فُتنا بالاحتلال فاتحدنا وانتصرنا.. وفُتنا "بالاستحلال" فاختلفنا وانهزمنا!؟

ألا يحق لنا أن نقول مقتبسين (ببعض التصرف) بيت الشعر المعروف: "ألا ليت الشباب يعود يوماً... فأخبره بما فعل المشيب" لنقول: "ألا ليت الاحتلال يعود إلينا لنحدثه بما فعل الاستحلال فينا!؟" الأناضول
منذ بدايات الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب الكبير، لم تكن المعركة مجرد احتلالٍ للأرض والسيطرة على الثروات، بل كانت ـ في جوهرها العميق ـ حربًا على الهوية والذاكرة ووحدة الانتماء الحضاري لشعوب المنطقة. فقد أدرك المشروع الاستعماري مبكرًا أن وحدة المغاربة والجزائريين والتونسيين، دينيًا وثقافيًا ولسانيًا، تمثل العقبة الكبرى أمام ترسيخ الهيمنة الفرنسية، ولذلك اعتمد سياسة ممنهجة قوامها التفريق العرقي واللغوي، وإحياء الانقسامات المحلية، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم مشروع “فرنسة” المنطقة وفصلها عن امتدادها العربي والإسلامي.

وفي هذا السياق التاريخي، تبرز قضية "الظهير البربري" والسياسات الثقافية الفرنسية باعتبارها نموذجًا مكثفًا لاستراتيجية "فرّق تسد" التي طبقتها فرنسا في المغرب والجزائر على السواء، عبر توظيف المدرسة والإدارة والقانون والبحث الأنثروبولوجي لخدمة أهداف استعمارية بعيدة المدى. غير أن تلك السياسات، رغم ما أحدثته من جراحٍ وتشققات، اصطدمت آنذاك بمقاومة شعبية وفكرية واسعة، توحدت فيها مختلف مكونات المجتمع دفاعًا عن الهوية الجامعة ومقومات الشخصية الحضارية المشتركة.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة المقالات الفكرية والتاريخية الخاصة التي يكتبها الكاتب والمؤرخ الجزائري أحمد بن نعمان لـ "عربي21"، والتي يسعى من خلالها إلى إعادة قراءة تاريخ الاستعمار الفرنسي في المغرب الكبير، وكشف آليات الاختراق الثقافي والهندسة الاجتماعية التي استهدفت وحدة شعوب المنطقة، مع ربط ذلك بالتحولات الراهنة وأسئلة الهوية والانتماء والصراع الثقافي في مرحلة ما بعد الاستقلال. وفي هذا الإطار، يطرح الكاتب إشكالية مركزية مفادها أن الشعوب التي توحدت في مواجهة الاحتلال العسكري، تجد نفسها اليوم مهددة بالانقسام تحت تأثير ما يسميه "الاستحلال" الثقافي والفكري، بما يحمله من إعادة إنتاج لأدوات التفكيك القديمة بأشكال جديدة.


المستعمر واحد

إذا كانت البلاد المغربية بأقطارها المعروفة اليوم بجنسياتها الورقية وحدودها السياسية والجمركية مختلفة، فإن نوعية المحتل الذي اجتاح أرضها واغتصبها كان واحدًا، ونظرًا لأن سكان هذه الأقطار اليوم ـ رغم انحدارهم من شتى أقوام الأرض كما أثبتنا في عدة مقالات سابقة وكما يثبتها العلم بالحمض النووي وغير النووي في المخابر ـ فهم في الحقيقة شعب واحد دينيًا واجتماعيًا وثقافيًا، ماضيًا وحاضرًا، في الأنماط الثقافية العامة وليس في الفروع المحلية والجهوية (انظر مقالنا في "عربي 21" ليوم 31 يناير 2023، فيه ما يكفي القارئ غير المتخصص حول هذا الموضوع وزيادة مفيدة جدًا).

فقد انتهج الغاصب الفرنسي الطريقة ذاتها والأسلوب ذاته تقريبًا مع السكان المسلمين كشعب واحد من الناحية الثقافية، وظل يلعب على العامل العرقي واللغوي بالتفرقة والفرنسة والتنصير.. وعن ذلك يقول الباحث المغربي الأستاذ المهدي بنونة في بحث له بعنوان: "الظهير البربري بوابة للتنصير" ما نصه بالكامل، كشاهد حي لما وقع في الجزائر ذاتها كما رأينا في المقالين السابقين، وما سنثبته هنا أيضًا تأكيدًا لهذا الأسلوب "الاستدماري" المتبع من المحتل الفرنسي للتفريق بين أفراد الشعب المسلم الواحد المتصاهر على مر القرون الثلاثة عشر التي أعقبت الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا والأندلس بعد ذلك تباعًا دينًا ووجدانًا وثقافة ولسانًا.

