بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا
التعذيب، دشنت مراكز حقوقية
مصرية ودولية حملة تحت عنوان: "الإهمال الطبي تعذيب ممنهج"، لتسليط الضوء على أوضاع كبار السن والمرضى داخل
السجون وأماكن الاحتجاز، وما يتعرضون له من إهمال طبي وانتهاكات تهدد حقهم في الحياة والكرامة الإنسانية، وفق بيان مركز "الشهاب لحقوق الإنسان".
وخلال حكم رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، تواصل السلطات الأمنية حملاتها بحق المعارضين مستخدمة كافة أشكال التعذيب وسوء المعاملة الإنسانية بحق المتهمين والمحتجزين، مما أودى بحياة مئات الأشخاص، في ظل إفلات واضح للجناة من العقاب، بحسب رصد حقوقي.
وتأتي تلك الحملة في ظل معاناة أكثر من 60 ألف معتقل سياسي، مع جرائم وانتهاكات ترقى جميعها للوصف بأنها جرائم "تعذيب ممنهج"، تجري بحق الموقوفين منذ اللحظة الأولى للاعتقال بالضرب المبرح أمام أسرهم وتحطيم محتويات منازلهم وسرقة متعلقاتهم والاعتداء على ذويهم، وفق مشاهدات سابقة من "عربي21" لحملات اعتقال، جرت بحق بعض أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي.
وهي الجرائم التي يتبعها تعرض الموقوفين للإخفاء القسري بمراكز سرية تابعة للأمن الوطني، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء والتعليق من الخلف ومن الأيدي والأرجل، والتهديد بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي والبدني على ذويهم، وحتى خلال إجراءات المحاكمة، والإيداع في مراكز العقاب دون أدنى حقوق السجناء في التشريعات المحلية والدولية، بحسب شهادات
معتقلين سابقين لـ"عربي21".
وفي 11 حزيران/يونيو الجاري، تعرض نزلاء سجن "بدر 1"، للاعتداءات البدنية، والتفتيشات المهينة، وحرمان المحتجزين حقوقهم الأساسية، ما أدانته 7 منظمات حقوقية بينها: "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان"، و"المنبر المصري لحقوق الإنسان"، و"مؤسسة دعم القانون والديمقراطية"، منتقدة "استخدام العنف ضد المحتجزين، وإصابة عدد منهم، ونقل آخرين إلى أماكن غير معلومة".
اظهار أخبار متعلقة
ومن آخر وقائع جرائم التعذيب في مراكز الشرطة وأقسام البوليس ومقرات الاحتجاز، مقتل الشاب إبراهيم محمد عبدالحميد (25 عاما)، من قرية كفر الشرابية التابعة لمركز مشتول السوق بمحافظة الشرقية، وذلك بعد القبض عليه من منزله فجر 12 حزيران/يونيو الجاري، بـ6 ساعات، بحسب شهادات أسرته.
الجريمة التي رآها حقوقيون كاشفة عن استمرار الانتهاكات البدنية والتعذيب الجسدي بحق المسجونين والمعتقلين بأماكن الاحتجاز الشرطية والجون، ويصفونها بأنها "جريمة ممنهجة ينعم مرتكبوها بالإفلات من العقاب".
أداة لقتل الخصوم
وفي هذا السياق، تشير الحملة الحقوقية إلى أن "التعذيب جريمة بموجب القانون الدولي، ومحظور وفق جميع الصكوك ذات الصلة ولا يمكن تبريره"، ملمحة إلى أنه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة"، وفق (المادة 5) من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
وتلفت إلى أن "كل من أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من 3 سنوات إلى 10 سنوات، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمدا"، بحسب (المادة 126) من قانون العقوبات"، موضحة أن "التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم"، كما هو نص (المادة 52) من الدستور المصري.
وتتضمن الحملة التركيز على قضايا "الإهمال الطبي باعتباره أحد أشكال التعذيب البطيء، وأوضاع كبار السن والمرضى خلف القضبان، والوفيات الناتجة عن الحرمان من الرعاية الصحية، والحالات الصحية الحرجة داخل السجون".
وحول الأسماء التي تعرضت لتعذيب ممنهج أدى للقتل البطيء أو الوفاة بالإهمال الطبي، أعاد حقوقيون الحديث عن ملابسات وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي بمحبسه 17 حزيران/يونيو الجاري، والذي حلت ذكراه السابعة قبل أيام، مطالبين بإجراء تحقيق حول ظروف وفاته، وفق مطالبات سابقة لـ"هيومن رايتس ووتش"، و"مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان".
