحماية على الأرض. ولذلك ينبغي أن تشمل أي ضمانة جدية آلية واضحة لرصد الخروقات، وجدولاً ملزماً للانسحاب، وحماية وصول المساعدات، ومنع التهجير، وضمان عودة النازحين، وربط إعادة الإعمار بحقوق السكان لا بولائهم السياسي، كما يجب ألا تتحول القوة الدولية إلى بديل دائم عن السيادة الفلسطينية أو أداة أمنية مهمتها الأساسية حماية إسرائيل دون حماية متساوية للفلسطينيين.

نزع السلاح أم إعادة بناء السلطة؟

لا يمكن معالجة ملف السلاح بمعزل عن سؤال السلطة الشرعية، فوجود أكثر من مركز للسلاح والقرار داخل الإقليم الواحد يضعف أي نظام سياسي ويهدد سيادة القانون. ومن هنا، فإن مبدأ وجود سلطة واحدة وقانون واحد وأجهزة أمنية موحدة يمكن أن يكون هدفاً مشروعاً في سياق بناء الدولة الفلسطينية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُطلب توحيد السلاح من دون وجود دولة ذات سيادة فعلية، أو سلطة قادرة على حماية شعبها وحدودها، أو أفق سياسي لإنهاء الاحتلال. فاحتكار القوة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو إحدى خصائص الدولة، ولا يمكن مطالبة الفلسطينيين بتطبيق نموذج الدولة في الداخل، بينما يحرمون من مقومات الدولة في مواجهة الخارج.

لهذا، فإن التسوية المتوازنة لا ينبغي أن تقتصر على تفكيك القدرات العسكرية لحماس، بل يجب أن تشمل إعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت سلطة فلسطينية شرعية، وإصلاح مؤسسات الحكم، وإجراء عملية سياسية تمثيلية، وبناء أجهزة أمنية مهنية خاضعة للقانون والمساءلة، وإنهاء الاحتلال ضمن أفق زمني محدد. أما استبدال سلطة حماس بهيئة انتقالية تابعة لمجلس دولي غير ممثل فلسطينياً بصورة كافية، فقد يعالج الإدارة اليومية ولا يحل مشكلة السيادة والشرعية، وتزداد هذه المخاوف مع الانتقادات الموجهة إلى مجلس السلام بسبب اتساع صلاحياته وغموض تمثيل الفلسطينيين في بنيته.

خطر نزع السلاح الانتقائي

تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في المقاربة الراهنة في أنها تركز على سلاح الفصائل الفلسطينية، بينما لا تعالج بالوضوح نفسه الوجود العسكري الإسرائيلي، واستمرار الهجمات، والسيطرة على المعابر والمجالين الجوي والبحري، وقدرة إسرائيل على العودة إلى استخدام القوة.

وهنا يصبح نزع السلاح انتقائياً: طرف يُطلب منه تفكيك قدراته بصورة قابلة للتحقق الدولي، بينما يحتفظ الطرف الآخر بتفوق عسكري مطلق وبحرية التدخل متى رأى أن الترتيبات لا تحقق أمنه.

ينبغي أولاً أن يكون إنهاء الاحتلال التزاماً واضحاً ومحدداً زمنياً، لا وعداً مؤجلاً يتوقف بالكامل على تقييم إسرائيلي منفرد. وثانياً، يجب أن يكون التنفيذ متبادلاً ومتدرجاً، بحيث تقابل كل خطوة في نزع السلاح خطوة قابلة للتحقق في الانسحاب وإنهاء السيطرة العسكرية

إن التسوية المستدامة لا تشترط مساواة عسكرية مستحيلة بين الطرفين، لكنها تشترط على الأقل مساواة قانونية في الالتزام. فإذا كان نزع سلاح الفصائل خاضعاً للرقابة، فيجب أن يكون الانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات ومنع إعادة الاحتلال خاضعاً أيضاً لآلية رقابة ومساءلة واضحة.

كما يجب ألا تربط الحقوق الإنسانية الأساسية، ومنها الغذاء والدواء وإعادة الإعمار، بإتمام نزع السلاح. فالمساعدات الإنسانية ليست مكافأة سياسية، ولا يجوز استخدامها وسيلة ضغط على السكان المدنيين. أما إعادة الإعمار طويلة الأمد فيمكن تنظيمها ضمن ترتيبات أمنية وإدارية، بشرط ألا تتحول إلى أداة عقاب جماعي أو ابتزاز سياسي.

معادلة قانونية ممكنة بشروط

لا يمنع القانون الدولي ربط نزع السلاح بإنهاء الاحتلال وضمان الحماية ضمن اتفاق شامل، بل قد يكون الربط المتزامن أكثر عدالة وقابلية للتنفيذ من فرض نزع السلاح بصورة منفردة. لكنه لا يكون مشروعاً ومتوازناً إلا إذا استوفى شروطاً أساسية.

ينبغي أولاً أن يكون إنهاء الاحتلال التزاماً واضحاً ومحدداً زمنياً، لا وعداً مؤجلاً يتوقف بالكامل على تقييم إسرائيلي منفرد. وثانياً، يجب أن يكون التنفيذ متبادلاً ومتدرجاً، بحيث تقابل كل خطوة في نزع السلاح خطوة قابلة للتحقق في الانسحاب وإنهاء السيطرة العسكرية. وثالثاً، يجب أن تتولى جهة دولية محايدة التحقق من التزامات الطرفين، لا من سلاح طرف واحد فقط.

كما يتعين توفير حماية دولية فعلية للمدنيين، وضمان عدم استئناف الهجمات أو إعادة احتلال المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ويجب أن تنتقل إدارة غزة إلى سلطة فلسطينية شرعية ومؤقتة ضمن مسار يوحد الأرض الفلسطينية، لا إلى وصاية دولية مفتوحة. وأخيراً، ينبغي أن تشمل العملية إعادة دمج المقاتلين وضمان حقوقهم المدنية، بدلاً من تحويل نزع السلاح إلى عملية إذلال أو اجتثاث اجتماعي وسياسي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)