WP: بعد فضيحة إبستين.. أوروبا تتعهد بالمساءلة بينما واشنطن تتردد

فتحت سلطات في بريطانيا وفرنسا والنرويج وغيرها سلسلة من التحقيقات- جيتي
فتحت سلطات في بريطانيا وفرنسا والنرويج وغيرها سلسلة من التحقيقات- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريرا للصحفيين أنتوني فايولا وإيلين فرانسيس قالا فيه إنه في الوقت الذي تتردد فيه وزارة العدل الأمريكية في فتح تحقيقات جديدة تتعلق بملفات إبستين، يبرز نهج السلطات الأوروبية بشكل صارخ. فعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تعد الحكومات بمحاسبة الأثرياء وأصحاب النفوذ والشخصيات السياسية.

وتحت مجهر الرأي العام، فتحت سلطات في بريطانيا وفرنسا والنرويج وغيرها سلسلة من التحقيقات وشكلت لجانا مستقلة للنظر في أدلة على جرائم محتملة في أكثر من 3 ملايين ملف تتعلق بالمجرم الجنسي المدان جيفري إبستين، والتي نُشرت الشهر الماضي بأمر من الكونغرس.

وفي غضون ثلاثة أسابيع، أدت هذه الكشوفات إلى استقالات ومداهمات وإجراءات قانونية أخرى، أبرزها اعتقال أندرو ماونتباتن-ويندسور، الشقيق الأصغر للملك تشارلز الثالث، يوم الخميس للاشتباه في ارتكابه مخالفات أثناء توليه منصبه.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على شاشة التلفزيون قبيل الاعتقال: "لا أحد فوق القانون". وأدلى ستارمر بهذا التصريح في الوقت الذي كانت فيه موجة المساءلة تدق أبواب مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت.

اظهار أخبار متعلقة



وكشفت مراسلات نُشرت في الملفات أن بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة الذي اختاره ستارمر، كان على صلة أوثق بإبستين مما كان مُعلنا سابقا. وأثارت هذه المعلومات موجة من المطالبات باستقالة ستارمر، حتى من داخل حزبه العمالي.

وتأتي هذه التداعيات في بريطانيا في وقت يواجه فيه رئيس وزراء نرويجي سابق، ووزير فرنسي سابق، وشخصيات بارزة أخرى في القارة الأوروبية تحقيقات جديدة، في ما يبدو أنه اختبار أوروبي للمساءلة.

وبينما صوّرت إدارة ترامب أوروبا على أنها في حالة تراجع، يرى بعض المراقبين أن رد الفعل الأوروبي دليل على متانة سيادة القانون في ديمقراطيات القارة، مقارنة بتركز السلطة في أمريكا في عهد ترامب.

التحقيقات الرسمية


وقالت جولي ستوستول، عضوة البرلمان النرويجي وعضو لجنة العدل: "في النرويج وعموم أوروبا، كان التوجه السائد هو الشفافية والتحقيقات الرسمية. أما في الولايات المتحدة، فيبدو الأمر أقرب إلى الاحتواء". وأضافت: "التناقض صارخ".

ويقارن كبار المشرعين الديمقراطيين في واشنطن الإجراءات القانونية الواسعة النطاق عبر المحيط الأطلسي، برد الفعل الخافت في الولايات المتحدة.

وقال السيناتور تشارلز شومر في تغريدة عبر "إكس" إن "تعامل وزارة العدل مع ملفات إبستين مهزلة". وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض: "نحن نمضي قدما". لكن في فرنسا، فتح مكتب المدعي العام في باريس تحقيقين بناء على معلومات جديدة من الملفات التي تم الكشف عنها. وفي بريطانيا، أُلقي القبض على الأمير السابق أندرو لعلاقاته بإبستين. متى سيتحقق العدل في أمريكا؟".

ويشير بعض المحللين إلى أن قضية إبستين هزّت الولايات المتحدة لسنوات، بينما كان تأثيرها في أوروبا أشبه بنيران بطيئة اشتعلت مع نشر الملفات الأخيرة.

ولفتت ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما إلى أن "أحد التفسيرات هو أن المساءلة لا تزال تعني الكثير في أوروبا أكثر منها في أمريكا. أما التفسير الأقل تفاؤلا فهو أنها صدمة أحدث في أوروبا منها في الولايات المتحدة".

