هل التفسير علم أم منهج للفهم؟ في إشكالية العلمية والضبط المعرفي

يكشف تاريخ التفسير ، على الأقل كما أرخ له المفسرون والباحثون المعنيون بالتفسير، أن نشأته ارتبطت بنزول الوحي..
الذي يتابع مقدمات التفاسير التي ألفت سواء في القديم أو الحديث المعاصر، يجد تنصيصا مطردا من قبل المفسرين على أن "التفسير" علم من العلوم الإسلامية، بل يكاد الجميع من هؤلاء يؤكدون على أنه أشرف العلوم وأكثرها نفعا، وذلك بسبب أنه يستمد موضوعه من كتاب الله، إذ يدور حول بيان المراد الإلهي من كلامه، ويخدم مقاصد القرآن في هداية الخلق إلى الحق.

يكشف تاريخ التفسير ، على الأقل كما أرخ له المفسرون والباحثون المعنيون بالتفسير، أن نشأته ارتبطت بنزول الوحي، وأن الرسول الكريم هو أول من فسر القرآن، وأن وظيفته في التبليغ والبيان، ارتبكت في الأصل بتفسير القرآن، ورفع الإشكال عن غامضه، وتفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، وبيان الناسخ والمنسوخ منه.

ولذلك، ربما كان طريق وصول التفسير إلينا، هو الأبعد عن طرح الإشكال مقارنة بتدوين الحديث، أو تقعيد الأصول، فقد برز من الصحابة مفسرون، وساعد استقرار عدد من الصحابة في مناطق مختلفة إلى تبلور مدارس التفسير بين الصحابة وتابعيهم، فعرف من الصحابة المفسرين عبد الله ابن عباس، وعبد الله ابن مسعود، وعلي ابن أبي طالب، وأبي ابن كعب، وأنس ابن مالك وزيد ابن ثابت وغيرهم، وذكر بعض الباحثين في موسوعة الصحابة المفسرين أن أكثر من مائة صحابي ورد عنهم تفسير للآيات أو نقل عن النبي في تفسير الآيات.

وقد كان التفسير أشبه ما يكون برواية الحديث، ولم تكن تظهر ملامح العلم، بمعنى القواعد والضوابط الحاكمة للتفسير، إلا عند الاختلاف، فتظهر في ترجيح بعض الأقوال بعضها على بعض.

ما يعزز الطابع النقلي للتفسير، أن كتب الحديث، جعلت من التفسير كتابا مستقلا، كما هو الشأن في الجامع الصحيح للإمام البخاري، فقد أفرد في صحيحه في كتاب التفسير مجمل المرويات التي نقلت تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، أو تفسير الصحابة له.

ولم يتم إفراد التفسير بالتأليف إلا في مراحل متأخرة، في القرن الثالث الهجري، إذ بدأت تستقر في تفسير القرآن تراتبيات منهجية، تذكر الروايات وتحقق فيها، وتذكر الخلاف اللغوي، وترجح المعنى الأقرب، وتستعين بالقرآن لتفسير القرآن، أو بالسنة لتفسير القرآن، أو بأقوال الصحابة الموقوفة عليهم، أو أقوال التابعين المقطوعة، إلى أن برزت مدارس أخرى، تحاول أن تطبع التفسير بطابع تخصصي، لغوي، أو نحوي، أو بلاغي، أو فقهي، أو إشاري، أو كلامي أو فلسفي، أو موسوعي، فبدأ التفسير  يتميز بهذا الطابع المتخصص مع بداية القرن الرابع الهجري، وبقي على هذه الحال، حتى في العصر الحديث أو المعاصر.

