أثار
توقيف
صبري نخنوخ، أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في
مصر، موجة واسعة من التساؤلات
بشأن توقيت ملاحقته قضائيًا، خاصة بعد سنوات من عودته إلى الواجهة كرجل أعمال عقب
الإفراج عنه بعفو من رئيس النظام المصري
عبد الفتاح السيسي منهيا سجنه بعد إدانات استوجبت
إجمالي عقوبات بـ28 عاما، بينما ربط متابعون القضية بتحولات في موازين القوى
والنفوذ داخل النظام.
وجاء
توقيف نخنوخ، على خلفية مشاجرة قادها ونجل أخيه جون نخنوخ، ورجل الأعمال أحمد الحداد
زوج الفنانة هاجر أحمد، ومجموعة من حراسته، ضد الشقيقين هشام ومحمد الإمام، أحدث وجوه
المليارديرات الصاعدة في سنوات قصيرة ودون سابقة أعمال معروفة، واللذين يحظيان بعلاقات
واسعة في أوساط النظام، ويمتلكان معرض سيارات شهير بالقاهرة الجديدة، إلى جانب
سلسلة مطاعم "صبحي كابر"، بمصر والكويت والسعودية.
ورصدت
الكاميرات مقاطع مصورة لدخول فريق نخنوخ، للمعرض الذي تقدم مالكه ببلاغ يتهم فيه نخنوخ
بالاعتداء عليه وإحداث تلفيات، ليجري توقيفه صباح الثلاثاء، بطريق الواحات بمدينة السادس
من أكتوبر، بعد حالة من الاستنفار الأمني أشارت إليها مواقع صحفية، أشادت بدور وزارة
الداخلية في سرعة ضبط نخنوخ وفريقه، وتسليمه لقسم شرطة التجمع الخامس.
وبحسب
التحريات، تفجرت الأزمة على خلفية نزاع مالي حول مبلغ 20 مليون جنيه، باقي صفقة بيع
فيلا بالساحل الشمالي بقيمة 50 مليون جنيه، لتتطور الأمور بين الطرفين رغم ما بينهما
من علاقات سابقة ومشاركة نخنوخ بافتتاح معرض الإمام في 2025، لتقرر النيابة العامة
حبس نخنوخ ومرافقيه 4 أيام على ذمة التحقيقات في اتهامات بالسرقة بالإكراه والبلطجة
والابتزاز والسب والقذف.
وتشير
الأنباء المتداولة إلى أنه بفحص السجل الجنائي للمتهم الرئيسي "نخنوخ"،
(63 عاما)، تبين أنه سبق اتهامه في 50 قضية متنوعة، بين (بلطجة، ومخدرات، وحيازة سلاح،
وسرقة تيار كهربائي، وتزوير).
وفي
حين تفجر الحديث مرارا خلال السنوات الثمانية الماضية منذ الإفراج الصحي عن نخنوخ،
حول جرائم يرتكبها وصراعات يتصدرها وتم التكتم عليها إعلاميا، شهدت واقعة البلطجة الأحدث
له، اهتماما إعلاميا وصحفيا كبيرا تضمن إبراز جرائمه والتركيز على 50 سابقة جنائية،
ما قرأه فيه متابعون أن كفة عائلة الإمام أكثر رجحانا عند جهات عليا، خاصة وأن أغلب
المواقع لم تذكر اسم محمد وهشام الإمام.
القبض
على نخنوخ، اعتبره متحدثون لـ"عربي21": "صراع بين جبهتين داخل النظام"،
مشيرين إلى "وجود قوى عليا تُحرك نخنوخ وعائلة الإمام، لخلاف على صفقات تجارية
وحركة أموال"، راصدين في حديثهم أسباب وجوب عقاب نخنوخ الآن، رغم جرائمه التي
لا تنتهي، وعفو السيسي عنه، ومنحه صفة رجل أعمال بتمليكه شركة "فالكون".
ليست
نهاية عصر البلطجة
وفي
البداية وفي قراءته، لأسباب الاهتمام الإعلامي المحلي بإظهار جرائم نخنوخ، وعدم ذكر
مواقع وصحف عديدة اسم الطرف الثاني عائلة "الإمام"، قال الناشط السياسي،
معاذ عبدالكريم، لـ"عربي21": "بداية عام 2017، استحوذت الأجهزة السيادية
على عدد كبير من القنوات الإعلامية والمحطات التلفزيونية، وبذلك نجحت في تشكيل صوت
إعلامي موحد يعبر عن السلطة الحاكمة".
وأضاف:
"تدير هذه المؤسسات أجهزة سيادية لنشر الدعاية، وعندما يتم التركيز على خبر معين،
فإنه يعكس توجهاً عاماً داخل هذه المؤسسات؛ وقد أُطلق على هذا النوع من الإعلام لقب
(إعلام السامسونج)".