وأوضحت ستوستول، النائبة التي دعا حزبها إلى تشكيل لجنة مستقلة، أن هذه الكشوفات هزّت النرويج "من جذورها". وأضافت: "لقد سئم الناس من حماية النخب للنخب الأخرى في الخفاء"، ما جعل الاعتراضات على الاقتراح غير مقبولة.

اظهار أخبار متعلقة



وأقرّ إبستين بذنبه عام 2008 في تهمتين تتعلقان باستدراج الدعارة، إحداهما تتعلق بقاصر. وأُلقي القبض عليه بتهم فيدرالية تتعلق بالاتجار بالجنس عام 2019، وتوفي في الحجز الفيدرالي في وقت لاحق من ذلك العام. وقد صُنّف موته على أنه انتحار. يقول قضاة ومشرعون إن إبستين، على مدى عقود، اعتدى على عشرات الفتيات، وتاجر بهن، وتحرش بهن، وقد تقدمت العديد منهن بشهاداتهن أمام المحاكم وفي منتديات عامة أخرى.

واستقال بعض الشخصيات البارزة في الولايات المتحدة من مناصبهم أو خسروا أعمالهم بعد أن كشفت الوثائق عن علاقاتهم بإبستين، لكن لم يُعرف أن أيا منهم قد وُجهت إليه تهم جنائية. وفي واشنطن، اتسمت الجهود المبذولة لمحاسبة المتورطين مع إبستين أحيانا بالانقسام الحزبي.

في تشرين الثاني/ نوفمبر، دعا الرئيس دونالد ترامب وزارة العدل إلى التحقيق في العلاقات بين إبستين والعديد من الديمقراطيين البارزين، بمن فيهم الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وكلفت المدعية العامة بام بوندي مدعين اتحاديين في مانهاتن بتولي هذه المهمة، لكن وزارة العدل لم تعلن عن أي اتهامات تتعلق بالتحقيق.

وقال نائب المدعي العام تود بلانش في مقابلة مع دانا باش من شبكة CNN في وقت سابق من هذا الشهر: "لا يمكنني الحديث عن أي تحقيقات، لكنني سأقول ما يلي: في تموز/ يوليو، صرّحت وزارة العدل بأنها راجعت ملفات إبستين، ولم تجد فيها ما يسمح لها بمقاضاة أي شخص. بإمكان العالم أجمع الاطلاع على هذه الملفات ليرى إن كنا قد أخطأنا".

ولم تُفصّل السلطات البريطانية الادعاءات الموجهة ضد ماونتباتن-ويندسور، المعروف سابقا باسم الأمير أندرو، والذي أطلقت الشرطة سراحه ليلة الخميس بعد أن فتّشت السلطات عنوانين في نورفولك وبيركشاير. تتضمن وثائق إبستين الجديدة صورا تُظهر ماونتباتن-ويندسور، الذي نفى ارتكاب أي مخالفة، وهو جاثم فوق امرأة أو فتاة على الأرض. كما تُشير إلى أنه قدّم مواد حكومية سرية لإبستين في وقت كان الأمير السابق يُمثّل بريطانيا كمبعوث تجاري. جاءت هذه الإجراءات بعد أشهر من تجريده من ألقابه الملكية نتيجة لعلاقاته بإبستين.


ترتيب ولاية العرش


وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية يوم السبت، نقلا عن وزير الدفاع لوك بولارد، أن الحكومة البريطانية تدرس إمكانية سنّ تشريع يُقصي ماونتباتن-ويندسور من خط ولاية العرش "بغض النظر عن نتائج تحقيق الشرطة". ويحتل ماونتباتن-ويندسور المركز الثامن في ترتيب ولاية العرش.

وعقب الاعتقال، أصدر الملك تشارلز الثالث بيانا طمأن فيه الشعب البريطاني بأن "القانون سيأخذ مجراه" في التحقيق مع شقيقه.

وقال دومينيك مويسي، كبير محللي الشؤون الدولية في معهد مونتين، وهو مركز أبحاث مقره باريس: "من المفارقات العجيبة أنه في العام الذي نحتفل فيه بالذكرى 250 لميلاد الجمهورية الأمريكية، تأتي الملكية البريطانية لتقدم لنا درسا في الديمقراطية".

