نتنياهو وترامب.. من الغضب الملحمي إلى الوكسة أو الكارثة الملحمية

هل يلجأ نتنياهو مع استمرار الحرب والقصف الصاروخي المتواصل للمدن والمراكز الحيوية الإسرائيلية إلى استخدام الخيار شمشون، أي السلاح النووي الإسرائيلي؟
عملية الأسد الهادر، أو الغضب الملحمي، هي عملية مخطط لها منذ زمن طويل سواء من جانب إسرائيل أو أمريكا، قال الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في مؤتمر صحفي مع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث يوم الاثنين 2/3/2026: "إن شن عملية عسكرية كبرى ضد إيران كان مخططًا لها منذ شهور، وفي بعض أجزائها منذ سنوات، بهدف ضرب إيران بالسرعة والمفاجأة وعنف العمل".

وتبالغ كل من أمريكا وإسرائيل في تأثير ضرباتها على إيران، ففي مقال بموقع إسرائيل ديفنس، عنوانه "القوات الأمريكية والإسرائيلية تبلغان عن ضربات تاريخية"، 5/3/2026، جاء فيه تصريح وزير الحرب الأمريكي: "بعد مرور مئة ساعة، باتت أقوى قوتين جويتين في العالم ـ الأمريكية والإسرائيلية - تسيطران بلا منازع سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية. لم يعد بإمكان العدو إطلاق الكم الهائل من الصواريخ التي كان يطلقها سابقًا، ولا حتى الاقتراب منها".

ولكن، بعد مرور أسبوعين من الحرب، تغيرت النغمة، وكتب نفس الموقع: "يزعم الجيش الإسرائيلي وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية للأسلحة الإيرانية، ولم يسقط النظام، ولا تزال الحرب تُلحق خسائر فادحة بالمدنيين في إسرائيل. وشنّت إيران وحزب الله هجمات صاروخية متكررة، مما أجبر ملايين الإسرائيليين على العودة إلى الملاجئ - حيثما وُجدت. ومع استمرار تبادل الضربات بين الجانبين، تبقى النتيجة السياسية للحرب غير مؤكدة، حتى مع اشتداد المواجهة العسكرية في جميع أنحاء المنطقة".

وفي هذا المقال نعرض لهذه الحرب من جوانب متعددة، سواء على مستوى التخطيط والإعداد، وامتدادتها وتأثيراتها الإقليمية والدولية، وسيناريوهاتها ومآلاتها. وقد اخترنا "من الغضب الملحمي إلى الوكسة أو الكارثة الملحمية"، عنوانًا للمقال، فالغضب قد يكون انفعالا وقتيا أو تراكميا أو ممتدا؛ أما الوكسة فهي الفشل الذريع والخسارة المدوية؛ وأما الكارثة الملحمية لخطورة بعض السيناريوهات الخطيرة لهذه الحرب والحماقات التي قد يرتكبها ترامب ونتنياهو في هذه الحرب لأن مستقبلهما يتوقف عليها.

حصار أمريكي غربي خانق لتركيع إيران

في 27/6/2025، نشر مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط، التابع لجامعة برانديز، مقالا عنوانه: "ما هو القادم لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة"، جاء فيه: كانت إيران بحاجة إلى استثمارات تزيد عن 500 مليار دولار لمعالجة النقص الحاد في الإمدادات، لا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة، والتي كانت تعاني أصلاً من العقوبات الأمريكية. وهي تواجه بالفعل عجزاً بنسبة 20% في إمدادات الكهرباء والغاز الطبيعي والوقود، والذي تفاقم بسبب الغارات الجوية على محطات الغاز الطبيعي ومستودعات النفط ومصافي التكرير. وقد شهدت في السنوات الأخيرة، عجزاً كبيراً في الميزانية، يتراوح بين 18 و25%، الأمر الذي قلص برامج الرعاية الاجتماعية وزيادة الفقر. ويواجه 80% من الإيرانيين انعدام الأمن الغذائي".

