عنوان الكتاب: الأمّة الممكنة
المؤلف: محسن مرزوق
الناشر: دار الكتاب ـ تونس
سنة النشر: صادرة سنة 2025
هذا هو الجزء الثاني والأخير من القراءة
الخاصة بـ "عربي21"، التي يقدمها الكاتب والإعلامي عامر عياد لكتاب
"الأمة الممكنة" للكاتب والسياسي التونسي محسن مرزوق (دار الكتاب، تونس
2025).
في هذا الجزء، يركز الكاتب على المحاور
الأساسية المتعلقة بـإصلاح الإنسان، الثقافة، التعليم، وموقع الديمقراطية والنجاعة
ضمن مشروع مرزوق، موضحًا كيف أن الطموح في بناء دولة فاعلة قد يقوده إلى إعادة
إنتاج النزعة السلطوية الناعمة، ويترك للقارئ تساؤلات حيوية حول العلاقة بين
الدولة والمجتمع، وبين التنفيذ والحرية والمساءلة في تونس المعاصرة.
المحور الرابع ـ الإنسان، الثقافة، والتعليم..
نقد النزعة الهندسية
يولي كتاب "الأمة الممكنة" أهمية
كبرى لما يسميه «إصلاح الإنسان التونسي»، والنهوض بالثقافة، وإعادة بناء منظومة
التعليم، باعتبارها الشروط العميقة لأي مشروع تنموي أو سياسي ناجح. في الظاهر،
يبدو هذا التوجه بديهيًا بل ضروريًا: لا تنمية دون تعليم جيد، ولا دولة حديثة دون
ثقافة منتجة، ولا اقتصاد قوي دون رأس مال بشري مؤهل. غير أن الإشكال لا يكمن في
هذه المسلمات، بل في الطريقة التي يُصاغ بها سؤال الإنسان نفسه داخل المشروع.
فالإنسان، كما يظهر في الكتاب، يُقدَّم
أساسًا بوصفه مشكلة ينبغي إصلاحها: ذهنيات متخلفة، ثقافة ريعية، ضعف في الانضباط،
أزمة قيم العمل، تراجع في جودة التعليم. ومن ثمّ يصبح المجتمع، في مجموعه، مادة
أولية لمشروع إعادة هندسة شاملة تقودها الدولة عبر المدرسة، والإعلام، والسياسات
الثقافية. هنا ننتقل من منطق تحرير الإنسان إلى منطق تشكيله، ومن منطق تمكين
المجتمع إلى منطق إدارته تربويًا وأخلاقيًا.
هذا التصور يعيد إنتاج منطق قديم في الفكر
التحديثي العربي: المجتمع متأخر، والدولة المتنورة هي التي يجب أن تعيد صياغته.
وهو منطق رافق كل تجارب "التحديث من فوق"، حيث تحوّل التعليم والثقافة
إلى أدوات ضبط اجتماعي بقدر ما كانتا أدوات تحرر. فبدل أن تكون المدرسة فضاء
لتكوين مواطنين أحرار ونقديين، تصبح مصنعًا لإنتاج موارد بشرية ملائمة لمتطلبات
النموذج الاقتصادي والسياسي الذي تحدده الدولة.
إن مشروع مرزوق يقدم إعادة صياغة عقلية الدولة التنموية، لكن بلغة جديدة. بدل الدعاية الأيديولوجية، يعتمد على مفردات "التقدم" و"الأمة الممكنة" و"الإصلاح الاقتصادي" و"خلق الثروة" و"الإرادة السياسية القوية"، لكنه يحتفظ بمنطق مركزي واحد: الدولة أداة التنفيذ، والمجتمع مادة الإدارة، والديمقراطية مسألة ثانوية.
