الفقه السياسي الإسلامي بين النص والواقع.. نحو مراجعة أسس الشرعية والحقّ العام

تطوّر وضع الدولة الإسلامية اليوم تطوّرا كبيرا عمّا كان عليه بالأمس، سواء من حيث الانقسام السياسي، أو من حيث مفهوم الانتماء الوطني، أو من حيث العلاقات بين المواطنين، أو من حيث الوضع العالمي...
يواصل الباحث والكاتب التونسي الدكتور عبد المجيد النجار، عبر سلسلة مراجعاته المنشورة على "عربي21" وصفحته على فيسبوك، تقديم تحليل معمّق للفقه السياسي الإسلامي، منطلقًا من سؤال محوري: لماذا نحتاج إلى مراجعة الفقه السياسي الإسلامي؟

تتجاوز هذه المراجعات مجرد دراسة تاريخية للأحكام الفقهية، لتطرح قضايا أساسية تمس شرعية تولي الإمامة، حق الأمة في الاختيار، الحرّيات العامة، والمواطنة في سياق الدولة الحديثة. إن إعادة النظر في هذه المسائل لم تعد رفاهية فكرية، بل ضرورة عملية لإصلاح الاختلالات التي تركها الاجتهاد الفقهي التقليدي، ولبناء قاعدة فكرية وسياسية متوافقة مع مبادئ العدالة والمشاركة الشعبية، بما يضمن صون الحقوق، وتفعيل سلطان الأمة، وتحديث العلاقة بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر، داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها.


 ثالثا ـ الغلبة بالشوكة

تجديد فقه السياسة الشرعية

ثالثا ـ الغلبة بالشوكة

المقصود بالشوكة القوّة العسكرية التي تكون بها الغلبة، وهي في هذا المقام الغلبة التي تمكّن من تنصيب الإمام، وهي آلية أضحت عند الكثير من الفقهاء وسيلة لإهدار سلطة الأمّة في اختيار رئيس الدولة، والاستعاضة عنها بالقوّة العسكرية الغالبة، بحيث يصبح الإمام منتصبا في موقع الإمامة، ومتصرّفا في شؤون الأمّة لا عن إرادة منها، بل عن غلبة قهرية بقوّة السلاح، وقد كان لإمام الحرمين تفصيل مهمّ في هذا الشأن.

هذه الآلية لتولية رئيس الدولة، والمتمثّلة في القوّة العسكرية المعبّر عنها بالشوكة تنزّلت في أغلب مدوّنات الفقه السياسي الإسلامي منزلة مرموقة، وأُسبغت عليها الصبغة الشرعية، حيث أجاز عامّة فقهاء السياسة ولا ية المتغلّب، أي المنتصب للإمامة بالقوّة العسكرية، ومهما يكن من أنّ هذه الشرعية قد أُضفيت عليها في زمن متأخّر من تاريخ الفقه السياسي حيث لم يرد لها ذكر عند الماوردي، ومهما يكن من أنّ التشريع لولاية الغلبة كان فيه تفصيل بين المتغلّب الجامع لشروط الإمامة، والمتغلّب غير الجامع لها، ومهما يكن من أنّ هذا التشريع كان يميل في أغلب الأحيان إلى أن يشرع للتغلّب بعد وقوعه لا قبله، فإنّ هذه الآلية في تنصيب رئيس الدولة أصبحت في عموم الفقه السياسي الإسلاميى آلية مشروعة معترفا بها على نطاق واسع.

إنّ التشريع لآلية الشوكة في عقد الإمامة يلغي حقّ الأمّة في حقّ الاختيار، ويمنح هذا الحقّ للمتغلّب، ولا يقتصر هذا الإلغاء على مصادرة حقّ الأمّة في مجموعها كما هو حال التشريع لأهل الحلّ والعقد، بل يصادر أيضا دور هؤلاء في عقد الإمامة، لتصبح إذن القوّة العسكرية هي صاحبة الحقّ في تنصيب الإمام،
إنّ التشريع لآلية الشوكة في عقد الإمامة يلغي حقّ الأمّة في حقّ الاختيار، ويمنح هذا الحقّ للمتغلّب، ولا يقتصر هذا الإلغاء على مصادرة حقّ الأمّة في مجموعها كما هو حال التشريع لأهل الحلّ والعقد، بل يصادر أيضا دور هؤلاء في عقد الإمامة، لتصبح إذن القوّة العسكرية هي صاحبة الحقّ في تنصيب الإمام، وذلك ما نصّ عليه الإمام النووي في قوله:" وأما الطريق الثالث [ لعقد الإمامة بعد الاختيار والعهد ] فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإذا لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحّهما انعقادها لما ذكرناه".