"الدعاية الإسرائيلية تقوم بعملية تكبير شديد للتفاصيل حتى مستوى الدموع كي تُخفي الصورة الأوسع: من قصف من؟ ما الذي سبق ماذا؟ وما مسؤولية إسرائيل عن التصعيد الذي أدى إلى إطلاق الصواريخ؟ بدل المسؤولية: قدرٌ محتوم؛ بدل السياسة: سيكودراما؛ وبدل السياق: لقطة مقرّبة لوجه متألّم في الملجأ، تبرّر بأثر رجعي كل استخدام للقوة بوصفه دفاعًا عن النفس. هذه نسخة معاصرة من الصورة الإسرائيلية المفضّلة التي وصفها ليفي أشكول يومًا بـ"شمشون المسكين": قوة عسكرية هائلة تطلب من العالم أن يشفق عليها. لقد خرجت حكومة بنيامين نتنياهو إلى حرب اختيار، فيما يبدو أن "التهديد الوجودي" الحقيقي الذي يُراد إزالته فيها هو خطر الخسارة في الانتخابات".
وفي دراسة عنوانها "التكيف المكلف، لا الاستسلام: المسار المحتمل لإيران" نشرها معهد كوينسي بواشنطن في 10/12/2025، للباحث هادي كاهال زاده: "في أعقاب "الأسد الصاعد"، تواجه إيران اليوم أشدّ أنواع الإكراه السياسي والاقتصادي الخارجي في تاريخها. ومع ذلك، من غير المرجح أن تحقق هذه الاستراتيجية أهداف الولايات المتحدة لتغيير النظام الإيراني وكبح جماح برنامجها النووي. بل إنها تدفعها نحو مزيد من الفقر، وتعقيد أوضاعها الأمنية، ومسار نشوب مواجهة عسكرية مكلفة".

الدعاية الإسرائيلية.. شمشون المسكين

تعتمد الدعاية الإسرائيلية لحشد التأييد الغربي بتصوير نفسها الضحية وسط محيط عربي وإسلامي يريد القضاء عليها، والذي يعتدي عليها بصفة مستمرة. هذه الدعاية السوداء تفضحها الكاتبة الإسرائيلي يوعانا جونين في مقال عنوانه: "دولة تتصرف كبلطجي الحارة ثم تبكي كضحية"، هآرتس، 10/3/2026، فقالت: "الدعاية الإسرائيلية تقوم بعملية تكبير شديد للتفاصيل حتى مستوى الدموع كي تُخفي الصورة الأوسع: من قصف من؟ ما الذي سبق ماذا؟ وما مسؤولية إسرائيل عن التصعيد الذي أدى إلى إطلاق الصواريخ؟ بدل المسؤولية: قدرٌ محتوم؛ بدل السياسة: سيكودراما؛ وبدل السياق: لقطة مقرّبة لوجه متألّم في الملجأ، تبرّر بأثر رجعي كل استخدام للقوة بوصفه دفاعًا عن النفس. هذه نسخة معاصرة من الصورة الإسرائيلية المفضّلة التي وصفها ليفي أشكول يومًا بـ"شمشون المسكين": قوة عسكرية هائلة تطلب من العالم أن يشفق عليها. لقد خرجت حكومة بنيامين نتنياهو إلى حرب اختيار، فيما يبدو أن "التهديد الوجودي" الحقيقي الذي يُراد إزالته فيها هو خطر الخسارة في الانتخابات".

وفي سياق دحض الدعاية الإسرائيلية الكاذبة، تقول الكاتبة الإسرائيلية نيلي أوشروف في مقال بصحيفة هآرتس، 8/3/2026، عنوانه: "": "تحت شعار "جئنا لنطرد الظلام"، تسوّق إسرائيل الهجوم على إيران واغتيال خامنئي بوصفهما محاولةً لإنقاذ الشعب الإيراني من قبضة ديكتاتور قاسٍ ونظام دموي. لكن قبل أن تقدّم إسرائيل نفسها مرشحةً لجائزة نوبل في التنوير والحرية، يبرز سؤالٌ مشروع: ما الذي لم يعجبها تحديدًا في خامنئي الراحل؟ فإسرائيل، على مدى ما يقارب ثمانين عامًا من وجودها، لم تُعرف باعتماد معايير أخلاقية صارمة في اختيار أصدقائها. وعلى قائمة حلفائها يظهر عدد من الطغاة سيئي الصيت، بعضهم وُجهت إليهم رسميًا اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولم يكن تعاملهم مع شعوبهم أفضل كثيرًا من تعامل آيات الله مع أبناء شعبهم. وفي يوم الاستقلال القريب سيُستقبل هنا استقبال الملوك الرجل الذي يجسد أكثر من غيره طريقة إسرائيل في اختيار أصدقائها: دونالد ترامب: رجل متهور، فاسد، جاهل، مصاب بجنون العظمة، وكذاب، يقوض الديمقراطية في بلاده، ويؤجج الخصومات في العالم. هذا هو صديقنا. يا للفخر!!". 

