الحروب غيّرت قواعد الأمن.. كيف أصبح "الوصول" إلى القمح سلاحًا استراتيجيًا؟

روسيا أحد أكبر مصدري القمح في العالم بمخزون بلغ نحو 11.99 مليون طن - جيتي
روسيا أحد أكبر مصدري القمح في العالم بمخزون بلغ نحو 11.99 مليون طن - جيتي
شارك الخبر
لم تعد الحروب تهدد إمدادات الطاقة وحدها، بل بدأت تدفع الدول إلى إعادة التفكير في واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالأمن القومي وهي كيفية ضمان وصول الغذاء إلى السكان إذا تعطلت طرق التجارة العالمية، فبعد سنوات من الاضطرابات التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية في أسواق الحبوب، جاءت الحرب بين إيران والولايات المتحدة لتضيف مضيق هرمز إلى قائمة نقاط الاختناق التي يمكن أن تمتد آثارها إلى الغذاء، من خلال النفط والغاز والأسمدة والشحن.

وحذرت منظمة الأغذية والزراعة من أن اضطرابات مضيق هرمز أدت إلى أزمة في إمدادات الأسمدة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض غلات المحاصيل وتشدد إمدادات الغذاء خلال النصف الثاني من عام 2026 وامتدادًا إلى 2027.

وأوضحت المنظمة أن استمرار الأزمة يرفع مخاطر ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، في وقت يعتمد فيه إنتاج الغذاء العالمي بصورة كبيرة على الأسمدة والطاقة والنقل.

ولم تتعامل الفاو مع هرمز باعتباره مشكلة ملاحة مؤقتة فقط، إذ حذرت في أيار / مايو من أن استمرار اضطراب المضيق قد يتحول إلى صدمة واسعة في النظام الزراعي والغذائي العالمي خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهرًا، ووفق المنظمة، فإن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والحاجة إلى مسارات تجارية بديلة قد تضع ضغوطًا إضافية على الدول التي تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها الغذائية.

 هرمز.. عندما تتحول الحرب إلى أزمة غذاء

وكشفت التطورات الأخيرة أن أزمة هرمز لم تنتهِ حتى مع استمرار المحادثات حول إعادة فتح المضيق، فيوم الاحد، قالت إيران إن الاتفاق مع سلطنة عُمان بشأن تحديد مسارات جديدة للملاحة وصل إلى مراحله النهائية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاتفاق مع مسقط وحده لن يؤدي إلى إعادة فتح الممر، وأن طهران تربط ذلك بتلبية الولايات المتحدة شروطًا أخرى، من بينها التعويضات ورفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية وإنهاء ما تعتبره طهران عدوانًا عليها وعلى حلفائها.

وتكتسب هذه المفاوضات أهميتها من حجم الاعتماد العالمي على المضيق، فقد أشارت رويترز إلى أن هرمز كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس شحنات النفط والغاز العالمية، بينما تراجع المرور بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، الثلاثاء لم تمر عبر المضيق سوى ست سفن في يوم واحد، مقابل متوسط بلغ نحو 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وبعيدًا للغاية عن مستوى ما قبل الحرب الذي كان يتراوح بين 130 و140 سفينة يوميًا.

اظهار أخبار متعلقة


وهنا تظهر أهمية هرمز بالنسبة إلى الأمن الغذائي، فإذا أدى اضطراب المضيق إلى رفع أسعار الطاقة والأسمدة، فإن التأثير لا يتوقف عند أسعار النفط، بل ينتقل إلى تكلفة زراعة القمح ونقله وتخزينه، ولذلك فإن أي اتفاق يعيد حركة الملاحة بصورة مستقرة يمكن أن يخفف هذه الضغوط، بينما يؤدي استمرار الأزمة إلى زيادة المخاطر التي حذرت منها الفاو بالنسبة للمواسم الزراعية المقبلة.

اليابان.. الأمن الغذائي يبدأ من الداخل

وفي شرق آسيا، تقدم اليابان مثالًا مختلفًا على كيفية تعامل الدول مع هشاشة سلاسل الإمداد، فقد كشفت رويترز الجمعة أن نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي في اليابان انخفضت إلى 37 بالمئة خلال السنة المالية المنتهية في 31 أذار / مارس، متراجعة نقطة مئوية واحدة عن العام السابق، وبفارق كبير عن هدف الحكومة البالغ 45 بالمئة بحلول عام 2030.

ولا تتوقف المشكلة اليابانية عند انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي، فالحكومة تسعى إلى زيادة إنتاج عدد من المحاصيل التي تعتمد البلاد على استيرادها، وعلى رأسها القمح وفول الصويا، مع خطط لتوسيع الأراضي المخصصة لهذه المحاصيل وإعادة تقييم استراتيجية الأمن الغذائي، وتأتي هذه الخطوات في ظل المخاطر التي خلقتها الحرب الروسية الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط بالنسبة إلى سلاسل التجارة العالمية.