يقول الأستاذ المهدي بنونة: "كان صدور الظهير البربري عام 1930 إيذانًا ببدء تصدع المد التحرري في المغرب وتأطير الحركة الوطنية المغربية، لقد أرادت سلطات الحماية أن يكون صدور الظهير البربري مدخلًا لتقسيم المغرب إلى عرب يقيمون في المدن وبربر يقطنون في الأرياف والبوادي، على أن يتم في مرحلة لاحقة إلغاء الشريعة الإسلامية بالنسبة للتقاضي بين أفراد القبائل البربرية، ومن ثم إلغاء المحاكم الشرعية وإنشاء محاكم مدنية تطبق الأعراف البربرية القديمة".

وبذل الفرنسيون جهدًا مضنيًا في البحث عن هذه الأعراف في الكتب التاريخية القديمة وأعادوا صياغتها تمهيدًا لتطبيقها، لتحل محل القوانين التي تعتمد على الدين الإسلامي، وفي خطوة لاحقة وطبقًا للمخطط الذي وضعه الفرنسيون بمنع تعليم القرآن لأبناء البربر، وذلك يعني تلقائيًا منع تعلم اللغة العربية، ثم تتوج العملية بتنصير أطفال البربر... ما أمكن ذلك.

"كان صدور الظهير البربري عام 1930 إيذانًا ببدء تصدع المد التحرري في المغرب وتأطير الحركة الوطنية المغربية، لقد أرادت سلطات الحماية أن يكون صدور الظهير البربري مدخلًا لتقسيم المغرب إلى عرب يقيمون في المدن وبربر يقطنون في الأرياف والبوادي، على أن يتم في مرحلة لاحقة إلغاء الشريعة الإسلامية بالنسبة للتقاضي بين أفراد القبائل البربرية، ومن ثم إلغاء المحاكم الشرعية وإنشاء محاكم مدنية تطبق الأعراف البربرية القديمة".
وبالفعل شرع الفرنسيون في فتح مدارس تابعة للكنيسة في البوادي والقرى والمداشر وقد شيدوا عشرات الكنائس، وكان ذلك الاتجاه يعوزه المنطق إذ لا يعقل في بلد مسلم كالمغرب لا توجد به إلا نسبة قليلة من الأجانب أن تشيد كل تلك الكنائس، وأن تنشر في القرى والمدن والمداشر النائية وإلى جانبها المدارس التبشيرية وأديرة الرهبان والراهبات، وفطن المغاربة لهذا المخطط الذي يهدد في الواقع كيانهم الإسلامي العربي.

وتأكيدًا لما ذهب إليه الأستاذ بنونة حول دور فرنسا في اختلاق المشكل البربري اختلاقًا كما فعلت في الجزائر لبسط نفوذها العسكري والثقافي والسياسي واللساني على وجه الخصوص، لضمان راحة البال دون قتال مع الأهالي بعد أن تمزقهم وتشتت وحدتهم وتشكك في انتسابهم كفروع إلى دوحة الوطن والأمة؛ يؤكد ذلك كله ضابط الاستخبارات الفرنسية في المغرب (موريس لوجلي) في مقالة له بعنوان "المدرسة الفرنسية والمسألة البربرية" نشرها في مجلة "لا فيجي ماروكا" (La Vigie Marocaine) سنة 1921 وقد كانت تصدرها فرنسا بالمغرب، وقد كتب الباحث المغربي الدكتور عبد العلي الودغيري دراسةً عن هذه المقالة وعن صاحبها جاء في ملخصه عنها باللغة العربية في جريدة "العلم" بتاريخ 14 فبراير 1991 ما يلي: "... وهذا ما حدا بالكاتب إلى الدعوة لضرورة الإسراع بالتحكم في توجيه عقلية السكان والعمل على تحويل مصيرهم لصالح المستعمر وطبعه بطابعه، وذلك عن طريق اللغة وبرامج التعليم. وفي هذا الصدد يوصي السيد لوجلي بضرورة استغلال العنصر البربري الذي كان يعتقد أنه ما زال على الفطرة ومن السهل التغلب عليه واستقطابه والتحكم في ثقافته وتوجيهه حسب رغبة المستعمر. ولم يترك وسيلة من وسائل الدس والاحتيال على التاريخ والمغالطة وإطلاق العنان للخيال والتأويل الفاسد، إلا استعملها ليصل بها إلى تأكيد الأطروحة الاستعمارية القائلة بوجود فروق عميقة ومتجذرة بين العنصرين المكونين للمغرب وهما العنصر الأمازيغي (البربري) والعنصر المعرّب... كما بذل قصارى جهده في إقناع قارئه بأن إسلام البربر سطحي للغاية، وأن بقايا المسيحية واليهودية والإلحاد ما تزال واضحة في عاداته وسلوكه، بخلاف الفئة المعربة منهم. وبناءً على هذه الفروق التي حاول الرجل إبراز معالمها وتضخيم صورتها بل تشويه حقيقتها والانحراف بها عن واقعها، يصل إلى القول بضرورة استغلال هذه الفروق بين فئتي السكان، وإيجاد نموذجين من التعليم أحدهما خاص بالعنصر المعرب والآخر خاص بالعنصر الأمازيغي (البربري)، وأنه لا سبيل إلى التحكم في البربر الذين ظلوا طوال التاريخ متمردين لا يستطيع أحد أن يخضعهم، إلا عن طريق السلاح اللغوي والثقافي، ومن أجل نجاح الخطة ينادي بضرورة إبعاد المعربين عن غيرهم، ويحذر بقوة من مغبة نشر التعريب بين المغاربة ولا سيما في الوسط المتبربر، بل يقول بكل صراحة ووضوح إن هذا التعريب سيقود البربر إلى إسلام تام ونهائي، ويقول: "هم قضيتنا العميقة والمشروع يفرض أن يتم تأطير سكان الجبال (ويقصد هنا العنصر الأمازيغي) باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية وسوف يُحكمون بالفرنسية".