ترامب ونتنياهو يكذبان كما يتنفسان

في 10/3/2026، نشرت مجلة تايم الأمريكية مقالًا للكاتبة ميرندا جيارتينام، عنوانه: "شرح الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران"، بينت فيه عدم وجود سبب واحد مقنع لشن هذه الحرب، فقالت: "قدّم مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون تفسيرات متضاربة لهجومهم على إيران. وصف ترامب الهجوم بأنه دفاعي، مشيرًا إلى أنه يهدف إلى القضاء على "تهديدات وشيكة" من إيران. في المقابل، وصفته إسرائيل بأنه "ضربة استباقية" تهدف إلى تحييد هجوم صاروخي إيراني متوقع. ولم تقدم الولايات المتحدة ولا إسرائيل أي دليل على تخطيط إيران لمهاجمتهما. وفي جلسات إحاطة خاصة أمام الكونغرس، أقرّ مسؤولون في إدارة ترامب بأن الاستخبارات الأمريكية لم تُشر إلى أن إيران كانت تُحضّر لهجوم قبل الضربات الأمريكية الإسرائيلية؛ بل قالوا إن صواريخ إيران وقواتها الوكيلة تُشكّل تهديدًا للأفراد الأمريكيين وحلفائهم في المنطقة، مع اختلاف المسؤولين حول ما إذا كان هذا التهديد عامًا أم وشيكًا".

في مقابل هذا الكذب المفضوح يكشف مقال للكاتب يائير روزنبرج عنوانه "السبب الحقيقي الذي دفع ترامب للحرب، مجلة أتلانتيك، 4/3/2026، أن ترامب دعا إلى إرسال قوات أمريكية إلى إيران منذ 1980، وهو لديه عقدة نفسية منها، في عام 1987،فقال: " ذكرت صحيفة التايمز أن ترامب أعلن في خطاب في نيوهامبشير أن "الولايات المتحدة يجب أن تهاجم إيران وتصادر بعض حقول نفطها ردًا على ما وصفه بالتنمر الإيراني على أمريكا. وفي حديث له مع الجارديان عام 1988، قال ترامب: سأكون قاسيا على إيران. لقد كانوا يهزموننا نفسيا، ويجعلوننا نبدو كمجموعة من الحمقى."

كيف هيأت إيران نفسها لحرب طويلة الأمد متعددة الجبهات؟

ترى طهران أن أهداف واشنطن ليست مجرد وضع حدود نووية، بل إنها تشمل تغيير النظام. وتعتبر المفاوضات كمائن محتملة لجولة أخرى من الصراع، وقبول المطالب الأمريكية سيكون بمثابة إهانة سياسية. وفي هذا المأزق، تختار طهران المقاومة، أو الصمود والردع، باعتبارها السبيل الوحيد للبقاء. والسؤال المهم هنا: كيف واجهت إيران هذا الحصار الخانق المستمر منذ قرابة ثلاثة عقود؟ وكيف استعدت لأسوأ السيناريوهات بما فيها حرب شاملة تشن عليها؟:

1 ـ التكيف والمقاومة ضد أقسى أنواع الضغط السياسي والاقتصادي

لقد كيّفت إيران اقتصادها لمواجهة الضغوط الناجمة عن العقوبات الغربية من خلال مجموعة واسعة من التدابير تشمل: التنويع الاقتصادي، إعادة هيكلة التجارة، التخلي عن الدولار، اللجوء إلى مسارات مصرفية بديلة للالتفاف على السيطرة الأمريكية، تحويل التجارة شرقًا إلى الصين الشريك التجاري الأول لإيران حاليًا، واستبدال الواردات في قطاعي الصناعة والزراعة. وقد حافظت هذه الاستراتيجية على وظائف الدولة الأساسية وتماسك النظام، رغم معاناة عامة الشعب وارتفاع الفقر إلى ٧٠٪. وإن إطالة أمد معاناة الشعب الإيراني لن تُفلح في إسقاط قادة إيران أو تحقيق أهداف الولايات المتحدة؛ فقد أثبت النظام الإيراني نفسه براعته في تحمل تبعات الضغوط الغربية، وتكييف اقتصاده، والحفاظ على نفوذه النووي.