ويبدو أنّ هذه المصادرة لحقّ الأمّة في الاختيار لئن أصبحت شائعة في الفقه السياسي في زمن متأخّر إلاّ أنّها كانت لها بذور مبكّرة عند بعض الفقهاء..

ويبدو أنّ هذه المصادرة لحقّ الأمّة في الاختيار لئن أصبحت شائعة في الفقه السياسي في زمن متأخّر إلاّ أنّها كانت لها بذور مبكّرة عند بعض الفقهاء، فقد روى أبو يعلى الفرّاء أنّ الإمام أحمد " رُوي عنه ما دلّ على أنها [ أي الإمامة ] تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد، فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برّا كان أو فاجرا".

إنّ هذه الآليات الثلاث في تولية رئيس الدولة قد استحدثت في السياسة الشرعية للحدّ من صلاحيات الأمّة في ممارسة سلطانها متمثّلا في اختيار نمط الحياة التي تبتغيه، واختيار من ينوب عنها في تنفيذ ذلك الخيار وهو رئيس الدولة. ومهما يكن من أنّ ظروف الواقع التي جرت به الحياة السياسية الإسلامية قد اضطرّت الفقهاء أحيانا إلى أن يفتوا ببعض الفتاوى التي تقتضي سلب الأمّة بعض صلاحياتها في الاختيار، إلا أنّ تلك الفتاوى الظرفية آلت في الغالب الأعمّ إلى تشريع فقهي دائم، لا يجد له سندا من النصوص ولا من تصرفات الخلافة الراشدة، كما لا يجد له مبرّرا في النتائج العملية التي جرى بها الواقع، ولا فيما تغايرت به الأحوال عما كانت عليه زمن ذلك الاجتهاد؛ ولذلك فإنه من المتاكّد مراجعة هذه القضية على ضوء هذه المؤشّرات الثلاثة.

فبالرجوع إلى نصوص الوحي نجد أنّ الأمّة هي صاحبة السلطان في سياسة أمورها، وهو ما يبدو في تقرير مبدإ الشورى على وجه الإلزام كما في قوله تعالى:" وأمرُهم شورى بينهم" ( الشورى/38) فإذا كانت تولية الإمام من أعظم الأمر فإن الشورى فيها تصبح من أعظم حقوق الأمّة ، كما يبدو في تأكيد الخطاب للأمّة بأن تتولّى أمورها بيدها، وذلك في مثل قوله تعالى:" والسارقُ والسارِقَةُ فاقطعُوا أيديَهما"  (المائدة/38)، فسلطان التنفيذ في الآية إنما أُسند إلى الأمّة دلالة على كونه من اختصاصها، وإذا كانت المباشرة الفعلية لهذا السلطان تقع من رئيس الدولة، فذلك إنما هو على سبيل أنّ الأمّة فوضت إليه تنفيذ مرادهان وأنابته عنها في ذلك.

ولا يوجد في هذه النصوص وغيرها كثير ما يشير إلى إحالة سلطان الأمّة إلى أهل الحلّ والعقد إلاّ أن يكونوا نوّابا عنها فوضتهم التصرّف في صلاحياتها بمحض إرادتها، ولا ما يشير إلى شرعية ولاية العهد بمعزل عن تزكيتها ورضاها كما استقرّ عليه الرأي الغالب في الفقه السياسي، ولا ما يشير إلى شرعية الغلبة العسكرية بالشوكة بالمعنى الذي آل إليه الأمر في ذلك الفقه. وليس في السنة النبوية ما يبرر شرعية هذه الآليات التي تصادر الإرادة الجماعية للأمّة، بل الأمر فيها على عكس ذلك قولا وفعلا، ومن أمثلته ما حدث في وفد هوازن لمّا فوّض صلى الله عليه وسلم الأمر في استرجاع هوازن للسبي إلى مجموع الناس الذين يهمّهم الأمر عن طريق عرفائهم قائلا:" إنّا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلّمهم عُرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذنوا". فقد أرجع النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة إليها لتتشاور فيه، ولم يُحلّ أحدا محلَّها في ذلك، لا أهل حلّ وعقد ولا غيرهم. وقد جرى الأمر على هذا النحو من إعادة أمور الأمّة إليها في عهد الخلافة الراشدة كما تشهد به أخبار كثيرة.

