الجذور الإنجيلية الأصولية للانحياز الأمريكي لـ "إسرائيل".. قراءة في كتاب

عمدت الصهيونية المسيحية إلى توظيف أخطر الوسائل تأثيرا في المجتمع الأمريكي وهو التلفاز، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما أصبح يُعرفُ باسم "الكنيسة المرئية"..
عمدت الصهيونية المسيحية إلى توظيف أخطر الوسائل تأثيرا في المجتمع الأمريكي وهو التلفاز، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما أصبح يُعرفُ باسم "الكنيسة المرئية"..
شارك الخبر
الكتاب:  البُعد الديني في السياسة الامريكية تجاه الصراع العربي ـ الصهيوني، جذور الحركة الانجيلية الاصولية
المؤلف: يوسف الحسن.
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، نيسان / أبريل 2022،
عدد الصفحات: 222 صفحة.


ما الذي يجعل دولة عظمى في حجم الولايات المتحدة تستميتُ في الدفاع عن كيان اصبح منبوذا من العالم خاصة بعد ارتكابه إبادة في غزة؟ هل يكفي لتفسير ذلك الرأي القائل بأن إسرائيل تخدم المصالح الأمريكية أم أن في الأمر بُعدا عقائديا يجعل النخب الحاكمة في  الولايات المتحدة تعتبر خدمة إسرائيل ضربا من ضروب العبادة والتديَن؟

تلك هي الأسئلة المركزية التي يجيب عنها يوسف الحسن في كتابه "البعد الديني في السياسة الامريكية تجاه الصراع العربي ـ الصهيوني".

منذ البداية، يُحدد المؤلف هدفه من الكتاب ألا وهو الكشف عن علاقة الحركة المسيحية الأصولية الأمريكية المعاصرة بقضية فلسطين، وإثارة الانتباه إلى الجانب المسيحي غير اليهودي من الصهيونية. فما يريد الكاتبُ تفنيده هو الرأي الذي يعزو النجاح في إقامة الدولة الإسرائيلية إلى عامل واحد هو الفكر الصهيوني وضغط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. إن الفرضية الأساسية للكتاب هي أن الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة في الولايات المتحدة هي أحد الركائز الأساسية المُتبنية للمشروع الصهيوني والداعمة له.

يبدأ الكاتبُ بتعريف الأصولية المسيحية والحركة الإنجيلية والصهيونية المسيحية. فأما الأولى فيرى بأنها ميزة الاتجاهات الدينية المتشددة في مسائل العقيدة والأخلاق، والمُؤمنة بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس، سواء العهد الجديد أو العهد القديم، والمؤمنة بأنه يتضمن نبُوؤات مستقبلية تقود إلى "استعادة إسرائيل والعودة الثانية للمسيح". تُؤمن هذه الأصولية المسيحية بأن إسرائيل المذكورة في العهد القديم هي إسرائيل الحالية في فلسطين، وأن قيام هذه الدولة في 1948 تأكيد على صدق النبوؤات التوراتية باقتراب العودة الثانية للمسيح، وهي عودة حسب اعتقاد هذه الأصولية، مشروطة باستعادة إسرائيل كشعب مختار لأرضه الموعودة، ومن أجل تمهيد المكان للعودة الثانية للمسيح.

ما يريد الكاتبُ تفنيده هو الرأي الذي يعزو النجاح في إقامة الدولة الإسرائيلية إلى عامل واحد هو الفكر الصهيوني وضغط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. إن الفرضية الأساسية للكتاب هي أن الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة في الولايات المتحدة هي أحد الركائز الأساسية المُتبنية للمشروع الصهيوني والداعمة له.
أما الإنجيليون فيُعرّفهم الكاتب بكونهم "المؤمنون بعصمة التوراة وقبول المسيح مُنقذا، وبضرورة قدومه الثاني"، ويرى المُؤلف  بأنهم لا يختلفون عن المسيحية الأصولية فيما يخص دعم إسرائيل ودورها في التبشير بالظهور الثاني للمسيح، لذلك يعتبرون دعمها تقرّبا لله الذي "يلعن معارضيها ومنتقديها".