في هذا السياق، يُستعمل مفهوم "الثقافة
المنتجة" استعمالًا كاشفًا: فالثقافة تُقاس بقيمتها الوظيفية في الاقتصاد، لا
بقيمتها النقدية أو التحررية. ويُقاس التعليم بمدى استجابته لسوق الشغل، لا بمدى
قدرته على إنتاج وعي مستقل وعقل نقدي. وهكذا يُختزل الإنسان إلى رأسمال بشري،
ويُختزل الوعي إلى كفاءة، وتُختزل المدرسة إلى أداة إدماج في نموذج اقتصادي معيّن.
الأخطر في هذا المنظور أنه يقلب العلاقة بين
الشروط الاجتماعية والإنسان: فبدل أن يُنظر إلى سلوك الأفراد وثقافتهم بوصفها
نتاجًا لشروط اقتصادية وسياسية ومؤسساتية غير عادلة، يُنظر إليها بوصفها سببًا
للأزمة. وبدل أن يُطرح سؤال: كيف نغيّر البنى التي تنتج الإحباط واللامساواة
والهشاشة؟ يُطرح سؤال: كيف نغيّر ذهنيات الناس ليتأقلموا مع هذه البنى أو مع نسخة "محسّنة"
منها؟
هنا تبرز بوضوح النزعة الهندسية في المشروع:
المجتمع يُتصوَّر كجسم يمكن إعادة تصميمه عبر السياسات العمومية، والبرامج
التربوية، والحملات الثقافية، تمامًا كما تُعاد هيكلة إدارة أو قطاع اقتصادي. لكن
المجتمعات لا تُبنى بهذه الطريقة. إنها تتغير عبر الصراع، والتفاوض، والتجربة
التاريخية، وبناء الفضاءات العمومية الحرة، لا عبر الوصفات التربوية من فوق.
ثم إن الحديث عن "إصلاح الإنسان"
دون حديث موازٍ عن إصلاح شروط وجوده ـ العمل، الأجور، العدالة الجبائية، الحماية
الاجتماعية، الكرامة ـ ينتهي غالبًا إلى خطاب أخلاقي يُحمّل الأفراد مسؤولية أوضاع
لم يصنعوها. وهكذا يتحول الفشل البنيوي إلى فشل ثقافي، وتتحول الأزمة السياسية إلى
أزمة قيم.
لا يعني هذا التقليل من أهمية التعليم أو
الثقافة، بل يعني إعادة وضعهما في موقعهما الصحيح: لا كأدوات لإنتاج الطاعة
والكفاءة الوظيفية، بل كفضاءات لإنتاج مواطنين أحرار قادرين على مساءلة الدولة
والسوق معًا. ولا كوسائل لـ "تكييف" المجتمع مع مشروع جاهز، بل كوسائل
لتمكينه من المشاركة في صياغة هذا المشروع نفسه.
في العمق، يكشف هذا المحور أن مشروع "الأمة
الممكنة" لا يثق كثيرًا في المجتمع كما هو، ولا في قدرته على أن يكون ذاتًا
تاريخية فاعلة، بل يراهن، مرة أخرى، على الدولة وعلى النخبة وعلى التخطيط من فوق.
وهو ما يجعل "إصلاح الإنسان" أقرب إلى برنامج تأديب اجتماعي ناعم منه
إلى مشروع تحرر إنساني شامل.
المحور الخامس ـ الديمقراطية والنجاعة.. شبح
التحديث السلطوي
يأتي مشروع "الأمة الممكنة" ليؤكد
على أولوية النجاعة و"الحسم" و"القدرة على التنفيذ" بوصفها
شروطًا أساسية للتقدم. في الظاهر، يبدو هذا تأكيدًا على فعالية الدولة وعلى أهمية
السياسات القوية، لكن قراءة دقيقة تكشف إشكالية بنيوية: حين تتحول النجاعة والقدرة
على التنفيذ إلى معيار أساسي لتقييم السياسات، فإن الديمقراطية نفسها تصبح وظيفة
وليست قيمة، وأداة وليست حدًا، وتتحول المساءلة السياسية إلى مسألة ثانوية إذا
كانت تعيق "إتمام المشروع".