وقد شاع في الفقه السياسي تبرير لولاية العهد على الكيفية التي وصفناها بما صدر من أبي بكر في تولية عمر رضي الله عنهما، وما صدر من عمر في تولية أحد الستّة، واعتبر ذلك إجماعا يشرع لهذه الولاية، إذ قد رضيه جميع الصحابة، ولم يعارض فيه أحد منهم، وهو ما قرّره الماوردي وتابعه عليه الأكثرون، وذلك في قوله:" وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما: أحدهما، أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني، أنّ عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها".

وإذا كان بعض فقهاء السياسة الشرعية قد جعلوا نفاذ ولاية العهد مشروطا بالإشهاد عليها خيفة التنازع عند ادّعائها من أكثر من واحد، وإذا كان بعض آخر تقدّم في هذا الأمر خطوة أخرى فجعله مشروطا بموافقة أهل الحلّ والعقدكما ذكرنا ذلك سالفا، فإنه على حدّ علمنا لم يرد في كتب السياسة الشرعية ما يكيّف ولاية العهد، ولا ما يكيّف عقد الإمامة من قِبل أهل الحلّ والعقد ابتداء أو تزكية لولاية العهد على أنّهما من باب الاقتراح الذي يقترحه على الأمّة العاهد بالولاية أو أهل الحلّ والعقد، وتزكية يزكّون بها المقترح للإمامة، ليكون الأمر النهائي في الاختيار للأمّة، على نحو ما يُعرف اليوم بالترشيح الذي يعقبه الانتخاب، وإنما عُرض الأمر على أنّه شأن يستقلّ بالحقّ فيه العاهد بالولاية أو أهل الحلّ والعقد دون عموم الأمّة، وهو أمر لا نجد له أصلا في نصوص الدين ولا في تصرّفات الخلفاء الراشدين.

إذا كان بعض فقهاء السياسة الشرعية قد جعلوا نفاذ ولاية العهد مشروطا بالإشهاد عليها خيفة التنازع عند ادّعائها من أكثر من واحد، وإذا كان بعض آخر تقدّم في هذا الأمر خطوة أخرى فجعله مشروطا بموافقة أهل الحلّ والعقدكما ذكرنا ذلك سالفا، فإنه على حدّ علمنا لم يرد في كتب السياسة الشرعية ما يكيّف ولاية العهد، ولا ما يكيّف عقد الإمامة من قِبل أهل الحلّ والعقد ابتداء أو تزكية لولاية العهد على أنّهما من باب الاقتراح الذي يقترحه على الأمّة العاهد بالولاية أو أهل الحلّ والعقد،
ويمكن أن نستثني مما قرّرناه إشارة أوردها الفراء قد توحي بمعنى الترشيح في تكييف ولاية العهد، وهو المضمّنة في قوله:" ويجوز أن يعهد [ الإمام ] إلى من ينتسب إليه بأبوة أو بنوة، إذا كان المعهود له على صفات الأيمّة، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد وإنما تنعقد بعهد المسلمين"، فهذا الكلام يفهم منه أنّ ولاية العهد غير ملزمة للمسلمين بذاتها وإنما هي مجرد ترشيح من المُولّي يطرحه على المسلمين نصيحة لهم بما استُحفظ عليه من أمانة الإمامة، فلا يتمّ لها تنفيذ إذن إلا برضاهم.

وفي اتّجاه هذه الإشارة الواردة عند الفرّاء قام جملة من فقهاء السياسة المعاصرين بمراجعة هذه المسألة تكييفا لعقد الإمامة من قِبل أهل الحلّ والعقد أو بطريق ولاية العهد   على أنّه ترشيح، وهو ما أصّله محمد سليم العوا في قوله:" كانت البيعة الأولى في سقيفة بني ساعدة بمثابة ترشيح أولي الرأي من المسلمين لأبي بكر لتولي أمور الدولة الإسلامية، وكانت البيعة العامّة في اليوم الثاني بمثابة الاستفتاء على هذا الترشيح الذي أبدى فيه المسلمون آراءهم في اختيار رئيس الدولة".