بيد أن هذا التطور، الذي نقل التفسير من مجرد رواية إلى مسار للبحث أصول وقواعد للتفسير، ثم مسار من التخصص، والانطباع بثقافة المفسر اللغوية أو النحوية أو البلاغية أو الفقهية أو الكلامية أو الفلسفية أو الصوفية، لم يكن يعني ضرورة الجزم بأن هذا العلم اكتسب "الصفة العلمية" كما هو التوصيف في العلوم الأخرى، إذ لا يزال إلى حد اليوم السؤال مطروحا حول أصول التفسير وقواعده، وما إذا كانت للتفسير قواعد عامة مطردة متواضع عليها، أم أن  كل تفسير محكوم بمنهج المفسر وثقافته، وأنه لا توجد قواعد ضابطة يحتكم إليها،  يرجع إليها لمعرفة مستند التفسير من العلمية.

يحاول هذا المقال التأملي إثارة عدد من التساؤلات العلمية والمنهجية حول التفسير، ويروم بدرجة أولى أن يتتبع تطور نشأته، وملاحظة الأطوار والإسهامات التي نحت به إلى الطابع العلمي، والعوائق التي جعلت من التفسير فنا محكوما إلى حد كبير بطابع الإبداع الذاتي، والمحاولات التي اتجهت إلى أن تحد من غلواء هذه النزعة الإبداعية الفردية وتؤسس لقواعد علمية، يمكن أن يرجع إليها لتقويم التفاسير.

في أوليات الحديث عن أصول التفسير

يذكر الحسين الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون" أن تفسير ابن جرير يعتبر المرجع الأول عند المفسِّرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وأنه في الوقت نفسه يُعتبر مرجعاً غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي، وأن له الأوَّلية بين كتب التفسير، سواء من حيث الزمن، أم من حيث من ناحية الفن والصناعة.

المعتنون من الباحثين بتفسير ابن جرير الطبري أو بغيره، يربطون علمية العلم، بمفردات المنهج الذي سلكه المفسر في تفسيره، فيذكرون على سبيل المثال طريقة ابن جرير في تفسيره، وموقفه من الإسناد وبخاصة الروايات الإسرائيلية، ومراعاته للإجماع، واستعانته بالقراءات، واحتكامه للغة والشعر القديم، والنحو، وخوضه في الكلام والفقه وانصرافه عما لا فائدة منه، لكنهم، ومن الباحثين المعاصرين من اهتم بترجيحات الطبري، والضوابط العلمية التي يعتمدها في ذلك، لكن، سواء تعلق الأمر بالباحثين الذين اعتنوا برصد طريقته في التفسير والثقافة التي كان يوظفها في ذلك، أو اعتنوا بالبحث عن القواعد التي كان يعتمدها في التجريح، فإنهم كانوا يصفون طريقته ومنهجه، لا استقراء القواعد المطردة في منهجه مما يصلح أن ترتقي درجته لتكون من القواعد العلمية المستقرة في التفسير.

يصعب التساهل في إطلاق "العلمية" بمجرد توظيف حقول معرفية أخرى حديثية وأصولية وفقهية، فالتكامل المعرفي، أو التداخل المعرفي بلغة أدق، تفترض أن يكون للتفسير ليس فقط موضوعه، الذي هو فهم المراد الإلهي من كلامه، بل حتى جزء من القواعد التي يستقل بها عن الحقول المعرفية الأخرى، وهي ما يقرر المفسرون خلافه في مقدمات تفسيرهم
فالذين ناقشوا موقفه من الإسرائيليات، لم يجدوا خيطا ناظما في تفسيره فهو ينبه على فساد الرواية حينا، وأحيانا أخرى، لا يجد حرجا في الأخذ بها دون تنبيه على عدم صحتها، والذين ناقشوا ضوابط الترجيح، كانوا يتتبعون تعدد المرجحات في تفسير عدد من الآيات، دون أن يهتدوا في نهاية المطاف إلى قواعد ترجيح مطردة، تأخذ تراتبية علمية كما هو الشأن الذي عليه قواعد علم الأصول أو أدلته.