أما الصهيونية المسيحية فهي مجموعة معتقدات منتشرة بين مسيحيين يتبعون العديد من الكنائس البروتستانية. تعمل هذه الكنائس على تأييد قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقا دينيا وتاريخيا لليهود، كما أنها برهان على صدق التوراة وعلى اكتمال الزمان وعودة المسيح.

لتوضيح طبيعة وبرنامج وأهداف الصهيونية المسيحية يعود الكاتبُ إلى "إعلان بال" الذي أصدرته هذه الحركة في 27 / 28  آب / أغسطس من سنة 1985 ، والذي قالت في مقدمته "نحن الوفود المجتمعون هنا، من دول مختلفة، وممثلي كنائس متنوعة.. جئنا معا للصلاة ولإرضاء الرب، ولكي نُعبّر عن دَيْنِنا الكبير وشغفنا العظيم بإسرائيل". أما مبادئ الإعلان فقد خاطب فيها المُؤتمرون مواطني دولة إسرائيل بما يلي: "إننا نحُضُّكم على أن تكونوا أقوياء في الله، وعلى أن تستلهموا قدرته في مواجهة ما يعترضكم من عقبات.. وعليكم أن تدركوا أن يد الله وحدها هي التي ساعدتكم على استعادة الأرض وجمعتكم من منفاكم طبقا للنبوءات التي وردت في النصوص المقدسة. وأخيرا فإننا ندعو كافة اليهود في جميع أنحاء المعمورة إلى الهجرة إلى إسرائيل، كما ندعو كل مسيحي أن يشجع ويدعم أصدقاءه اليهود  في كل خطواتهم الحرة التي يستلهمونها من الله".

يُؤكد الكتاب إذن على أن دعم إسرائيل اللامحدود ليس بفعل مصلحة استراتيجية قد تتغير بتغير الأحوال أو الأشخاص وإنما هي مُنغرسة في الفكر المسيحي الغربي وتجد جذورها في التاريخ الأوروبي ومن بعده التاريخ الأمريكي.

 يُفاجئنا الكاتب في الفصل الأول بسؤال نسينا طرحه من فرط طُغيان السردية الصهيونية حول "الارض الموعودة": كيف تحوّلت فلسطين في المخيال المسيحي، ومنذ القرون الوسطى، من "أرض المسيح المقدسة"، والتي من أجلها خاض المسيحييون الحروب الصليبية ضد العرب والمسلمين، إلى الأرض التي وهبها الله إلى اليهود؟ كيف تحول معنى "إسرائيل" في الذهن المسيحي من كونه "اسم لدين سماوي وليس كيانا وطنيا" إلى "أرض اليهود الغرباء في أوروبا، والغائبين عن وطنهم، والعائدين إليه في الوقت المناسب"؟

 للإجابة عن هذه الأسئلة يعود بنا الكاتب إلى القرن السادس عشر: في هذا القرن ظهرت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي ابتدعت الأفكار الصهيونية مثل إعادة بعث الأمة اليهودية واستعادة فلسطين كوطن لليهود. وفي سنة 1538 أمر ملك انجلترا هنري الثامن بترجمة التوراة إلى الإنجليزية ونشرها وأتاحها للعامة، وهكذا أصبحت جزءا من الثقافة الإنجليزية. يستشهد الكاتب بالمؤرخة اليهودية بربرا تشمان التي ترى أنه من دون تلك الثقافة التوراتية سيكون من الصعب صدور وعد بلفور سنة 1917. لا يُنكِرُ الكاتب أن أنجلترا كانت تعي الأهمية الاستراتيجية لفلسطين في توطيد مصالحها في المشرق العربي ولكنه يؤكد أن الخلفية الدينية المؤمنة بقصص العهد القديم وتفسيراته العبرية كان لها أثر كبير في تحريك مواقفها السياسية ودفعها نحو إصدار الوعد الذي أسس لقيام دولة لليهود في فلسطين.

ذلك هو السياق الأوروبي الذي زرع بذور الصهيونية في التاريخ الأمريكي. لقد كان المستوطنون الأوائل في "العالم الجديد" من "البيوريتانيين"( التطهيريين) الذين حملوا معهم التقاليد والقناعات التوراتية وتفسيرات العهد القديم التي انتشرت في أنجلترا وأوروبا في القرن السادس عشر وما بعده. لقد وصل الأمر بهؤلاء، بحسب المؤرخ "روبن فينك" إلى اعتبار أنفسهم "أطفال إسرائيل في طريقهم إلى الأرض الموعودة"، واستبطنت الكثير من الطوائف المسيحية وخاصة البروتستانت التاريخ اليهودي حتى ادعت الطائفة "المورمونية" أنها قد تاهت في صحراء أمريكا العظيمة مثلما تاه اليهود في سيناء قبل أن تستقر في ولاية "يوتاه" التي أطلقت عليها اسم "الأرض الموعودة" وغيرت اسم نهر "كولورادو" إلى "نهر باشان" الموجود في العهد القديم.