 وإذا كان هذا الترشيح ترشيحا معتبرا بالنظر إلى مقام القائمين به إلا أنه غير ملزم للمسلمين، بل هو مطروح عليهم إن شاؤوا قبلوه وإن شاؤوا رفضوه، وهو ما شرحه عبد الوهاب خلاف على سبيل التأصيل في حقيقة تولية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما..

وإذا كان هذا الترشيح ترشيحا معتبرا بالنظر إلى مقام القائمين به إلا أنه غير ملزم للمسلمين، بل هو مطروح عليهم إن شاؤوا قبلوه وإن شاؤوا رفضوه، وهو ما شرحه عبد الوهاب خلاف على سبيل التأصيل في حقيقة تولية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في قوله:" لو أنّ المسلمين رأوا بعد وفاة أبي بكر خيرا من عمر وبايعوه ما عارضهم معارض، ولا كان عهد أبي بكر حجّة عليهم، وكذلك لو بايع المسلمون واحدا غير الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، فالعهد او الاستخلاف لا يعدو أن يكون ترشيحا من السلف للخلف، والأمة بعد ذلك صاحبة القول الفصل فيمن تختاره إماما". وهذا التأويل يرجع للأمّة حقّها في الاختيار، وهو أنموذج للمراجعة التي ينبغي أن تكون.

وما أصبح شائعا في الفقه السياسي من التشريع لتولي الإمامة بالغلبة بالشوكة العسكرية لئن كان اجتهادا قد تبرره أحداث معيّنة في ظروف معيّنة تُدفع فيها بهذه الغلبة الفتنة التي يفوق ضررها ضرر التولّي بالغلبة، إلاّ أنّه من غير المبرّر أن تصبح الشوكة العسكرية طريقا شرعية لتولي الإمامة بصفة مبدئية كما رأينا سالفا أنّه أصبح حكما شائعا في الفقه السياسي، إذ هو يعصف بالحقّ الثابت للأمّة في اختيار الإمام، وهو الحقّ الثابت في الدين كما شرحناه سابقا.

ومن الناحية العملية فإنّ الاستنقاص من قيمة هذا الحقّ الذي تُستحقّ به الإمامة متمثّلا في رضى الأمّة بالإمام وموافقتها عليه، في مقابل الإعلاء من قيمة القوّة المتمثّلة في الشوكة العسكرية من شأنه أن يجعل الميزان مائلا إلى جانب القوّة على حساب الحقّ فتكون هي العاقد للشّرعية دونه، وهذا الأمر حينما يصبح أمرا مشروعا فإنّه يفتح بابا يعسر سدّه في قضيّة الإمامة، إذ يصبح من المشروع السّعي في القوّة العسكرية من أجل السطو بها على الإمامة اكتسابا لها أو استمرارا فيها على حساب الاستحقاق الشرعي باختيار الأمّة، وفي الإمامة من الإغراء ما يزيّن ذلك السّعي ويذهب فيه إلى حدّ بعيد كما هو ثابت في طبائع الناس وفي تجارب التاريخ.

ومهما يكن من أنّ الشوكة العسكرية في هذا الصّدد جُعلت عاملا مرجّحا للمصلحة إذا ما دُفعت بها الفتنة، فإن ذلك إذا كان صالحا لعلاج أحداث جزئيّة تحصل في الواقع بين الحين والآخر، فإنه حينما يصبح مبدأ عامّا يشرّع لقوّة الشوكة أن تحسم في استحقاق الإمامة على حساب عناصر الحقّ يكون مفضيا إلى مفاسد تربو على المصالح المنتظرة منه.. إذ ذلك حينما يصبح مكتسبا للشّرعيّة فإنّه يفتح الباب واسعا للاستيلاء على الإمامة بمقتضى الشوكة لا بمقتضى الحقّ المشروع، وهو باب للفساد كبير فُتح في تاريخ المسلمين بمقتضى هذا الاجتهاد، وولج منه كثيرون، وأدّى إلى شرور عظيمة من الفتنة التي أُريد تفادي شرورها.