 والمثير للملاحظة أن الزخم التفسيري الذي تم تسجيله منذ تأليف ابن جرير الطبري لتفسيره، لم يستتبعه بالضرورة كتابات تأصيلية تعنى بقواعد التفسير وأصوله، وربما يكون ابن تيمية (ت728 هـ) من أوائل من لفت الانتباه إلى هذه الأصول، مما يطرح التساؤل عن سبب هذا التأخر وخلفياته، وهل نشأ التفسير من غير أصول، أم أن التفاسير في الجملة تعتمد أصولا غير مدونة، أم أن المفسرين اكتفوا بالإشارة إلى هذه الأصول والقواعد في مقدمات تفسيرهم وأن ذلك هو الذي برر عدم تصنيف كتب في هذا الموضوع؟

الباحثون في التفسير، ومنهم الدكتور عدنان زرزور محقق رسالة ابن تيمية مقدمة في أصول التفسير مالوا إلى تضمن عدد من مقدمات التفسير لهذه الأصول، كتفسير الطبري وتفسير ابن كثير، وأن ما قام به ابن تيمية في الواقع، هو تجميع لهذه الأصول وتدقيق لها، لكن الرجوع إلى هذه المقدمات، لا يقدم شيئا كثيرا في الموضوع.

فابن جرير الطبري في مقدمته، لم يكن يفعل أكثر من تبرير الحاجة للتفسير، وذلك من خلال دفع قولين ينسفان مبررات قيام علم التفسير، وهما تهيب تفسير كتاب الله والتحذير من ذلك، ثم القول بأن الرسول الكريم لم يفسر إلا آيات محدودة في كتاب الله، فحمل القول الأول على محمل التفسير من غير استناد إلى بيان الرسول الكريم، ورد على القول الثاني، بعدم صحة النقل بذلك من جهة، وبمنافاة ذلك لوظيفة الرسول الكريم في بيان القرآن كما أثبت ذلك القرآن نفسه.

ما عدا ذلك في مقدمة ابن جرير الطبري، مما تبعه فيه ابن كثير، من إثبات مشروعية التفسير، فلا نجد إلا بيان استمداد التفسير، وذلك من وجهين: من خلال النقل الصحيح عن رسول الله أو عن الصحابة الكرام، بحكم استحالة أن يتحدثوا في التفسير من غير استناد إلى خبر صحيح عن رسول الله، ثم وجه الدلالة اللغوية، بما يقتضيه اللسان العربي.

وهكذا إذا استثنينا ما استأثر الله بعلمه من تأويل آياته، فمدخل التفسير إما نقل صحيح عن الرسول الكريم، وإما تأويل مستند إلى اللسان العربي، وهو ما يعني أن علم التفسير، إذا جازت لنا هذه التسمية، يدور كله حول تحري النقل الصحيح عن تفسير رسول الله للقرآن، وتوجيه نص القرآن بحسب دلالة اللسان، ليتفرع عن هذين الوجهين، وجه ثالث، يتعلق بالترجيح، أي ترجيح الروايات المختلفة عن الصحابة والتابعين في تفسير بعض الآيات، وتجريح الدلالات اللغوية التي يسمح بها اللسان العربي في توجيه معنى الآيات.

فإذا تابعنا هذا المنطق العلمي، فالتفسير في نشأته تقاطع مع علوم الحديث في الرواية، وتقاطع مع معاجم اللغة أو مع الكتب التي عنيت بمفردات القرآن أو غريبه، ولم ينفتح أفقه العلمي التأسيسي إلا مع الحاجة للترجيح.

الترجيح.. بين شروط التفسير وثقافة المفسر

رسالة ابن تيمية في "مقدمة أصول التفسير"، تؤكد بشكل واضح هذه الاستنتاجات، فقد خصص تقي الدين ابن تيمية الفصل الثاني منها لمناقشة خلاف الصحابة والتابعين في التفسير، وحاول التخفيف من هذه المشكلة بطريقين اثنين، أولهما بالقول بأن هذا الخلاف قليل ومحدود، والثاني، بالقول بأنه ليس خلاف تضاد، وإنما هو خلاف تنوع، وقد اختار أن يعالج هذا الاختلاف بتفعيل القواعد اللغوية والأصولية والمنطقية وبالاستعانة بأسباب النزول. وناقش في الفصل الثالث من رسالته الاختلاف في كتب التفسير، وجعله نوعين: الاختلاف المستند إلى النقل، والاختلاف المستند إلى طرق الاستدلال.