أما سؤال كيف يمكن تنفيذ هذه السياسة؟ فيجيب عنه الكاتب (الضابط) الفرنسي "بأن الأمر يتطلب تغطية للعالم البربري بالمدارس الفرنسية التي لا ينبغي لها أن تعلم العربية والإسلام على الإطلاق، وتغطية البقية من المناطق المعربة بالمدارس الفرنسية...". ولا يقف صاحبنا عند هذا الحد بل يتطوع أيضًا بالتفكير في الوسائل المادية الكفيلة ببناء المدارس وتجهيزها في أسرع وقت، وبذلك يخلص إلى أن المسؤولية مشتركة بين جميع الفرنسيين الموجودين بالمغرب سواء كانوا جنودًا أم تجارًا أم فلاحين... وأخيرًا، يختم الضابط قوله بهذه الوصية الثمينة فيقول: "علينا أن نقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية، إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا بلغتنا والخطاب الموجه بطبيعة الحال، إلى الفرنسيين المبعوثين إلى المغرب".

أما عن الدراسة ذاتها الواردة في مقالة الضابط الفرنسي (موريس لوجلي) فنورد منها هذه الفقرات لنثبت بها رأينا حول موضوع هذا المقال... ومما قاله السيد لوجلي في خدمة السياسة الفرنسية البربرية أو "البربرنسية" كما أسميها، هو قوله: "من بين المشاكل المغربية الكبرى التي تحتاج إلى حل... هناك مشكلة القيمة التي ينبغي أن تُعطى للسكان المقيمين بالإمبراطورية الشريفة، أي العناية المادية بالعنصر البشري وباتجاهه الثقافي، وتوجيه فكره وقدراته، والمشكلتان معًا كلٌّ لا يتجزأ، إذ لا يمكن عمليًا أن ننشغل بكيفية عقلانية وفعالة بأمر هذه البلاد ونهمل أولئك الذين يسكنونها... إن الشعب المغربي شعب سليم وشجاع وذكي ويتناسل بكثرة، ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالحه في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضًا تحويل مصيره إذا أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح ومعقول للهدف المبتغى والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا".