لا يوجد دين شرّع لحقوق الإنسان وللحرّية العامّة مثلما شرّع الإسلام، ولكنّ الأحكام المتعلّقة بهذا الشأن لا نجد لها وجودا ذا بال في الفقه السياسي، إذ لم تُفرد في هذا الفقه بفصول مستقلّة، بل لم يرد ذكرها عند الكثير من الفقهاء في أثناء تقريراتهم لقضايا أخرى، وظلّ السمت العامّ لهذا الفقه اتّجه نحو التقييد للحرّية العامّة مثل حرّية التفكير والتعبير
 وما نحسب الإمام عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه حينما وقف وقفته المشهودة ليكون الحقّ هو الأساس في شرعية الإمامة دون الشوكة العسكرية إلاّ منطلقا من بصيرة نافذة في الفقه الشرعي تمتدّ إلى آماد بعيدة في مستقبل الأمّة لتسدّ الطّريق في وجه الاستبداد بأن تكون الشوكة مشرّعة للإمامة على حساب الحقّ، إذ في ذلك تحشيد لأفراد الأمّة أن يقفوا مع الحقّ ويدافعوا عنه، وتأييس لأهل المطامع أن يسعوا إلى الإمامة بالشوكة، وإذا ما وقع ضرر كبير بسبب نصرة الحقّ في وقائع معيّنة كما وقع في عهد عليّ رضي الله عنه فإنّه يصبح ضررا صغيرا بالنسبة لضرر الاستبداد الحاصل جرّاء فشوّ الاستيلاء بالشوكة حينما يكون مسلكا مشروعا يجري به العمل على مدى التاريخ، وذلك عندما يسود في ضمير الأمّة وفي سلوكها مبدأ نصرة الحقّ على الشوكة في منصب الإمامة. ونحسب أنّ إمام الحرمين لم يكن مصيبا حينما تكلّم في هذا الأمر بما يُفهم منه أنّ الإمام عليا رضي الله عنه كان قد سلك المسلك الخطأ في دفعه لأن تكون الشوكة مشرّعة للإمامة دون الحقّ وإن يكن قد اعتذر له في ذلك بأعذار كثبرة.

إنّ هذا الاستنقاص من حقّ الأمّة في تنفيذ سلطانها بمظاهره المختلفة ووسائله المتعدّدة التي ذكرنا ثلاثا منها، قد كانت له آثار سلبية كثيرة في التاريخ الإسلامي، وبما أنه أصبح مندرجا ضمن الفقه السياسي مسبغة عليه صفة الشرعية، فإنّه ظلّ ساري التأثير إلى عصرنا الحاضر في الضمير الجمعي للمسلمين، وفي النظر الشرعي لبعض الفقهاء.

ج ـ الحرّيات العامّة

 لا يوجد دين شرّع لحقوق الإنسان وللحرّية العامّة مثلما شرّع الإسلام، ولكنّ  الأحكام المتعلّقة بهذا الشأن لا نجد لها وجودا ذا بال في الفقه السياسي، إذ لم تُفرد في هذا الفقه بفصول مستقلّة، بل لم يرد ذكرها عند الكثير من الفقهاء في أثناء تقريراتهم لقضايا أخرى، وظلّ السمت العامّ لهذا الفقه اتّجه نحو التقييد للحرّية العامّة مثل حرّية التفكير والتعبير، إذ تميل الأحكام في هذا الشأن إلى منع أصحاب الآراء المخالفة لرأي الجمهور من الصدع بها بله الدعوة إليها، وقد كان إمام الحرمين يؤصّل في الغياثي لوجوب أن يقاوم الإمام بالسيف أصحاب هذه الآراء، وقد أنكر على المأمون إنكارا شديدا أن قرّر كلّ ذي مذهب على رأيه، ورتّب مترجمين ردّوا كتب الأوائل إلى لسان العرب، فأظهر أهل البدع من المعطّلة وغيرهم آراءهم دون أن يأخذهم بشوكة تستأصل شافتهم.