لقد ركز ابن تيمية كثيرا في هذا الفصل على علل النقل، وتوهين الرواية عن الإسرائيليات، ورأى أن المدخل لحل الإشكال هو في إثبات صحة المرويات، وترجيح بعضها على بعض، أما فيما يخص طرق الاستدلال، فقد عرض في الفصل الرابع لإشكالية ثقافة المفسر، وتأثير الانتماءات الكلامية والعقدية على التفسير.

لقد حاول ابن تيمية أن ينسب نشأة هذه الإشكالات والأعطاب (الخلاف في التفسير) إلى ما بعد عصر الصحابة، وذلك حتى يمهد لرؤيته في العودة بالتفسير إلى لحظة ما قبل الخلاف، لكنه في الآن ذاته حذر من ممارسة تفسيرية شاعت في كتب التفسير، تحاول أن تجعل من التفسير مستندا لإثبات العقائد الكلامية والآراء التي انتحلتها الفرق والطوائف.

وهكذا لم يجد ابن تيمية من مخرج لحل هذه الإشكالات التفسيرية الناتجة عن الاختلاف في النقل، أو عن الاختلاف في طرق الاستدلال وتدخل ثقافة المفسر في توجيه الآيات القرآنية، سوى خيار العودة إلى ما قبل الخلاف، ومحاولة إعادة تأصيل علم التفسير، من خلال اعتماد تراتبية أصولية، تجعل في المرتبة الأولى تفسير القرآن بالقرآن، وتجعل في المرتبة الثانية، تفسير القرآن بالسنة، وتجعل في المرتبة الثالثة تفسير القرآن بمرويات التابعين، حيث يقدم جملة ضوابط منهجية في التعامل مع الإسرائليات.

في واقع الأمر، لم يفعل ابن تيمية رحمه الله سوى استثمار الشتات المعرفي الذي سجله عدد من العلماء قبله، فابن الجوزي، تحدث بتفصيل عن تفسير القرآن بالقرآن، وألف كتابا ذكر فيه عددا كبيرا من الآيات التي يفسر بعضها بعضا، كما تحدث المفسرون عن ضرورة الاعتماد فيالتفسير على المأثور والنهي عن التفسير بالرأي.

ولقد أحسن الزركشي الرأي فجمع بين ما ذكره ابن جرير الطبري وما ذكره ابن تيمية، فجعل التراتبية المنهجية في تفسير القرآن في كتابه "البرهان في علوم القرآن" على أربعة، وهي النقل عن النبي الكريم، ثم النقل عن الصحابي، ثم النقل عن التابعي مع حكاية الخلاف في ذلك، ثم التفسير بالمقتضي من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع.

نشأة علم التفسير.. هل نشأ علم التفسير لتقويم علم التفسير؟

من الواضح في تتبع مسار التأليف في كتب التفسير، أن ما كتبه ابن تيمية في أوائل القرن الثامن الهجري في أصول التفسير،  وهو ربما من أوائل الكتب  التي وصلتنا في أصول التفسير،  يعيد بلغة  تقعيدية ما سبق لابن جرير الطبري أن قرره في  مقدمة تفسيره، مع فارق مهم، هو أن ابن جرير الطبري، جعل لعلم التفسير مدخلين: ترجيح الروايات المنقولة عن رسول الله في بيان القرآن، والاستعانة باللسان العربي في توجيه آيات القرآن،  بينما انصرف هم ابن تيمية إلى تقعيد مراتب التفسير، وتقويم أعطاب الاختلاف في التفاسير، والتأثيرات السلبية لثقافة المفسر على  تفسير  القرآن.