ثم يضيف قوله: "إنه لمن قبيل الوهم أن يتحقق استيطان المغرب بالسكان الفرنسيين، فبعد سنوات قليلة سوف يصبح هنا (بجانب الفرنسيين الذين نتمنى أيضًا أن يصبح عددهم كبيرًا قدر الإمكان، وإن كانت كتلتهم ستظل حتماً أقل مما تقتضيه الضرورات السياسية) حشد من الأجانب يمكن مقارنته بذلك الحشد الذي استوعبته أرضنا الجزائرية، بالإضافة إلى السكان الأصليين الذين يحملنا كل شيء على الاعتقاد بأن عددهم سيتزايد ويتكاثر بشكل مثير... ففي أي اتجاه سيتم ذلك؟ ليس هناك سوى اتجاه واحد يمكن أن يكون مقبولًا عندنا. والمغرب الآن يدخل في فترة واضحة من التطور المادي والمعنوي، ولكن ينبغي التعجيل ما أمكن بهذا التطور وتحويله لمصالحنا وطبعه بطابعنا، ومن أجل هذا استقر رأي أولئك المكلفين برسم مصير المغرب وتوجهاته شيئًا فشيئًا، على أن يستفاد في تطبيق ذلك من تفوق الدم والذهنية البربريتين في هذا البلد، والدليل على ذلك ما تم بالفعل خلال قرن من التجربة الاستعمارية بأفريقيا، إن الجنس البربري الذي يعتبر تشبثه العرقي عبر العصور ظاهرة نادرة إن لم تكن وحيدة، يمتلك رغم كونه أقلية، قدرات على العمل والدراسة والفهم والتكيف مع العصر، وتلك صفات لا توجد بنفس الدرجة عند الجنس العربي (!!).

ومن غير أن تثنينا اعتبارات تطول جدًا، وقد تخرجنا عن إطارنا الذي رسمناه لأنفسنا، نرى من الضروري أن نذكر هنا قراء "نشرة التعليم" ما هي الأهمية التي يكتسيها وجود عرقين عربي وبربري بالمغرب، وما هي الخطوط الكبرى للمسألة البربرية المشار إليها في رأس هذه الصفحات، وهذا له أهميته خصوصًا وأنه العمل المستقبلي الذي سيُشرع فيه، وسوف يظهر دور أعضاء أسرة التعليم كبيرًا، وإن المجهود الذي سوف يُطلب من هذه الهيئة النبيلة هو من تلك المجهودات التي يجمل بها أن تتهيأ لها بكل طاقاتها.

ولنبدأ بالاعتراف بأن خطأنا في السابق هو أننا لم نعط للعنصر البربري الذي كان علينا أن نجده في المغرب ما يستحقه من عناية خاصة بدراسة الأذواق والعوائد وانحراف اللغة والتراجع في العقيدة، إلى أن يجعلهم يقتنعون بأن المغاربة ـ سواء كانوا ناطقين بالعربية أو بالبربرية ـ هم جميعًا من أصل واحد وأرومة واحدة ودم بربري واحد خالص تقريبًا، وإن تغير لونه في الجنوب عند الحراطين، وضعف صفاء عروبته حسب المناطق، وامتزج بدم يهودي في كل مكان..

سنتوقف الآن في عرضنا عند هذا الحد، وسنجعل خلاصته قاعدة للمناقشة الآتية: المغرب إذن هو بلاد البربر، وليس أكثر من ذلك، وقد استمر هذا العرق البربري موجودًا دون أن يطرأ عليه تغيير إلا قليلًا بفضل الإمدادات الخارجية العربية واليهودية والسودانية. وفي بلاد البربر هذه، توجد مدن وقبائل تم تعريبها لغة ودينًا. أما الباقي وهو القسم الأكبر، فهو يضم قبائل ما تزال في عمقها بربرية الدم واللغة والعادات، عملت ظروف تاريخية وعوامل جغرافية نسبيًا على تحريرها (من الخضوع للأسرة الحاكمة) إلى غاية حضور الفرنسيين. وداخل هذا القسم الأكبر من بلاد البربر، هناك مجال للتمييز بين مجموعتين مختلفتين، وذلك حسب نوع المعالجة التي تدعو الحاجة إليها، فالمجموعة الأولى تشمل كل قبائل وسط المغرب إلى الصحراء في أعالي الأطلس، وبعض قبائل الأطلس الكبير والأطلس الصغير، وهؤلاء السكان يتميزون بخصائص جسمانية عالية وبقوة صلبة في أخلاقهم وتفكيرهم وبقليل من المرونة مع إسلام نسبي. والمجموعة الأخرى تشمل كل القبائل البربرية الأصل واللغة في الغالب مع تعمق في إسلامها، وهي تحتل أجمل منطقة في ناحية مراكش، هذه المعطيات، فيما نعتقد، هي التي يمكن أن تكون أساسًا للبرنامج التربوي المطلوب.