وهذا التحرك لا يعني أن اليابان تواجه نقصًا فوريًا في القمح، وإنما يعكس محاولة لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية في ظل عالم يمكن أن تتعطل فيه طرق الشحن أو ترتفع تكاليفها بصورة مفاجئة، وبالنسبة إلى دولة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن زيادة الإنتاج المحلي تصبح أشبه بوسادة أمان أمام الصدمات الخارجية.

العالم لديه قمح.. لكن أين يوجد؟

وفي الوقت نفسه، تكشف أحدث بيانات وزارة الزراعة الأمريكية المتاحة حتى الآن أن العالم لا يدخل أزمة نقص فورية في القمح. ففي تقرير يوليو 2026، قدرت الوزارة المخزونات العالمية النهائية من القمح لموسم 2025/2026 بنحو 279.04 مليون طن، بانخفاض طفيف عن تقدير حزيران / يونيو البالغ 279.95 مليون طن.

لكن الرقم الأكثر أهمية هو توقع الموسم التالي؛ إذ خفضت وزارة الزراعة الأمريكية تقديرات المخزونات العالمية النهائية لموسم 2026/2027 إلى 272.84 مليون طن، مقابل 275.42 مليون طن في توقعات حزيران / يونيو، أي انخفاض بنحو 2.58 مليون طن خلال شهر واحد.

وأشارت البيانات نفسها إلى أن إنتاج القمح العالمي المتوقع في موسم 2026/2027 يبلغ نحو 820 مليون طن، بينما تقدر الوزارة الإنتاج العالمي في موسم 2025/2026 عند نحو 819.54 مليون طن وفي المقابل، تتوقع الوزارة ارتفاع الاستهلاك العالمي، وهو ما يفسر جزءًا من الضغط على المخزونات.

 الصين والهند.. مخزونات ضخمة

وتبرز الصين بصورة واضحة في خريطة المخزونات العالمية. ووفق بيانات USDA المحدثة في تموز / يوليو، بلغت مخزونات القمح الصينية في نهاية موسم 2025/2026 نحو 122.65 مليون طن أي ما يقارب 44 بالمئة من إجمالي المخزونات العالمية وفق جدول البيانات نفسه.

أما الهند، فبلغت مخزونات القمح لديها في نهاية موسم 2025/2026 نحو 21.80 مليون طن، مقارنة بـ11.80 مليون طن في بداية الموسم، وفق جدول ميزان القمح الذي يعتمد بيانات USDA. وهذا يعني أن الهند دخلت الموسم الحالي بمخزون أكبر بكثير مما بدأت به، وهو ما يوفر لها هامشًا أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

وفي روسيا، أحد أكبر مصدري القمح في العالم، بلغت المخزونات النهائية لموسم 2025/2026 نحو 11.99 مليون طن، بينما بلغت مخزونات الاتحاد الأوروبي نحو 16.58 مليون طن، وفق بيانات USDA المحدثة في يوليو. وتوضح هذه الأرقام أن جزءًا كبيرًا من مخزون العالم يتركز لدى عدد محدود من المنتجين والمستهلكين الكبار.

اظهار أخبار متعلقة


وتظهر الولايات المتحدة أيضًا ضمن الدول صاحبة المخزونات المهمة، إذ تقدر بيانات USDA مخزون القمح الأمريكي في نهاية موسم 2025/2026 بنحو 920 مليون بوشل، قبل أن ينخفض إلى 722 مليون بوشل في نهاية موسم 2026/2027 وفق توقعات تموز / يوليو، وهو ما يعكس انخفاضًا كبيرًا في المخزون الأمريكي المتوقع للموسم الجديد.

أوكرانيا.. القمح موجود لكن الطريق هو المشكلة

وتكشف أوكرانيا الجانب الآخر من المعادلة؛ فالمشكلة ليست دائمًا في حجم الإنتاج أو المخزون، وإنما في القدرة على إخراج الحبوب من البلاد الاثنين، قالت رويترز إن كييف ومولدوفا تدرسان إنشاء طريق جديد بالسكك الحديدية لنقل الحبوب الأوكرانية إلى ميناء كونستانتسا الروماني، بسبب تزايد الهجمات الروسية على الموانئ والبنية التحتية التجارية في البحر الأسود.

ويمكن للممر المقترح عبر مولدوفا أن ينقل نحو 4.5 مليون طن من الحبوب سنويًا، بينما خفضت أوكرانيا توقعاتها لصادرات الحبوب في موسم 2026/2027 إلى 38–40 مليون طن بدلًا من 43 مليون طن كانت متوقعة في السابق، بسبب مخاطر الهجمات على الموانئ. وأوضحت رويترز أن أكثر من 90 بالمئة من صادرات الحبوب الأوكرانية تمر عبر الموانئ البحرية.

وهنا تتضح الصورة الأوسع: العالم لديه مخزون ضخم من القمح، لكن الحروب تستطيع أن تجعل الوصول إلى هذا المخزون أكثر صعوبة أو تكلفة. فالحبوب الأوكرانية تحتاج إلى موانئ آمنة، والدول الآسيوية تحتاج إلى خطوط شحن مفتوحة، والمزارعون يحتاجون إلى الأسمدة والطاقة، وكل هذه الحلقات أصبحت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالممرات البحرية التي باتت أكثر عرضة للصراع.

التعليقات (0)