2 ـ سرعة استعواض الخسائر وترميم منشآت التصنيع العسكري والمشروع النووي

قال موقع إسرائيل ديفنس، 5/3/2026::  يقول الجيش الإسرائيلي إن النظام الإيراني استغل الأشهر التي أعقبت حرب الأسد الصاعد يونيو 2025 لإصلاح بنيته التحتية النووية، وتوسيع إنتاج الصواريخ الباليستية، وتعزيز قواته الإقليمية بالوكالة. وأطلقت إيران حملة هندسية واسعة النطاق لإصلاح المنشآت المتضررة وإخفاء العمل عن التدقيق الدولي. وواصل الحرس الثوري إنتاج الصواريخ الباليستية، وأحدث توسيعاً كبيراً لقدراته. وإعادة بناء سلسلة إمداد الوقود بالكامل، وهو عنصر حاسم في عمليات إطلاق الصواريخ.

3 ـ اتباع استراتيجية الحرب غير المتكافئة أو المتماثلة

ما نراه اليوم من عجز إسرائيلي وأمريكي بين رغم استخدام أقوى الأسلحة في ترسانة البلدين ضد إيران، فإنهما عاجزتان تماما عن تحقيق أ] هدف من أهداف الحرب، وهذا ما توقعه الباحث مارك كوكيس في دراسة لها نشرها معهد كوينسي في 3/1/2020، عنوانها: "لا يمكن للولايات المتحدة إلا أن تخسر الحرب مع إيران". ويرجع ذلك لاستراتيجية الحرب غير المتكافئة والحرب الهجين اللتين تستخدمهما إيران في المواجهة، فقال: "تبنت إيران، أكثر من أي خصم آخر للولايات المتحدة، المنطق العسكري لعصر الحروب الجديدة، فبنت قوة هجين من الجنود النظاميين والمقاتلين غير النظاميين، مستندةً إلى مبادئ الحرب غير المتكافئة، وحققت نتائج كارثية على إسرائيل والولايات المتحدة. فقدرتها على مواجهة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تفوق ما يعترف به معظم الأمريكيين، ويدرك الخبراء العسكريين جيدًا الخطر الفتاك الذي تشكله إيران. ففي إحدى مناورات الحرب التي أجرتها قيادة القوات المشتركة الأمريكية، قام الجنرال البحري بول فان ريبر بمحاكاة هجوم إيراني على أصول بحرية أمريكية باستخدام زوارق صغيرة وطائرات يقودها انتحاريون. أسفرت الضربة البسيطة عن إغراق 16 سفينة حربية أمريكية ومقتل آلاف البحارة.

ترى طهران أن أهداف واشنطن ليست مجرد وضع حدود نووية، بل إنها تشمل تغيير النظام. وتعتبر المفاوضات كمائن محتملة لجولة أخرى من الصراع، وقبول المطالب الأمريكية سيكون بمثابة إهانة سياسية. وفي هذا المأزق، تختار طهران المقاومة، أو الصمود والردع، باعتبارها السبيل الوحيد للبقاء. والسؤال المهم هنا: كيف واجهت إيران هذا الحصار الخانق المستمر منذ قرابة ثلاثة عقود؟ وكيف استعدت لأسوأ السيناريوهات بما فيها حرب شاملة تشن عليها؟:
وفي مناورة حرب أخرى، نظمتها مجلة "ذا أتلانتيك"، قام العقيد المتقاعد في سلاح الجو وخبير مناورات الحرب، سام غاردينر، بمحاكاة سيناريوهات متعددة لهجوم أمريكي على إيران بهدف وقف البرنامج النووي الإيراني. لم ينجح أي منها. قال غاردينر بعد المناورات: "بعد كل هذا الجهد، لا يسعني إلا أن أقول جملتين بسيطتين لصناع القرار: ليس لديكم حلول عسكرية لقضايا إيران، وعليكم إنجاح الدبلوماسية". وقد توصلت مناورات حربية أخرى أجرتها وكالة المخابرات المركزية ووكالة استخبارات الدفاع إلى استنتاجات مماثلة.فإيران تمتلك القدرة عبر شبكة حلفائها، مثل حزب الله وقوات الحشد الشعبي والحوثيين، على إحداث فوضى عارمة في المنطقة. لذلك، فإن القتال مع إيران سيحصد أرواحًا كثيرة، ويرفع أسعار النفط، ويزعزع استقرار الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض تمامًا مع أهداف السياسة الأمريكية فيه".