في هذا السياق، يتضح أن مشروع مرزوق يعيد
إنتاج ما يمكن تسميته التحديث السلطوي الناعم: سلطة قوية قادرة على التصميم
والتنفيذ، مجتمع يُدار ويُشكّل من فوق، اقتصاد يُدار وفق خطة مركزية، وإنسان يُعاد
تشكيله عبر التعليم والثقافة والبرامج الاجتماعية. كل هذا يخلق حالة من
الديمقراطية المشروطة، حيث تُقبل المشاركة والحرية إذا لم تعرقل المشروع، وتُقيد
أو تُهمش إذا كانت تحد من إرادة الدولة أو النخبة.
المسألة ليست مجرد فرضية نظرية، بل تعكس
تجربة تاريخية في تونس والعالم العربي: كل المشاريع الكبرى للتحديث والتنمية منذ
الاستقلال ـ من بورقيبة إلى بن علي ـ اعتمدت على منطق مشابه: الدولة قوة محورية،
النخب مصممة للمستقبل، والمجتمع مادة للتوجيه. ما يميز مشروع مرزوق هو استخدام لغة
جديدة، أقل شعاراتية، وأكثر عقلانية، لكنها تحمل نفس المنطق المركزي: سلطة الدولة
أعلى من سلطة المجتمع، ونجاح المشروع أهم من الديمقراطية.
إن الحديث عن "إصلاح الإنسان" دون حديث موازٍ عن إصلاح شروط وجوده ـ العمل، الأجور، العدالة الجبائية، الحماية الاجتماعية، الكرامة ـ ينتهي غالبًا إلى خطاب أخلاقي يُحمّل الأفراد مسؤولية أوضاع لم يصنعوها. وهكذا يتحول الفشل البنيوي إلى فشل ثقافي، وتتحول الأزمة السياسية إلى أزمة قيم.
هذه النزعة تطرح سؤالًا حيويًا حول الشرعية
السياسية: إذا كانت الدولة تُقيّم الأداء عبر نجاعة التنفيذ، وليس عبر إرادة الشعب
أو مراقبته، فأين موقع الديمقراطية كحد لإفراط السلطة؟ وكيف يمكن ضمان عدم تحوّل
الدولة القوية إلى دولة متغولة؟ لا يقدم الكتاب إجابة واضحة على هذا السؤال، بل
يترك المسألة ضمنيًا، وكأن نجاح المشروع وحده يكفي لتبرير كل الوسائل.
ثم إن الخطاب حول النجاعة والقدرة على
التنفيذ غالبًا ما يتحول، في الواقع، إلى منطق التفوق الأخلاقي: الفشل ليس في
المشروع نفسه، بل في مقاومة المجتمع أو قصور النخب السابقة أو ضعف الثقافة العامة.
وهكذا يُعاد إنتاج منطق لوم الفرد والمجتمع بدل مواجهة قيود البنية والهيمنة:
المؤسسات الدولية، تبعية الاقتصاد، تفاوت القوة بين الدولة والمجتمع المدني، وضغوط
الزمن التاريخي.
من زاوية أخرى، يقدم المشروع فكرة أن السلطة
يجب أن تسبق الديمقراطية: لا يسمح المشروع "للديمقراطية" بأن تعرقل
التقدم، ولا يضع حدودًا واضحة لكيفية موازنة الحرية مع الكفاءة. هذه المسألة ليست
مجرد فرضية نظرية، بل تشكل خطرًا حقيقيًا على الانتقال الديمقراطي، كما تُظهر
تجارب الانقلابات الحديثة في المنطقة، حيث يصبح "الحسم" و"النجاعة"
ذريعة لتعليق الحقوق والحريات باسم مصلحة الأمة.