لم يتم إفراد التفسير بالتأليف إلا في مراحل متأخرة، في القرن الثالث الهجري، إذ بدأت تستقر في تفسير القرآن تراتبيات منهجية، تذكر الروايات وتحقق فيها، وتذكر الخلاف اللغوي، وترجح المعنى الأقرب، وتستعين بالقرآن لتفسير القرآن، أو بالسنة لتفسير القرآن، أو بأقوال الصحابة الموقوفة عليهم، أو أقوال التابعين المقطوعة، إلى أن برزت مدارس أخرى، تحاول أن تطبع التفسير بطابع تخصصي، لغوي، أو نحوي، أو بلاغي، أو فقهي، أو إشاري، أو كلامي أو فلسفي، أو موسوعي،
في المحصلة، إذا جاز لنا أن نعتبر رسالة ابن تيمية مقدمة في أصول التفسير هو أول كتاب تأصيلي لعلم التفسير، فأقصى ما يمكن أن يفهم من طبيعة هذا العلم، أن القواعد والأصول التي حاول ابن تيمية تأصيلها، إنما جاءت لتقويم مسار التأليف في التفسير أولا، ثم لوضع أرضية لمنهج جديد في التفسير، يحترم التراتبية المنهجية التي اقترحها ابن تيمية، وذلك بالبدء بتفسير القرآن، بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، مع وضع قواعد منهجية صارمة في تقويم الروايات الإسرائيلية، وفي الترجيح بين الأقول المختلفة.

 تسمح المقارنة بين ما ذكره الطبري وأعاده ابن كثير في مقدمة تفسيرهما، أن علمية التفسير تقترن أولا، بالبحث عن تراتبية منهجية تمكن من وضع تفسير يقلص ما أمكن مساحة  الاختلاف في التفاسير، وثانيا، بالبحث عن قواعد للتعامل مع المرويات التفسيرية، سواء من خلال مدخل التصحيح والتعليل، وهو مبحث حديثي وليس تفسيريا، أم من خلال استعمال القواعد اللغوية أو الأصولية في الترجيح بين الدلالات، وهي أدوات ولوازم تنتمي لحقول معرفية أخرى (اللغة، الأصول، الفقه)، وليست قواعد تفسيرية خالصة.

علمية التفسير ومدخل التدبر

الخلاصات التي انتهينا إليها سابقا، تقلل من فرص إثبات علمية التفسير. والحال إنه يصعب التساهل في إطلاق "العلمية" بمجرد توظيف حقول معرفية أخرى حديثية وأصولية وفقهية، فالتكامل المعرفي، أو التداخل المعرفي بلغة أدق، تفترض أن يكون للتفسير ليس فقط موضوعه، الذي هو فهم المراد الإلهي من كلامه، بل حتى جزء من القواعد التي يستقل بها عن الحقول المعرفية الأخرى، وهي ما يقرر المفسرون خلافه في مقدمات تفسيرهم، فالزركشي والسيوطي،  نصا من احتياج المفسر لعدد من العلوم أوصلها السيوطي إلى خمسة عشر وهي علوم اللغة (النحور والبلاغة والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع) والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والحديث وعلم الموهبة.

والمتأمل في هذه العلوم كلها، يجدها مجرد أدوات إما لتصحيح الرواية أو تعليلها أو لترجيح بعضها على بعض، أو للترجيح بين الأحكام المتضمنة في آي القرآن، وهي على كل حال علوم خارجة عن علم التفسير، وصار الاستعانة بها خادما لموضوع التفسير لا مؤسسا لعلميته.