4 ـ ترسانة صاروخية كبيرة

طبقا لمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية CSIS، في 6/3/2026، تمتلك إيران أكبر ترسانة صواريخ وأكثرها تنوعًا في الشرق الأوسط، تضم آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بعضها قادر على ضرب أهداف بعيدة تصل إلى إسرائيل وشرق أوروبا. وعلى مدى العقد الماضي، استثمرت إيران بشكل كبير في تحسين دقة هذه الأسلحة وفعاليتها التدميرية. وقد جعلت هذه التطورات من القوات الصاروخية الإيرانية أداةً قويةً لبسط النفوذ الإيراني، وتهديدًا حقيقيًا للقوات العسكرية الأمريكية وحلفائها في المنطقة. لم تختبر إيران بعدُ صاروخًا قادرًا على ضرب الولايات المتحدة، أو تنشره، لكنها تواصل تطوير تقنيات الصواريخ بعيدة المدى في إطار برنامجها لإطلاق الصواريخ الفضائية.

5 ـ استراتيجية الدفاع الفسيفسائي

في دراسة "كيف سترد إيران؟" للباحث علي رضا نادر والتي نشرها معهد أمريكا للسلام، 1/12/2012، قال: "في مواجهة عدو متفوق، تعتمد إيران على عقيدة عسكرية دفاعية ومرنة تُعرف باسم "الدفاع الفسيفسائي". وتقوم على اللامركزية في القيادة والسيطرة العسكرية كجزء من هذه العقيدة. وقامت بتقسيم قيادتهم إلى 32 وحدة، بمعدل وحدة لكل محافظة من محافظات إيران. ونظرا لقيود التسليح المفروضة على إيران، فإنها تفتقر إلى أنظمة دفاع جوي متطورة، على الرغم من محاولاتها شراءها من روسيا أو تطوير أنظمة خاصة بها.

لذا، ركزت على الدفاع غير العملي. فقد قامت بدفن وتحصين منشآت نووية رئيسية. ويمكن وضع معظم صواريخ إيران على منصات إطلاق متنقلة، مما يجعلها أكثر صعوبة في الرصد بالنسبة للمقاتلات الإسرائيلية أو الأمريكية. كما قامت ببناء صوامع تحت الأرض لجعل صواريخها أقل عرضة للغارات الجوية. يمكن أن تحتوي الصوامع أيضًا على أسلحة نووية. وبعد امتصاص الضربات الجوية الأولية عبر الدفاع السلبي، قد ترد إيران بهجمات صاروخية تقليدية وتكتيكات غير متكافئة، بدءًا من زرع الألغام في الخليج العربي وصولًا إلى استخدام وكلاء لمهاجمة أهداف إسرائيلية أو أمريكية. ويمكنها استغلال قدراتها البحرية غير المتكافئة المتنامية لإحداث فوضى اقتصادية وزيادة الضغط على جميع الأطراف التي تعتمد على مضيق هرمز. والهدف هو تحقيق نصر نفسي.

الغزو البري لإيران واحتلالها ضرب من الجنون

هل تغزو أمريكا إيران بقوات برية وتكرر سيناريو أفغانستان والعراق؟ الإجابة المختصرة هي أنها لا تفعل؛ غزو إيران ليس فعل رجال عاقلين، ولا حتى من قيادة الأمن القومي العليا في إدارة ترامب. ومع ذلك، وضعت الولايات المتحدة شروطا لإنهاء الحرب قد لا تتمكن الحكومة الإيرانية من تحقيقها بأي شكل ذي معنى. إذا لم تخفف الولايات المتحدة من أهدافها الحربية ولم تنهار الجمهورية الإسلامية، فقد تجد إدارة ترامب نفسها تفكر في نشر قوات برية في محاولة مباشرة لإحداث انهيار طهران. مثل هذا الجهد سيكون مكلفا للغاية ومليء بالمخاطر. ويبدو أن القتال بالوكالة بدعم من القوة الجوية الأمريكية وقوات العمليات الخاصة هو السيناريو الأكثر منطقية لإدخال قوات برية إلى إيران. وقد أخذت إيران التهديد على محمل الجد بما يكفي لشن هجمات على قواعد كردية في العراق. وجيش إيران أكبر بكثير وأكثر احترافية بكثير من الميليشيات التي استخدمت في هذا النموذج في أفغانستان وسوريا وليبيا".