في العمق، يمكن القول إن مشروع مرزوق يقدم
إعادة صياغة عقلية الدولة التنموية، لكن بلغة جديدة. بدل الدعاية الأيديولوجية،
يعتمد على مفردات "التقدم" و"الأمة الممكنة" و"الإصلاح
الاقتصادي" و"خلق الثروة" و"الإرادة السياسية القوية"،
لكنه يحتفظ بمنطق مركزي واحد: الدولة أداة التنفيذ، والمجتمع مادة الإدارة،
والديمقراطية مسألة ثانوية.
هذه الرؤية، وإن بدت عقلانية ومنطقية على
الورق، تحمل تحديًا جوهريًا: فهي تجعل كل مشروع وطني أو تنموي معرضًا للتحول إلى
مشروع سلطوي إذا لم تُراعَ آليات محددة للرقابة والمساءلة والمشاركة الشعبية. كما
تفتح الباب أمام إعادة إنتاج تجربة قيس سعيّد بطريقة ضمنية: دولة مركزية قوية،
مشاريع إصلاحية معلنة، خطاب حول النجاعة، وديمقراطية مشروطة بالنجاح التنفيذي، مع
خطر تهميش كل ما يعارض المشروع.
باختصار، هذا المحور يربط كل ما سبق: الإطار
النظري للتأخر والتقدم، الدولة القوية، التنمية الاقتصادية، وإصلاح الإنسان، ليكشف
أن مشروع «الأمة الممكنة» يظل أسيرًا لمنطق التحديث السلطوي: نجاعة التنفيذ قبل
الديمقراطية، الدولة قبل المجتمع، إرادة النخبة قبل إرادة الشعب. وكل نقد حقيقي
لهذا المشروع يجب أن يبدأ من هذا المنطلق، لأنه يوضح أين تكمن المخاطر الفعلية
وأين تنحصر الفرص الحقيقية لإعادة بناء دولة ومجتمع متوازنين.
المحور السادس ـ موقع الكاتب من التجربة.. نقد
موقع التلفظ
لا يمكن فهم مشروع "الأمة الممكنة"
بمعزل عن سياق صاحب الكتاب وتجربته الشخصية والسياسية. فمرزوق ليس مجرد مفكر نظري؛
بل هو فاعل سياسي سبق له أن خاض تجربة الدولة الوطنية، وتجربة الحكم، وتجربة
الإصلاح من داخل المؤسسات. هذه المكانة تمنحه شرعية معرفية، لكنها في الوقت نفسه
تفرض مساءلة نقدية دقيقة حول كيفية تموقعه في نصه وعلاقته بالواقع الذي يحاول
تحليله وإصلاحه.
أول ما يلاحظ في الكتاب هو أن مرزوق يضع
نفسه في موقع الخبير والموجه: صوته أعلى من المجتمع، ونظرته أوسع من التجارب
المحلية، وتحليله أكثر شمولًا من الواقع. هذا الموقع يمنحه قوة للتصورات الكبرى،
لكنه يفتح أيضًا مسألة الحياد النقدي: إلى أي مدى يستطيع صاحب المشروع أن يفصل بين
تحليله الواقعي، وبين مصالحه أو رؤيته الشخصية عن الدولة والمجتمع؟ وفي أي لحظة
يتحول الطرح من تشخيص موضوعي إلى مشروع لإعادة هندسة الواقع وفق تصوره الشخصي؟
ثانيًا، يظل موقعه ضمن النخبة المتعلمة
والمطلعة على التجارب الدولية علامة مميزة للنص، لكنه يعكس في الوقت نفسه فجوة بين
نظرية الإصلاح وبين القدرة على الاستجابة للتعددية المجتمعية. فالكتاب يتحدث عن
الأمة والمجتمع، لكنه نادراً ما يعطي مساحة لصوت المواطن العادي، أو للتجارب
المحلية المبتكرة خارج نطاق الدولة. هذه الفجوة تكشف عن ثنائية بين الدولة
والمجتمع مستمرة، وأيضًا عن نزعة مركزية في التفكير: كل الحلول تأتي من النخبة ومن
الدولة، والمجتمع مادة تنفيذية.
