كتاب "دول
الخليج العربية وإيران"
من إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، نيسان/أبريل، 2023، وهو
من تأليف مجموعة من الكُتّاب وتحرير مروان قبلان، ويقع في 416 صفحة.
لا يستمدُّ الكتابُ أهميته من الأحداث
الراهنة فقط وإنما أيضا من تناوله العلاقة الشائكة بين
إيران ودول الخليج وارتباط
هذه العلاقة بسياسات القوى العظمى. يحتوي الكتاب على اثنتي عشرة دراسة قام بها
باحثون مختصون في شؤون الخليج والشرق الاوسط.
تُمثّل إيران بحكم وزنها الديمغرافي ونظامها
الثوري وموقعها الجغرافي تحدّيا استراتيجيا لدول الخليج، بغضّ النظر عن
العلاقات الثنائية التي تربط هذه الدول، كلّ على حِدة، بإيران التي تتحدد سياساتها
في الخليج بنظرة النخب الحاكمة في طهران ولتصورها لدور بلادها ومصالحها
الاستراتيجية بوصفها دولة إقليمية كبيرة
تسعى إلى تعزيز قوتها وتأثيرها عبر التحكم في المعابر المائية في المنطقة وعبر
أذرعها المتعددة لشن حروب بعيدا عنها ومنع انتقال الصراع إليها.
يرى "مروان قبلان" أنّ استراتيجيات دول الخليج العربية في علاقاتها بإيران محكومة بالترتيبات الثنائية من جهة، والخصومات بين دول الخليج نفسها من جهة أخرى، بدلا من الموقف الإقليمي الموحّد.
في مقابل تماسك الاستراتيجيا الإيرانية في
المنطقة، يرى "مروان قبلان" أنّ استراتيجيات دول الخليج العربية في
علاقاتها بإيران محكومة بالترتيبات الثنائية من جهة، والخصومات بين دول الخليج
نفسها من جهة أخرى، بدلا من الموقف الإقليمي الموحّد. ويرى مُحرر الكتاب أنّ الحدث
التاريخي الأبرز الذي أثّر في منطقة الخليج منذ الحرب العالمية الأولى هو الغزو
الأمريكي للعراق حيث انهار نظام توازن القوى في المنطقة، وانكشفت دول الخليج
العربية استراتيجيا أمام إيران، الأمر الذي أدّى إلى زيادة اعتماد هذه الدول على
الولايات المتحدة.
يدرسُ القسم الأول من الكتاب خلفيات التوتّر بين دول الخليج العربية وإيران،
وهو توتّر يُرجعه "روس هارسون" إلى ثلاثة مستويات: الأول ثنائي الأبعاد
في منطقة الشرق الأوسط، كالصراع السياسي
والاقتصادي التقليدي بين السعودية وإيران،أو بين الأخيرة والعراق، أو النزاع
الإماراتي الايراني حول الجزر الثلاث. أما المستوى الثاني فيعود إلى اختلاف في التصورات حول التهديدات، ففي حين ترى
السعودية والإمارات والبحرين إيران تهديدا وجوديا، ترى إيران التهديد الذي
يستهدفها وجوديا هو الولايات المتحدة و"إسرائيل". أمّا المستوى الثالث فهو
خلاف يكمن داخل الأطراف الخليجية ذاتها، بين من يرى إيران مجرد منافس يمكن التعايش
معه، مثل عُمان وقطر والكويت، وبين من يراها خطرا يستهدف وجوده.
يتناول القسم الثاني من الكتاب العوامل
المؤثرة في تشكيل علاقات إيران بدول الخليج العربية، وهي عوامل تُرجِعها
"شيرين هنتر" إلى الخصائص الجغرافية والديمغرافية للطرفين، وللاختلافات
الاثنية والطائفية بينهما، ولتاريخ طويل من التفاعل العربي ـ الإيراني. كما
تُعرّجُ الكاتبة على إرث بريطانيا في المنطقة ودوره في تسميم العلاقة بين دول
المنطقة، مُقدمة حالة البحرين والجزر الإماراتية مثالا لهذا الدور. كما لا تسهو
الكاتبة عن دور "إسرائيل" في تذكية الصراع بين الدول العربية وإيران،
مُذكّرة بفزعها من الاتفاق العراقي ـالإيراني سنة 1975 باعتباره دافعا في التفات
العراق نحو جبهته الغربية.
أمّا في العقود التي تلت الثورة الإيرانية
وتوجّه بعض العرب نحو التطبيع مع "إسرائيل"، فقد بات موقف إيران الرافض
لهذه المسألة مصدرا آخر للنزاع. في القسم
نفسه من الكتاب يركّزُ "جودت بهجت" على مُحفّزات السياسة الخارجية
لإيران، ويراها مماثلة لأيّة دولة أخرى، لأنها محكومة، كغيرها من الدول، بالتوجهات
الايديولوجية للقادة وتصوراتهم للمصالح الوطنية. في هذا السياق يُشددُ الكاتبُ على
عدم المبالغة في تصوير نقاط الاختلاف بين الإدارات الايرانية المتعاقبة، ويخلُصُ
إلى أنّ إيران قد انتهجت سياسة ثابتة منذ ثورة 1979، ولم يُشكّل الاتفاق
النووي إلاّ خطة تكتيكية وليس تراجعا
استراتيجيا.