إيران ترفض الاستسلام

يقول الخبراء إنه في خضم الضربات القاسية التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل، يعتقد قادة إيران أنه يجب عليهم إلحاق ألم شديد قبل أن تبدأ المفاوضات لإنهاء الحرب. «بغض النظر عن التكاليف» «ليس عليهم كسب الحرب، بل عليهم ضمان أن تكون رئاسة ترامب على وشك الانهيار قبل أن يخسروا. حينها يعتقدون أن ترامب سينسحب بسبب التكاليف. وفي يوم الأحد، الأول من مارس/آذار، ومع دخول الحرب يومها الثاني، صرّح ترامب لمجلة "ذا أتلانتيك" بأن الإيرانيين "يريدون الحوار، وقد وافقتُ على الحوار، لذا سأتحاور معهم".

هل تغزو أمريكا إيران بقوات برية وتكرر سيناريو أفغانستان والعراق؟ الإجابة المختصرة هي أنها لا تفعل؛ غزو إيران ليس فعل رجال عاقلين، ولا حتى من قيادة الأمن القومي العليا في إدارة ترامب. ومع ذلك، وضعت الولايات المتحدة شروطا لإنهاء الحرب قد لا تتمكن الحكومة الإيرانية من تحقيقها بأي شكل ذي معنى.
لكن علي لاريجاني، كبير مسؤولي الأمن الإيراني، رفض هذا التصريح رفضًا قاطعًا. وقال في سلسلة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي: "لن نتفاوض مع الولايات المتحدة. لقد أغرق ترامب المنطقة في الفوضى بأوهامه، وهو الآن يخشى المزيد من الخسائر في صفوف القوات الأمريكية". قال لاريجاني إن إيران ستواصل القتال "مهما كانت التكاليف، وستجعل الأعداء يندمون على سوء تقديرهم". ويقول الخبراء إن القيادة الإيرانية قررت أنه -رغم اختلال موازين القوى العسكرية بشكل كبير- يجب عليها إلحاق ضرر سياسي واقتصادي بالغ بالولايات المتحدة وإسرائيل قبل الموافقة على وقف إطلاق النار.

إسرائيل تقود أمريكا إلى الغرق في المستنقع الشرق أوسطي

تواجه الولايات المتحدة خطر الوقوع في قبضة أجندة السياسة الخارجية الإسرائيلية. وإن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل دون ممارسة أي ضغط لكبح جماحها سيجرّ الولايات المتحدة إلى التزامات عسكرية وسياسية متزايدة في الشرق الأوسط، بتكلفة باهظة على مواردها ومكانتها ومصالحها. كما أن عقيدة الأمن الإسرائيلية تُهدد بشكل مباشر المصالح الأمريكية طويلة الأمد في إرساء نظام أمني مستقر ومستدام في الشرق الأوسط.  وإن المسار الحالي لإسرائيل في صراعاتها سيستلزم مزيدًا من التدخل العسكري الأمريكي، لا العكس، دون وجود نهاية واضحة في الأفق. وإن أهداف إسرائيل لتدمير النظام الحالي في إيران، واجتثاث حزب الله وحماس، والتهجير القسري لملايين المدنيين المتبقين في غزة، وضم الضفة الغربية، لا يمكن تحقيق أيًّا منها دون دعم عسكري وسياسي أمريكي طويل الأمد وموسع بشكل كبير. ويُظهر تاريخ الشرق الأوسط أن الانتصارات العسكرية، لا تُحقق السلام والاستقرار إلا إذا اقترنت بدبلوماسية فعّالة وضبط نفس متبادل. ولكن من المستبعد أن تُظهر إسرائيل ذلك في وجود الدعم الأمريكي غير المشروط.