لقد ناقش ابن جرير الطبري باستفاضة في مقدمته تفسير القرآن بالرأي، ولم يختلف عن غيره في ذمه، لكنه، ذهب مذهبا آخر، فتحبه مجالا أرحب لموضوع التفسير، من خلال الاستناد إلى مفهوم التدبر القرآني، واعتبر أن دعوة القرن لتدبر آيات القرآن، ليست خاصة بالمفسرين، وإنما هي عامة لأفراد الأمة ولكل من يريد الاعتبار بالقرآن، وفهم أمثاله ومواعظه، ومناط الهداية فيه.

لقد حاول ابن جرير الطبري، أن يفتح الأفق لإمكان القول في التفسير في الآيات التي تعتبر محل الاعتبار والاتعاظ، وجعل التدبر أداة له، وهي بالمناسبة الأداة التي تمثل خيارا للخروج من مأزق ذم التفسير بالرأي، وقصره على ما خالف المرويات من أقوال النبي والصحابة والتابعين في تفسير  الآيات، لكنها، تبقى أقرب إلى الفن والذوق منها إلى قواعد العلم، فالتدبر الذي يرتبط هدفه بالاتعاظ والاعتبار، ينتسب إلى مجال الذوق والتأمل أكثر من انتسابه إلى العلم.

هل يرفع البحث في قواعد الترجيح التفسير لدرجة العلمية؟

 يستند أي قول بالعلمية، إلى ثلاثة اعتبارات مهمة، وهو أن يكون للعلم موضوعه، وهذا حاصل في التفسير، وأن تكون له قواعده، وأن تتميز عن قواعد غيره من العلوم، وأن تضح وجه علاقة العلم بالعلوم الأخرى.

وإذا كنا لا نجادل في  وجود اعتبارين مهمين في التفسير، وهو الأول والثالث وإن بشكل نسبي، فإن الجهد الذي قام به المفسرون في مقدمات كتبهم في تأصيل قواعد التفسير، وما كتبه ابن تيمية إفادة من جهود السابقين من أهل العلم في قواعد وأصول التفسير،  لا يرقى إلى مستوى تـأصيل علمية التفسير،  لأن أقصى ما يمكن أن يسمح له كما تبين في السابق، هو  الوعي بمشكلات التفسير (الاختلاف من جهة النقل، وتدخل ثقافة المفسر) والبحث عن تراتبية منهجية لإعادة كتابة التفسير وفقها  بقصد التقليص من حدة الخلاف في التفاسير سواء من جهة النقل أو من جهة الاستدلال.

لكن المشكلة تبقى دائما قائمة في الممارسة التفسيرية، فقد يحصل في الآية الواحدة، اختلاف في النقل، واختلاف في دلالات اللغة، واختلاف في الاستدلال، فتطرح عندها إشكالية الترجيح.

وقد تتبع عدد من الباحثين منهج المفسرين في الترجيح، لكنهم لم يخرجوا بطائل من ذلك، فقد كان  ابن جرير الطبري مثلا، وهو الأكثر ميلا إلى ذكر  المرويات والأقوال المختلفة، وترجيح بعضها على بعض واختيار الصواب منها، يرجح بمرجحات لا تستقر على نسق مطرد، فتارة يرجح بمرجح الصحة، وتارة يرجح بمرجح الجمع بين الأقوال، وتارة بمرجح اللغة، وتارة بمرجح سبب النزول، وغيرها من المرجحات التي تتبعها عدد مهم من الباحثين، فلم يتبين لهم الوجه العلمي الذي يجعل ابن جيري الطبري يختار هذا المرجح في هذا الموضع ويختار غيره في وضع آخر.

لكن، مع ذلك، يبقى خيار تأسيس العلم من هذا المدخل مهما، لأنه يتعلق بقواعد وأصول علمية عملية، إذ مهما كانت درجة عدم الاطراد في استعمال هذه المرجحات، فإن تكثف البحث في مختلف التفاسير عن هذه المرجحات، سيمكن من تحقيق تراكم مهم، ينتهي بنا إلى بناء لبنة أخرى إلى لبنة التراتبية المنهجية التي بناها المفسرون في تفسير القرآن.