وكان مركز "النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب"، قد صنف واقعة وفاة مرسي ضمن "إهمال الرعاية الصحية في السجون"، واصفا إياها بأنها "جريمة كاملة"، قائلا: "لهذا عندما نقول إن السيسي قتل مرسي فهذا فعل حقيقي، مؤكدا أن مرسي لن يكون الأخير وأن الإهمال الطبي في السجون أداة نظام السيسي لقتل الخصوم".
اظهار أخبار متعلقة
وفاة 1300 معارض
وفي تقديره لأهمية الحملة المناهضة للعنف ضد المسجونين السياسيين الآن، والمطالبة بعقاب المسؤولين عنها، أشار الحقوقي المصري خلف بيومي، إلى أن أحد أخطر جوانب أزمة التعذيب هي ما يطال "كبار السن والمرضي، الذين تسرق أعمارهم خلف الأسوار"، موضحا أن "الإهمال الطبي تعذيب ممنهج يتم داخل السجون منذ سنوات وترتبت عليه وفاة 1300 معارض، وهناك مئات يعانون من أمراض مزمنة وآخرون كبار سن".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه "لذلك كان الهدف الأساسي إطلاق حملة الإهمال الطبي كتعذيب ممنهج في إطار التفاعل مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي لم يتوقف وتنوعت طرقه واستخدمتها وزارة الداخلية في كافة مقارها، بينما هو جريمة ضد الإنسانية ولا تسقط بالتقادم".
وتؤكد منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" أن غياب الرعاية الطبية المناسبة، ومنع دخول الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة (كالسكري، والضغط، والسرطان) بمقار الاحتجاز مثل سجن "العقرب" سابقا وسجن "بدر" حاليا، سبب أغلب وفيات السجون.
ويشكو أهالي معتقلين لـ"عربي21"، من "تعرض ذويهم المعتقلين للإهمال الطبي، ورفض أطباء السجون الاعتراف بسوء أوضاعهم الصحية، وتركهم بالشهور يعانون من أزمات صحية وسط رفض تام لتحويلهم إلى مستشفيات خاصة لإجراء الفحوصات والأشعة والتحاليل ولتلقي العلاج على حسابهم أو إجراء الجراحات العاجلة أو الخطيرة".
كما تتلقى "عربي21" شكاوى عديدة عن "معاناة أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن من الإهمال الطبي المتعمد ورفض أمن السجون السماح بإدخال الدواء بشكل منتظم، وفرض إتاوات على الأهالي للسماح بإدخال جزء من العلاج شريط من كل علبة دواء".
الأمر الذي يصفه الأهالي بحالة من "الإذلال لهم وللمعتقلين، ومحاولة لقتلهم بالبطيء ودفعهم لفقدان الأمل في الحياة"، بحسب شكوى سيدة مصرية تعاني ابنتها مع أمراض عديدة بسجن العاشر من رمضان للنساء.
التعذيب الأشد تأثيرا والأقل كلفة
وأوضح مدير "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، أنه "إذا أردنا أن نسلط الضوء على التعذيب الأشد تأثيرا والأقل كلفة للنظام؛ فقد مات بالإهمال الطبي أكثر من 10 أضعاف من مات بالإعدام، واقترب العدد ممن ماتوا في مذابح (رابعة والنهضة) وغيرهما".
وأشار إلى بعض الأسماء التي قتلها الإهمال الطبي، مثل: "الأستاذ بكلية الطب الدكتور طارق الغندور عام 2014، والدكتور فريد إسماعيل والبرلماني محمد الفلاحجي والقيادي بالجماعة الإسلامية عصام دربالة عام 2015، ومرشد الإخوان السابق محمد مهدي عاكف 2017، والدكتور محمد مرسي 2019، والدكتور عصام العريان والدكتور عمرو أبوخليل عام 2020، والقيادي بالإخوان حمدي حسن عام 2021، والمستشار محمود الخضيري عام 2024، وآخرين".
ولفت إلى أن "الإهمال الطبي يهدد حاليا، حياة نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين الدكتور رشاد البيومي، والحقوقية هدى عبدالمنعم، والدكتور عصام الحداد، والبرلماني صبحي صالح، والمحامي عصام سلطان، والشيخ حازم أبوإسماعيل".
وتمتد القائمة لتشمل: المرشد العام للإخوان محمد بديع، والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، والسفير رفاعة الطهطاوي، والدكتور سعد الكتاتني، والدكتور محمد البلتاجي، والدكتور صفوت حجازي، الشيخ محمود شعبان، والخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق، والأكاديمي علي عبدالعزيز، وغيرهم".
وكانت قد ترددت أنباء قبل أيام عن وفاة نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر، الأمر الذي نفته وزارة الداخلية، فيما لم يتسن لأسرة الشاطر معرفة مصيره ولا وضعه الصحي في ظل منع الزيارة القانونية عنه ووضعه في زنزانة انفرادية داخل سجن "بدر3"، سيء السمعة رغم حداثة بنائه.