ثالثًا، موقع مرزوق من التجربة التاريخية
التونسية يضيف بعدًا مهمًا للنقد: فهو جزء من تجربة الدولة الوطنية ما بعد
الاستقلال، وقد درس تاريخها، وشارك في بعض مساراتها. هذا يسمح له بفهم التعقيدات،
لكنه في الوقت نفسه قد يجعله أسير نموذج الدولة التنموية القائم على الإرادة
والنخبة، كما أشرنا في المحاور السابقة. بمعنى آخر، حتى وهو ينتقد فشل الدولة،
فإنه لا يقطع جذريًا مع المخيلة السلطوية التي أسس لها بورقيبة وبن علي. وهو ما
يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لنص يكتب من داخل النخبة السياسية أن يقدّم تصورًا
محايدًا للتغيير الاجتماعي والسياسي، أم أن موقع الكاتب ذاته يشكل حدًا ضمنيًا
لرؤية الإصلاح؟
رابعًا، هذه المسألة تتقاطع مع التوجهات
الفكرية للكاتب: فمشروعه يميل إلى الحلول التقنية، والبرامج، والإصلاحات المركزية،
أكثر مما يميل إلى المساءلة المؤسساتية، أو التمكين الشعبي، أو التحولات
التفاوضية. هنا يلتقي موقعه الشخصي مع المنطق العام للنص: الخبرة السياسية تمنحه
قدرة على التوجيه، لكنها تمنحه أيضًا موضعًا يتيح له إعادة إنتاج السلطة باعتبارها
شرطًا للتغيير.
أخيرًا، نقد موقع التلفظ يعني أيضًا قراءة
النص بوصفه نصًا سياسيًا، وليس مجرد نص فكري. فلكل مشروع إصلاحي من هذا النوع
أبعاد أخلاقية وسياسية: من يكتب النص، ومن يمثل، ومن يمتلك القدرة على تطبيقه؟ وهل
يطرح النص نفسه كخطة نظرية يمكن أن تتقبل التعديل، أم كخارطة طريق لا تحتمل
التفاوض؟ في حالة «الأمة الممكنة»، يبدو الطرح أقرب إلى الأخير: رؤية شاملة، غير
قابلة للتجزئة، معتمدة على إرادة الدولة والنخبة، وبتنفيذ يعتمد على القدرة على
الحسم.
من هذا المنظور، يمكن القول إن قراءة الكتاب
لا تكتمل إلا إذا ربطنا التحليل بالنقد الذاتي لموقع الكاتب: قوة الخبرة السياسية
تمنح النص وزنًا، لكنها تضعه تحت مراقبة صارمة من زاوية مركزية السلطة، وإمكانية
إعادة إنتاج المخيلة السلطوية، وقدرة النص على الفعل في مجتمع متعدد ومتغير. النقد
العلمي هنا لا يقل أهمية عن النقد المفاهيمي أو الاقتصادي أو الثقافي: فهو يوضح
حدود المشروع، ويكشف أين تقع المخاطر السياسية الحقيقية، وأين تتحدد إمكانات
الإصلاح الواقعي.
حدود المشروع وإمكانات تجاوزه في سياق تونس
الحالي
إن قراءة كتاب "الأمة الممكنة"
لمحسن مرزوق تعكس تجربة فكرية وسياسية متراكمة، تجمع بين تحليل دقيق للتحديات
التاريخية، وخبرة عملية في تجربة الدولة الوطنية، ورؤية مستقبلية للإصلاح
والتحديث. على الرغم من الإشكاليات النقدية التي أشرنا إليها ـ سواء في اختزال
التأخر إلى إرادة الدولة، أو النزعة الهندسية في إعادة تشكيل المجتمع، أو التركيز
على النجاعة على حساب الديمقراطية ـ يظل الكتاب مساهمة جادة وجديرة بالاهتمام في
النقاش العام حول مستقبل تونس والدول العربية عموماً.