هل يتخلى ترامب على نتنياهو في منتصف الطريق؟

ما هي الخيارات المتاحة لترامب في الساحة الإيرانية، وما الذي قد يؤثر على قراره؟ وكيف يجب أن تستعد إسرائيل لذلك؟ وهي أسئلة أجاب أفشاي بن ساسون وإلداد شافيت في مقالهما: " النقطة الحاسمة لترامب في حملته ضد إيران وتداعياتها على إسرائيل"، معهد دراسات الأمن القومي INSS، 5/3/2026، فقالا: "تعمل إدارة ترامب في فضاء من الرسائل المتضاربة: عزم على مواصلة الضربات "الثقيلة والدقيقة" دون قيود زمنية؛ وإشارات الانفتاح على الاتصالات الدبلوماسية، وتصريحات حول "التقدم السريع" الذي يهيئ الأرض لخاتمة مبكرة تحقق صورة النصر لترامب، والمعضلة الاستراتيجية التي يواجهها ترامب تشمل نتائج ومتغيرات وأضرار الحرب على أرض الواقع: الخسائر الأمريكية، التداعيات الاقتصادية، عدم الاستقرار في مضيق هرمز، والضغوط من دول الخليج، ونضوب المخزون الأمريكي من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، والانتقادات الداخلية. لذلك فمن السيناريوهات المتاحة لديه: إعلان النصر وتجميد الحملة، وإجبار إيران على الدخول في إطار دبلوماسي، والتصعيد الإقليمي. لذا يجب على إسرائيل الاستعداد لاحتمال انسحاب أمريكي مفاجئ".

مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بعد الحرب

في مقال للباحث الإسرائيلي مايكل كوبولو في مقاله: "إيجابيات وسلبيات علاقة إسرائيل الاستثنائية مع ترامب"، منتدى السياسة الخارجية الإسرائيلية، 4/3/2026، قال فيه: "تشهد إسرائيل الآن تحقيق أكثر خيالاتها الأمريكية جنونا. فقد كان نتنياهو ينتظر لعقود رئيسا يقلص الفجوة في تصورات التهديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بإيران، وأخيرًا حصل عليها في ترامب، واستغل غروره، وتخريبه للقواعد، وميوله للتصرف دون حذر أو تفكير. لكن ذلك قد يؤدي مباشرة إلى نهاية أعظم أصول أمنية لإسرائيل، وهي العلاقة الفريدة مع الولايات المتحدة. وعليه، يبدو أن هذا الطريق نحو النصر على إيران من الممكن أن يتحول بسرعة إلى مشكلة لا يمكن لإسرائيل التغلب عليها. وستحتاج الحكومة الإسرائيلية القادمة إلى تغيير المسار فورا، وانتهاج علاقة سياسية طبيعية مع الولايات المتحدة. إذ لا يمكن لإسرائيل، ولا اليهود الأمريكيين، تحمل فكرة أن إسرائيل تقود الولايات المتحدة بقوة لتسيطر على السلطة؛ وحتى لا يكون إرث مارس آذار 2026 هو تفريغ، أو حتى سقوط، العلاقة الفريدة التي تتمتع بها إسرائيل مع الولايات المتحدة. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يمكن أن يهدد إسرائيل حقا".

حرب العتبة النووية.. هل تستخدم إسرائيل الخيار شمشون؟

هل يلجأ نتنياهو مع استمرار الحرب والقصف الصاروخي المتواصل للمدن والمراكز الحيوية الإسرائيلية إلى استخدام الخيار شمشون، أي السلاح النووي الإسرائيلي؟ يجيب على هذا السؤال الكاتب سيليو رامريز، في صحيفة تايمز أوف إسرائيل، "الخيار شمشون: هل ستسقط أعمدة الهيكل قريبا على أعداء إسرائيل"، 15/6/2025، فقال: "العتبة الاستراتيجية قد تتغير بسرعة. ماذا لو تمكنت إيران من إغراق الدفاعات الإسرائيلية وضربت مدينة رئيسية مباشرة؟ ماذا لو تم نشر سلاح كيمياوي أو إشعاعي أو حتى نووي عبر وكلاء؟ ماذا لو فتح حزب الله أو فاعلون إقليميون آخرون جبهات إضافية، مهددين قدرة إسرائيل على القتال التقليدي؟ وخيار شمشون لا يثار بغضب الجمهور أو الدافع الانتقامي. إنها عقيدة يحكمها منطق البقاء: عندما تفشل جميع الردع الأخرى، وعندما يكون وجود الدولة اليهودية نفسه على المحك. إنها البطاقة الأخيرة، النفس الأخير، العمود الأخير. وحتى الآن، تبقى شروط تفعيله غير متوفرة. لكن المشهد يتغير. دخول جهات جديدة، أو تصعيد غير متوقع، أو ضربة ناجحة من ضحايا جماعية قد يغير الحساب بين عشية وضحاها. قد يجد العالم نفسه قريبا يتساءل ليس عما إذا كانت إسرائيل قادرة على البقاء، بل بأي ثمن وبأي أدوات".