وحول
الرسالة التي تريد الدولة أو الأمن الوطني أو الداخلية توجيهها بالقبض على نخنوخ، يرى
الباحث والإعلامي المصري، أن "خبر القبض على شخصيات مثل صبري نخنوخ أو غيره، هو
مؤشر على توجه عام يهدف إلى الضغط عليه أو تقليص نفوذه".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف:
"أو ربما إلى إنهاء دوره كشريك في الانقلاب العسكري الذي حدث في تموز/يونيو
2013، وذلك عبر مجموعات البلطجية التي عُرفت بـ(بودي جاردات)، حيث لعب دوراً في أعمال
مشبوهة".
واستدرك:
"لكن ذلك لا يعني أبداً نهاية عصر البلطجة، بل إن السلطات الشمولية تستخدم هذا
الأسلوب لنشر الرعب بين المواطنين بشكل ممنهج؛ ومع ذلك، عندما يشعر المسؤولون أن هناك
شخصاً قد أصبح أكبر من حجمه المسموح، يأتي دور استبداله بآخر لخدمة النظام، وهذا ما
حدث مع العديد من المشاركين بتحضيرات الانقلاب".
منطق
العقاب عند النظام
وفي
رؤيته، قال السياسي المصري المعارض محمد حمدي: "ما يحدث في قضية صبري نخنوخ لا
يبدو، في نظر كثيرين، مجرد تطبيق متأخر للقانون، بل يكشف طبيعة النظام الذي لا يعاقب
النفوذ عندما يبطش بالمجتمع، وإنما يعاقبه عندما تتغير موازين القوى داخله".
نائب
رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، أوضح فكرته مؤكدا لـ"عربي21"، أن
"الرجل الذي ظل لسنوات عنوانًا للسطوة والبلطجة والنفوذ، والذي حظي بعفو رئاسي
وعاد إلى الواجهة باعتباره (رجل أعمال) ومالكًا لشركات كبرى، لم تُكتشف جرائمه فجأة
اليوم، ولم تستيقظ الدولة لتعرف تاريخه بعد سنوات من الصمت والتغاضي".
لماذا
الآن؟
ويعتقد
أنه "لذلك يبدو السؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل نخنوخ؟، بل: لماذا أصبح مطلوبًا
الآن؟".
وفي
تقديره يرى أن "المشهد أقرب إلى صراع أجنحة ومراكز قوى داخل بنية السلطة نفسها،
حيث تتحول بعض الشخصيات من أدوات نافعة لعبء أو خطر أو رسالة مطلوبة؛ وفي مثل هذه الصراعات
لا يكون الهدف تحقيق العدالة بقدر ما يكون إعادة ترتيب موازين النفوذ وإرسال إشارات
حاسمة إلى دوائر المصالح المختلفة".
وبشأن
"التعتيم الإعلامي على بعض الأسماء والتركيز على أسماء أخرى"، أكد حمدي،
أنه "يكشف أن الرواية الرسمية ما زالت تُدار بانتقائية محسوبة، حيث يُسمح بكشف
جزء من الصورة ويُحجب الجزء الآخر وفقًا لما تقتضيه الحسابات السياسية والأمنية".
لمن
الرسالة؟
وعن
الرسالة قال إن "الأهم منها ربما ليست موجهة إلى المواطن العادي، بل إلى أصحاب
النفوذ أنفسهم: لا أحد فوق الاستدعاء عندما تتغير المعادلات، ولا أحد يملك ضمانة دائمة
مهما بلغ قربه أو حجم خدماته السابقة".
وأشار
إلى أن "الجديد في المشهد ليس سقوط رجل نافذ، بل ظهور مؤشرات على احتكاكات داخلية
تدفع بعض الملفات القديمة إلى السطح؛ وعندما تبدأ السلطة في كشف بعض أسرارها بنفسها،
فإن ذلك يكون غالبًا علامة على أن الصراع انتقل من الغرف المغلقة إلى المجال العام،
ولو بصورة جزئية ومدروسة".
ويعتقد
أنه "إذا أردنا تلخيص الأمر؛ علينا أن نسأل صبرى نخنوخ رجل أي جناح؟، ولمن لا
يعلم فهو جناح الأمن الوطني، وحدوث مثل هذه الواقعة تعني أن هناك من يريد إعادة موازين
القوى إلى ما كانت عليه".
من
المعلم صبري؟
شهد
حي السبتية التجاري بالعاصمة المصرية القاهرة، مولد نخنوخ لأسرة مسيحية، تعمل بسوق
الخردة والسيارات، ليدخل عالم الليل من باب حماية الراقصات، والفنانين، ورجال الأعمال،
والرياضيين، ليحصل على لقب المعلم، ويقود شبكات البلطجة السرية بعهد حسني مبارك، ويخرج
في مشاهد مثيرة للجدل بحمل أنواع السلاح ووسط حيوانات مفترسة داخل قصره في كينج مريوط
بالإسكندرية.