وإذا كان واقع المجتمع الإسلامي طيلة تاريخه لم يستجب كامل الاستجابة لهذا التوجّه الفقهي، إذ قد زخر بالآراء المتعدّدة، والمذاهب المختلفة، فإنّ هذا التوجّه كان له وقع شديد في بعض الأحيان، ولعلّ ما تعيشه الأمّة اليوم من حال في هذا الشأن يمثّل مظهرا من أشدّ المظاهر في تقييد الحرّيات العامّة يعود في شطر كبير منه إلى تأثير ثقافي لهذا الفقه، فإذا المتديّنون الملتزمون بالدين وسواهم من المتحلّلين منه يجتمعون على سواء في الحدّ من حرّية الفكر والتعبير والتنظّم السياسي إلى ما يقارب الإهدار الكامل.

وهذا الوضع يستلزم أن يعاد النظر في الفقه السياسي في هذه القضية بحيث تُؤسّس على أصول من النصوص الشرعية ومن السيرة النبوية والمواقف الراشدة في اتّجاه أن تكون حقوق الإنسان والحرّيات العامّة بنودا أساسية في الأحكام الشرعية يلتزم بها المسلمون التزاما دينيا كما يلتزمون بعباداتهم وسائر مفروضاتهم الدينية عسى أن يصبح واقع الأمّة بذلك جاريا على أسس الحرّية وحقوق الإنسان، إذ ذلك هو البوّابة الأساسية للنهضة.

د ـ المواطنة

ممّا يستلزم الاجتهاد في الفقه السياسي ما يُعرف اليوم بقضية المواطنة، إذ هذه القضية لم يتناولها الفقه الموروث بالبحث بالنظر إلى أنّ الوضع القديم لم يكن يقتضي فيها بحثا، ولكنّ هذا الفقه كان يعتبر البلاد الإسلامية كلّها وحدة سياسية والمسلمين كلّهم مواطنين فيها، انطلاقا من مفهوم الأمّة الجامع سياسيا وإيمانيا، فالمواطنة إذن كانت تطابق الانتماء الديني، ومن هم ليسوا من المؤمنين في المجتمع الإسلامي يميّزون بمصطلح أهل الذمّة وتختلف حقوقهم وواجباتهم بعض الاختلاف عن المسلمين، وقد وضعهم الفقه السياسي في وضع يوشك أن يكونوا به غير مواطنين بالمفهوم السائد آنذاك للمواطنة.

وقد تطوّر وضع الدولة الإسلامية اليوم تطوّرا كبيرا عمّا كان عليه بالأمس، سواء من حيث الانقسام السياسي، أو من حيث مفهوم الانتماء الوطني، أو من حيث العلاقات بين المواطنين، أو من حيث الوضع العالمي في علاقات الأمم والشعوب والدول ببعضها، ومع ذلك فإنّنا ما زلنا نجد في الفقه السياسي كما يتناوله بعض المحدثين يقرّر علاقة الدولة بأفرادها على أنّها علاقة تميّز بين المؤمنين وأهل ذمّة، والحال أنّ الواقع الجديد لم يعد يسع هذا التقسيم.

ومن الضروري إذن أن يراجع الفقه السياسي هذه المفاهيم ليستحدث أحكاما للمواطنة في مقتضياتها من الواجبات والحقوق سواء تعلّق الأمر بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي أو بالمسلمين في المجتمع غير الإسلامي، وذلك في اتّجاه المساواة والعدل بين أفراد المجتمع بقطع النظر عن التمايز العقدي، لتكون المواطنة هي أساس التعامل بين الدولة والأفراد في طرفي الواجبات والحقوق.

لقد أصبحت الضرورة تدعو إلى مراجعة هذه لأحكام الفقهية السياسية في اتّجاه تصحيحها بما يقتضيه التأصيل، وفي اتّجاه أن تكون علاجا للحياة السياسية الإسلامية التي ترزح تحت مشاكل كثيرة. وإذا كان ذلك ضرورة ملحّة بالنسبة للفقه السياسي الإسلامي بصفة عامّة، فإنه يعتبر ضرورة أكثر إلحاحا بالنسبة لفقه الأقليات المسلمة في أوروبا؛ وذلك لأن هذه الأقليات وهي تستشرف عهدا للمشاركة السياسية في هذه البلاد سوف لن تكون لها إمكانية في ولوج هذا المجال، وهي معمورة أذهانها بمثل تلك الأحكام التراثية في رئاسة الدولة أو في سلطان الأمة أو في غيرها من القضايا، ومتشكّلة ثقافتها السياسية عليه، والحال أن الفقه السياسي الذي يجري عليه الواقع في أوروبا يناقض تلك الأحكام..