وخلال محاكمة الرئيس الراحل، وفي يوم وفاته 17 حزيران/يونيو 2019، طلب القياديان في جماعة الإخوان المسلمين الدكتور صفوت حجازي والدكتور عصام الحداد بـ"ألا تكون الجلسات يوميا لأنهما من كبار السن ويحضران للمحاكمة من الساعة 7 صباحا وحتى العشاء دون طعام أو دواء"، مؤكدين أن "نائب مرشد الجماعة الدكتور رشاد البيومي أصيب بذبحة صدرية بسبب الإهمال الطبي".
وختم بيومي، حديثه بالقول: "ومن المعلوم أن الحق في العلاج حق دستوري، وقانون مصلحة السجون ولائحته التنفيذية نظما ذلك الحق؛ وتجاهل النص القانوني وعدم الالتزام به يعتبر جريمة تستوجب المساءلة والعقاب".
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، أطلق بعض ذوي المعتقلين صرخات ونداءات لإنقاذ المعتقلين من التعذيب والموت البطيء بالإهمال الطبي المتعمد، ومنع الزيارة لأكثر من عقد من الزمان، والحرمان من الدواء والمتعلقات الشخصية.
وكتبت الدكتورة منى المصري زوجة سكرتير الرئيس محمد مرسي، الدكتور أحمد عبدالعاطي: "لا يستوعب عقلي أنى ومنذ 10 سنوات لم أرك".
وتشير تقارير حقوقية إلى حجم القلق البالغ على حياة عميد كلية الهندسة بجامعة حلوان السابق، والمعتقل منذ عام 2013 الدكتور السيد حسن شهاب الدين البالغ من العمر 74 عاما، وتعرضه للانتهاكات والتنكيل والإهمال الطبي المتعمد طيلة 13 عاما بين سجني "العقرب" و"بدر"، ووضعه بالعزل الانفرادي والحرمان التام من الزيارات، وسط تدهور حالته الصحية.
اظهار أخبار متعلقة
رغم الانتقادات: التعذيب لا يتوقف
وبرغم ما وجهته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوقية دولية مثل "المفوضية السامية لحقوق الإنسان"، و"العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، مرارا من انتقادات لملف مصر الحقوقي بسبب استمرار تضييق المجال العام، والاعتقال التعسفي، وتدهور أوضاع السجون، إلا أن السلطات تواصل الانتهاكات الحقوقية بالمخالفة للقوانين الدولية.
وخلال الاستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة لملف مصر الحقوقي كانون الثاني/يناير 2025، سلطت المنظمات الحقوقية الضوء على جريمة التعذيب التي تجري بحق المعتقلين والمسجونين السياسيين، مؤكدة أن السلطات تمارس التعذيب بشكل منهجي، بوسائل مثل؛ الصعق الكهربائي، والتهديدات، والعنف الجنسي والإيذاء النفسي والجسدي، لانتزاع الاعترافات أو لمعاقبة المعارضين.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، قدّم تحالف منظمات دولية ومصرية تحليلاً إلى لجنة "مناهضة التعذيب" التابعة للأمم المتحدة، خلص فيه إلى أن السلطات المصرية تستخدم التعذيب بشكل منهجي على نطاق واسع لدرجة تشكل جريمة ضد الإنسانية.
وبين تقرير اللجنة الأممية أنه "في بعض القضايا تم تأييد أحكام بالإعدام وتنفيذها استنادًا إلى اعترافات تم انتزاعها تحت وطأة التعذيب، في محاكمات عسكرية وجنائية"، ملمحة إلى تجاهل "السلطة القضائية فحص مئات الشكاوى والبلاغات بالتعذيب".
وكشف تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية منتصف 2021: "توسع قطاع الأمن الوطني في ارتكاب جريمتي الإخفاء القسري والتعذيب بمقار الأمن الوطني بعدة أساليب من أبرزها (الصعق بالكهرباء) أو التحرش الجنسي، وذلك بهدف انتزاع الاعترافات أو الاذلال".
وفي 28 كانون الثاني/يناير الماضي، رصد مركز النديم 5053 انتهاكًا حقوقيًا خلال عام 2025، منها 581 حالة إخفاء قسري، و820 حالة تضييق متعمد، و 515 حالة عنف، و 274 حالة إهمال طبي، وحدوث 81 حالة وفاة في السجون ومراكز الاحتجاز، مما يكشف عن تنوع أدوات القمع بمقار الاحتجاز.
ومن حصاد القهر الذي يقدمه المركز شهريا، فقد رصد في أيار/مايو الماضي، 3 وفيات بمراكز الاحتجاز، و3 حالات تعذيب، و94 حالة تكدير، و19 حالة إهمال طبي متعمد، و23 إخفاء قسري، و52 حالة عنف من قبل السلطات.