ولدوره
في تزعم البلطجية والاعتداء على ثوار يناير 2011، في "موقعة الجمل" بميدان
التحرير، في وقائع أكدها القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المعتقل الدكتور محمد البلتاجي؛
جرى توقيف نخنوخ، آب/أغسطس 2012، بتهم: حيازة أسلحة، ومواد مخدرة، وتسهيل أعمال منافية
للآداب، ليتم الحكم عليه بإجمالي 28 عاما ويقضي منها فقط 6 سنوات حتى أطلق السيسي،
سراحه بعفو صحي، أيار/ مايو 2018.
وذلك
رغم أن الجهاز الأمني بتنوعاته (مخابرات عامة، وحربية، وجهاز الشرطة، والأمن الوطني)
يدرك أن نخنوخ: "الراعي الأول للبلطجية والأعمال المنافية للقانون مثل توزيع وانتشار
المخدرات والسلاح، "في ظل تغافل منها، تقديرا لدوره" وفق قول معارضين وقتها.
اظهار أخبار متعلقة
وبعد
5 سنوات، شهد 25 أيلول/ سبتمبر 2023، محاولة برعاية جهات سيادية مصرية لتحويل صورة
نخنوخ، من البلطجي إلى هيئة رجل الأعمال، مع توليه إدارة مجموعة شركات "فالكون"
للأمن والحراسة ونقل الأموال، المملوكة بنسبة لجهاز الأمن الوطني والتي تخدم سفارات
وبنوك وجامعات وشركات وأندية رياضية، وصاحبة الأدوار المثيرة في اعتقال آلاف الطلاب
والطالبات من الجامعات إثر الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، منتصف 2013.
ليحاول
نخنوخ، استكمال الصورة في كانون الأول/ديسمبر 2025، حين تقدم امبراطور الليل، بطلب
للقضاء المصري مطالبا برد اعتباره.
ويشير
مراقبون إلى أن التغافل الأمني سابقا عن جرائم نخنوخ، يأتي لدوره بحملة ترشح السيسي،
بالانتخابات الرئاسية 10 كانون الأول/ ديسمبر 2023، والتي فاز فيها بولاية ثالثة تنتهي
في 2030، وذلك إلى جانب اعترف السيسي، نفسه بدور البلطجية في تسيير أعماله لقاء منحهم
المخدرات والمال تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبرز
دور البلطجية في حصار مقرات الشهر العقاري لمنع أنصار المعارض أحمد الطنطاوي من تحرير
توكيلات له للترشح بمواجهة السيسي، والاعتداء على الطنطاوي نفسه 15 آب/ أغسطس 2023،
وفق توثيق حملته الانتخابية.
ماذا
عن الأخوين الإمام؟
ظهر
الأخوين الأكبر هشام، والأصغر محمد، في السنوات الأخيرة بأكثر من مناسبة، كل واحدة
منها تكشف عن عملهما في قطاع من القطاعات، كتجارة السيارات بافتتاحهما معرضا في أرقى
أحياء القاهرة الجديدة عام 2025، أو تجارته في العقارات والأراضي والتي كشفت عنها واقعة
نخنوخ، أو دخوله عالم الوجبات السريعة والمطاعم بشرائه سلسلة مطاعم "صبحي كابر"
بالقاهرة نهاية 2024.
وتساءل
نشطاء: "من هو هشام الإمام الذي تمكن من تحريك الداخلية للقبض على صبري نخنوخ،
بسبب فعل روتيني يمارسه طوال سنوات؟"، مؤكدين أن "الخناقة في حقيقتها بين
(ناس قادرة) ونخنوخ والإمام، مجرد أدوات"، مشيرين إلى "ما يثيره البعض حول
تجارة الإمام في العملة الصعبة، ووجوده كواجهة لشخصيات نافذة بالدولة وجهات عليا".
تمجيد
دور الشرطة
في
الأثناء، تحدثت مواقع وصفحات مشيدة بالاستنفار الأمني لقوات الأمن ودور مدير الادارة
العامة لمباحث القاهرة اللواء علاء بشندي، في القبض على رجال نخنوخ، وتوقيف الأخير
بعد إعداد الكمائن، مؤكدين أنها رسالة بأن الشرطة لا تتهاون في ضبط الخارجين على القانون
مهما كانت درجة علاقاتهم ونفوذهم وحجم أعمالهم.
وأشار
السياسي المصري إسلام لطفي، إلى مفارقة منح نخنوخ شركة "فالكون" التي كانت
مملوكة لوزارة الداخلية وجهات أخرى تحت مظلة بنك (CIB)، ومنحه
إفراج صحي، وأنه ونتيجة خناقة بين أناس تقوم بغسيل الأموال، مع نخنوخ الذي يعمل لغسل
أموال أناس آخرين؛ الداخلية والنيابة اكتشفا أن صبري لديه ٥٠ سابقة.