لقد وصل التماهي العقائدي والوجداني بين القصص التي نجدها في العهد القديم وتصوّر المهاجرين الأوائل لانفسهم حدا  أطلق  فيه هؤلاء  اسم "كنعان الجديدة" على الولايات المتحدة، وشبهوا أنفسهم بالعبرانيين حين فروا من فرعون، وهو في هذه الحال، ملك أنجلترا "جيمس الأول"، وهربوا من أرض مصر (أنجلترا) إلى الأرض الموعودة. يصل هذا التماهي الوجداني  منتهاهُ حين  اقترح الرئيس الأمريكي "جيفرسون" بأن يكون رمز الولايات المتحدة "على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمة وفي الليل عمود من النار"، وتلك ترجمة لنص في سفر الخروج" وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار ليُضيئ لهم".

يُؤكد الكتاب أن دعم إسرائيل اللامحدود ليس بفعل مصلحة استراتيجية قد تتغير بتغير الأحوال أو الأشخاص وإنما هي مُنغرسة في الفكر المسيحي الغربي وتجد جذورها في التاريخ الأوروبي ومن بعده التاريخ الأمريكي.
أما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، فقد عمدت الصهيونية المسيحية إلى توظيف أخطر الوسائل تأثيرا في المجتمع الأمريكي وهو التلفاز، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما أصبح يُعرفُ باسم "الكنيسة المرئية": نفس التعاليم والمعتقدات التوراتية تُبث بوسائل الإرسال المرئية والمسموعة للوصول لأكبر عدد ممكن من الناس. يؤكد الكاتب، عبر إحصائيات علمية، على التأثير الكبير والانتشار الواسع  لشبكة محطات "الكنيسة المرئية"، ويذكر لنا بعض الأمثلة الدّالة: إن برنامج القس  بيلي غراهام "ساعة قرار" يُبثُ على تسعمائة محطة إذاعية وتلفزية، وبرنامج "درس التوراة" يُوزّعُ على ألف محطة إذاعية في العالم، أما برنامج "الحملة الصليبية الأسبوعية" فيُشاهده أكثر من تسعة ملايين شهريا.

إن الكاتب بما توفّر له من تجربة، سفيرا وديبلوماسيا، وما اعتمد من كتب المؤرخين وما وظّف من إحصائيات قد وُفّق في تأكيد أطروحته القائلة بأن الانحياز الأمريكي اللامحدود لإسرائيل لا يمكن تفسيره فقط بالمصالح الاستراتيجية أو بنفوذ اليهود الكبير في الولايات المتحدة وبقوة جماعات الضغط الإسرائيلية، وإنما هو انحياز مبدئي ونتيجة لعقيدة دينية عميقة رسّختها الصهيونية المسيحية ويمكن تلخيصها فيما يلي:

كل مسيحي مُخلص يجب أن يؤمن بالعودة الثانية للمسيح، وأن قيام إسرائيل إشارة ربانية بأن هذه العودة على وشك الحدوث، وأن إسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات، وعليه فإن دعم إسرائيل ليس أمرا اختياريا مبنيّا على أسس أخلاقية أو استراتيجية وإنما هو قضاء إلهي وبالتالي كل من يقف ضد إسرائيل إنما هو ضد المسيحية وضد الرب بالذات. من هنا نفهم أن بعض التصريحات التي تُشرّعُ إلى إسرائيل الكبرى ليست زلات لسان لديبلوماسي غير مُحنّك أو فكرة طائشة دارت بخلد سفير أو وزير وإنما هي مكنونات عقائدية وبرنامج قديم يتم تنفيذه بوتيرة ثابتة لا تتوقف مهما تغيرت الوجوه وتعاقب الرؤساء على البيت الأبيض.
التعليقات (0)

خبر عاجل