وأعلن رئيس الوزراء النرويجي، جوناس غار ستوره، دعمه للتحقيق في صلات الشخصيات النرويجية البارزة بإبستين. ومثل غيره من القادة الأوروبيين، يواجه ستوره ضغوطا للاستجابة لغضب الناخبين إزاء الوثائق التي تورطت فيها شبكة عالمية من المشاهير والسياسيين.

وقال ستوره لهيئة الإذاعة النرويجية العامة (NRK):  "أعتقد أن اطلاع الناس على هذا العالم والصلة بين أصحاب النفوذ كان صادما للغاية، وكيف أثر ذلك على من لا يملكون النفوذ، والذين تعرضوا للاستغلال والاعتداء".

اظهار أخبار متعلقة



وفي وقت سابق من هذا الشهر، وُجهت إلى رئيس الوزراء النرويجي السابق، ثوربيورن ياغلاند، تهمة الفساد المشدد لعلاقاته بإبستين. وقد فتشت الشرطة مساكن ياغلاند، الذي ترأس سابقا لجنة نوبل النرويجية. كما صرحت السلطات بأنها تحقق فيما إذا كان ياغلاند قد تلقى هدايا أو رحلات أو قروضا مرتبطة بمناصبه، بما في ذلك رئاسته لمجلس أوروبا، أعلى هيئة رقابية لحقوق الإنسان في القارة.

جاءت الإجراءات المتخذة ضده بعد الكشف عن تخطيطه لزيارات إلى منازل إبستين في باريس ونيويورك، وزيارة إبستين لمنزل ياغلاند في ستراسبورغ، فرنسا. ويواجه ياغلاند، الذي نفى مسؤوليته الجنائية وأكد تعاونه مع السلطات، عقوبة تصل إلى عشر سنوات في السجن.

وفي هذا الشهر أيضا، استقالت الدبلوماسية النرويجية منى جول على خلفية اتهامات بالفساد، بعد أن أفادت وسائل الإعلام النرويجية بأن إبستين ترك لأبنائها ملايين الدولارات في وصيته. وتُجري السلطات تحقيقا في صلات إبستين بجول وزوجها، اللذين لعبا دورا في المحادثات غير الرسمية بين المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين التي أفضت إلى اتفاقيات أوسلو. وقد نفت جول مسؤوليتها الجنائية.

كما طالت الفضيحة النظام الملكي النرويجي، حيث كشفت وثائق أن ولية العهد النرويجية، الأميرة ميت ماريت، أقامت في عقار تابع لإبستين في بالم بيتش، فلوريدا، وتبادلت عشرات الرسائل مع الممول المدان. يظهر اسمها مرارا وتكرارا في الملفات، بما في ذلك بعد إدانة إبستين عام 2008 بتهمة استدراج قاصر لممارسة الجنس. وقد أعربت ولية العهد عن "أسفها الشديد" لعلاقتها بإبستين.

وفتحت السلطات في لاتفيا وليتوانيا تحقيقات في احتمال تورط إبستين في الاتجار بالشابات والفتيات. وفي سلوفاكيا، أدت هذه الوثائق إلى إقالة ميروسلاف لايتشاك، مستشار رئيس الوزراء للأمن القومي، الذي استقال بسبب مراسلاته الإلكترونية مع إبستين.

وفي فرنسا، أعلنت المدعية العامة في باريس، لور بيكو، عن فتح تحقيقين جديدين متعلقين بملفات إبستين، أحدهما يركز على الاتجار بالجنس والآخر على الجرائم المالية.

وكانت السلطات الفرنسية تحقق بالفعل مع وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ وابنته بتهم التهرب الضريبي وتلقي أموال من إبستين. وجاء هذا التحقيق عقب تحقيق أجرته وكالة الأنباء الفرنسية "ميديابارت"، والذي كشف عن علاقات وثيقة مع إبستين. وتدعو بيكو ضحايا إبستين الذين لم يتم الكشف عن هويتهم بعد إلى التقدم بشهاداتهم.
التعليقات (0)