يحسب للكتاب أولاً اتساع رؤيته وشموليته:
فهو لا يقتصر على جانب سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، بل يحاول بناء مشروع متكامل
للأمة، يربط بين الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والتعليم والإنسان، ويسعى
لتقديم خطة عقلانية للتقدم. هذا الطموح يجعل النص مختلفًا عن كثير من الكتابات
السياسية المعاصرة، التي غالبًا ما تنزلق إلى الانفعالية أو الخطاب الأيديولوجي
الضيق، أو تنحصر في نقد اللحظة الراهنة دون تقديم رؤية شاملة للمستقبل.
ثانيًا، يتميز الكتاب بجرأة تشخيصية واضحة:
فهو لا يختصر الأزمة إلى أزمة سياسية عابرة، ولا إلى فشل شخصيات بعينها، بل
يعالجها كمركّب متداخل من تأخر تاريخي، وضعف مؤسسات، وأزمات اقتصادية وثقافية، مع
اقتراح آليات إصلاحية واضحة، قابلة للتطبيق من الناحية النظرية. هذا يعكس إدراكًا
عميقًا لمعقدات الدولة والمجتمع في تونس، ويضع كتاب مرزوق في خانة النصوص الفكرية
التي تجمع بين النظرية والتطبيق المحتمل، وهو ما نادر في المشهد السياسي الراهن.
ثالثًا، تكمن أهمية الكتاب اليوم في سياقه
السياسي الراهن: في تونس التي تعيش أزمة مؤسساتية، وتراجع الثقة في النخب
التقليدية، ويشهد فيها المشهد السياسي انغلاقًا على المركزية، يقدم الكتاب رؤية
لإعادة بناء الدولة والأمة بطريقة عقلانية، مع التأكيد على ضرورة النجاعة والقدرة
على التنفيذ. وبالرغم من أن هذه الرؤية تحمل خطر الانزلاق نحو تحديث سلطوي، فإن
إدراك هذا الخطر يجعل من الكتاب أرضية صالحة للنقاش الجاد حول كيفية الموازنة بين
الدولة الفاعلة والمجتمع الحر، بين الإصلاح والشرعية، بين التنمية والعدالة
الاجتماعية.
وفي ضوء ذلك، يمكن تقييم "الأمة
الممكنة" على أنه كتاب مرجعي يفتح الباب لإعادة التفكير في مشاريع الإصلاح
الوطنية، لا بوصفه خطة جاهزة للتطبيق الكامل، بل كمنهجية للتفكير الاستراتيجي،
ونقطة انطلاق لمساءلة نقدية دقيقة لمواقع القوة والسلطة في تونس. وهو يقدم للقارئ
أدوات لفهم التعقيدات البنيوية، والانتباه إلى مخاطر النزعة المركزية، دون أن يقلل
من الطموح في بناء دولة قادرة على الفعل والمجتمع القادر على المشاركة.
باختصار، يظل الكتاب جسرًا بين الفكر
والسياسة، بين النظرية والتطبيق، بين الماضي والحاضر، وبين الإرادة والطموح.
تقديره الحقيقي لا يكمن في اتفاقنا مع كل توصياته أو آرائه، بل في قدرته على فرض
نقاش مركزي وجوهري: كيف يمكن للأمة التونسية أن تُعيد بناء نفسها، وتجاوز التأخر
التاريخي، مع احترام الحرية، والمساءلة، والمشاركة الشعبية؟ وفي هذا، يثبت كتاب
مرزوق أنه نص جدير بالقراءة، والنقد، والمناقشة، وأنه يضيف قيمة كبيرة للمشهد
الفكري والسياسي المعاصر في تونس.
إقرأ أيضا: الأمة الممكنة.. قراءة أولى في المشروع الطموح بين الدولة والمجتمع.. كتاب جديد