أمّا القسم الثالث من الكتاب فيبحث في
التوتر الأمريكي ـالإيراني وأثره في العلاقات الخليجية الإيرانية. يرى "جون
كالابريسي" في هذا القسم أنّ حالة انعدام الامن في منطقة الخليج ناتجة عما
أسماه "المغامرة الكارثية" للولايات المتحدة والتي تمثلت في غزو العراق
واحتلاله. لقد أضرّت هذه "المغامرة" بصدقية الولايات المتحدة بشدة،
وقوّضت ثقة الناس بها وثقتها بنفسها، وذلك لفشلها في فرض نظام اقليمي جديد، ووضعها
المنطقة في حالة عدم استقرار مستمرة، و للكارثة الانسانية والدمار المادي الكبير الذي احدثته في العراق،
وهو ما أدى إلى بروز "قوى متطرفة" في أرجاء المنطقة كلها. يصفُ الكاتبُ
حروب الولايات المتحدة في المنطقة بكونها "صدمات زِلزالية ضربت النظام الأمني الخليجي وزعزعت
استقراره بشدة".
بعد ملاحظة أنّ عُمان وقطر، وبدرجة أقل الكويت، لم تعد أطرافا حيوية في أزمة العلاقة مع إيران، يحصر الكاتب النزاع بين قطبي الإقليم، السعودية وإيران. يرى الكاتب أنّ الصراع بين هذين القطبين سيكون باهظ التكلفة على كليهما، وعليه فإنه من الأفضل لهما تقديم مقاربة للنزاع تقوم على ما أسماه "الواقعية السياسية"، والاحتكام إلي الحقائق الجيوسياسية، بعيدا عن التعبئة المذهبية والتعالي القومي.
من نتائج هذا الفشل بروز نقاش داخل الولايات
المتحدة حول دورها في المنطقة وفي العالم، وهو نقاش زاده حِدّة تبرّمُ الناس
داخلها من "الحروب التي لاتنتهي". غير أنّ الكاتب لا يُغفل سببا آخر
للعجز الأمني في منطقة الخليج ويعزوه إلى ما أطلق عليه "أمراض دول
المنطقة"، مُذكّرا بموقفها من انتفاضات عام 2011، حيث عمل شركاء الولايات
المتحدة في منطقة الخليج على إيقاف زخم الإصلاح السياسي العربي. لقد أدّت الصراعات
التي أعقبت الانتفاضات إلى كشف ومفاقمة الاختلافات الخليجية البينية حول تقييمها
للأحداث وصياغتها للتصورات والسياسات. هكذا وجدت هذه الدول نفسها في الوقت
ذاته في صراع حاد فيما بينها، وتخوض
مواجهة مع إيران، وعالقة بين المخاوف من الوقوع في مصيدة الولايات المتحدة،
والمخاوف من قطع هذه الأخيرة علاقاتها بها.
أخيرا، يتناول القسم الرابع من الكتاب
العامل الإقليمي وأثره في العلاقات الخليجية الإيرانية، فيتناول "عماد
قدورة" محاولات كل من روسيا والصين والهند وباكستان إرساء نظام للأمن الشامل
في الخليج. غير أنّ الكاتب لا يبدو متفائلا بإمكانية تحقيق هذا المشروع وذلك
لسببين اثنين: أولا ، انعدام الثقة المتبادل بين مجلس التعاون الخليجي وإيران،
وذلك للاختلاف في طبيعة الأنظمة السياسية، فنظام الثورة الإسلامية في إيران مناقض
للأنظمة الملكية الخليجية ومنافس لها. وفي
ظل الخشية من توسيع إيران نفوذها داخل هذه الدول من خلال الإقليات الشيعية، يبقى
تصور التهديد هاجسا أساسيا داخل دول مجلس التعاون الخليجي؛ ثانيا، ترتبط الدول
الأخيرة بوجود عسكري غربي كبير، ومن ثم سيكون نظام الأمن الشامل رهينا بمصالح
القوى الأجنبية الموجودة. إن ترتيبات هذا النظام، في حال نجاحه، يعني بالضرورة خروج هذه القوى من المنطقة، وهو ما يعني تعرض
مصالحها للخطر وترك فراغ سوف تملؤه بلا شك قوى أخرى منافسة.
في مقابل تشاؤم "عماد قدورة" فإن
"عبد الله الغيلاني " يختم بحثه بجرعة تفاؤلية بشان إمكانية الوئام بين
دول الخليج العربية وإيران. فبعد ملاحظة أنّ عُمان وقطر، وبدرجة أقل الكويت، لم
تعد أطرافا حيوية في أزمة العلاقة مع إيران، يحصر الكاتب النزاع بين قطبي الإقليم،
السعودية وإيران. يرى الكاتب أنّ الصراع بين هذين القطبين سيكون باهظ التكلفة على
كليهما، وعليه فإنه من الأفضل لهما تقديم مقاربة للنزاع تقوم على ما أسماه
"الواقعية السياسية"، والاحتكام إلي الحقائق الجيوسياسية، بعيدا عن التعبئة المذهبية والتعالي القومي.
حينئذ، حسب رأيه، ستتغير انماط التفكير
وزوايا النظر ويقع إعلاء مصالح الإقليم. كما يضيف الكاتب ضرورة فك دول مجلس التعاون ارتباطها بمُقتضيات الصراع
الأمريكي ـ الإيراني والالتقاء على محددات نظام أمن إقليمي مشترك، ويُشدِّدُ أيضا
على ضرورة إيجاد ردع استراتيجي خليجي لإحداث توازن في معادلة الأمن الإقليمي،
ويختمُ بالتعريج على لزوم خلق فرص للتثاقف السياسي والتلاقح الفكري بين النخب
الخليجية والإيرانية لخلق أنماط تفكير استراتيجية جديدة وإنتاج خيارات تصالحية
أجدى وأنفع لجميع دول المنطقة.