كان المخطط الفرنسي يرمي إلى إشعال نار الفتنة بين العرب والبربر. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟ الإجابة بسيطة وسهلة: لقد كانت فرنسا تسعى لإدماج المغرب في فرنسا وهي كذلك حاولت بالنسبة للجزائر، ولم يكن ذلك متاحًا إلا بالقضاء على العروبة والإسلام في هذين القطرين.. وكان الفرنسيون على اقتناع أنه لا يمكن أن يكون هناك "فرنسي مسلم"، ولا تنسَ أن فرنسا هي أحد مراكز المذهب الكاثوليكي في أوروبا.
إن الأرضية التي يتوفر عليها عملنا هذا تمتاز بوضوح جذاب فريد من نوعه، فهؤلاء السكان لغتهم هي البربرية، ولا يملكون من العربية إلا ما هو ضروري لهم في علاقاتهم مع التاجر والحاكم المخزني، ومعنا نحن أيضًا لأننا نجهل البربرية، وكلما وجدوا بعيدين عن التاجر والمخزن وعنا نحن، قلت معرفتهم بالعربية. وساكن الجبل ـ سواء كان يعرف العربية معرفة غير كافية أم كان يجهلها تمامًا ـ لا يعرف من الإسلام إلا القليل، ولا يعرف هذا القليل إلا بشكل سيئ. ثم إن من خصائص البربري أنه يكيف الديانات التي تمر به حسب هواه وعقليته، فهو الآن مسلم بطريقته الخاصة التي كان بها من قبل ملحدًا أو مسيحيًا أو يهوديًا.

ولقد كان ضباطنا ورجال إدارتنا يعتبرون دائمًا ـ نتيجة خطأ مأسوف عليه ـ أنه من المناسب مخاطبة الجميع من غير تمييز في شمال إفريقيا باللغة العربية. وقد اقتضى الأمر منا أربعين عامًا من الوجود بالجزائر لتمييز وضع القبائليين وفهم الخطأ الذي قد ينتج عن فرض الحضارة العربية عليهم. أما في المغرب فقد وقع التمييز بشكل سريع، ولكننا لم نكن مهيئين لإقامة نظام جديد، فإخضاع البربر ما يزال في مرحلة البداية والكلمة ما تزال للمدفع في كل مكان، والأجزاء التي تم إخضاعها يشرف عليها معرّبون لعدم وجود العدد الكافي من المواطنين العارفين بلهجات السكان الأصليين. وأخيرًا فإن بعض الذهنيات التي ما تزال متشبثة بالشكل الاستشراقي العتيق قد عملت على تأخير التقسيم، وظلت تتحدث عن مرحلة التعريب على أنها مرحلة أولى نحو التمدن مطلوبة الاستعمال عند الأقوام البدائيين، وكانوا لا يرون في ذلك على الخصوص ما يكلف كثيرًا. أما نحن فيجب أن نرى في هذا خطأ مرعبًا قد يقود البربر إلى إسلام تام ونهائي... علمًا أن الذي يسلم يظل على إسلامه ولا يمكننا نحن أن نقوم له بالدور الطلائعي! والمسألة المطروحة الآن هي: كيف يتم تطبيق ذلك عمليًا؟

نترك جانبًا ـ إذا أردتم ـ كل ما يتعلق بالمشاعر، ونبعد العمل المحدد لجيشنا عما يضعفه من الأساليب الأيديولوجية؛ فنحن هنا عند أناس كلفنا إخضاعهم الشيء الكثير، وسوف يكلفنا أيضًا كثيرًا من الدم فضلاً عن العديد من الملايين... فعلى ساكن الجبل إذن أن يباشر القيام بحاجاته معنا باللغة الفرنسية، وعلينا نحن أن نوفر له الوسائل لتعلمها، وقد تبين أنه يتعلمها بسرعة وسهولة. وهذا يقودنا إلى بذل ذلك المجهود الخارق، وهو القيام في أقرب وقت ممكن بتغطية العالم البربري بالمدارس الفرنسية.

ولكن قد يسأل المعترضون عن أية ميزانية يمكن أن تكفي لذلك؟ فنجيبهم بأنه يكفي أن يحصل التفاهم، فالأمر في هذه الآونة لا يتعلق بصفة عملية إلا بمدارس ابتدائية جد متواضعة، وإذا سألتم أين نجد هؤلاء يا ترى؟ نجدهم في كل مكان، بين الجنود أولاً فذلك هو دورهم، لقد كتب العقيد اليوطي سنة 1898 (وهو إذ ذاك بمدغشقر) يقول في رسالة تتحدث عن الطريقة التي كان يدرس بها الفرنسية للملغاشيين: "تذكروا أني معلم كبير"، وعليكم أن تصدقوا جيدًا أن الجندي المعلم بالنسبة للمرحلة التي نوجد فيها هو الشخص المطلوب تمامًا في المنطقة البربرية. ولكن لن يكون هنالك العسكريون وحدهم، فعلى الجميع أن يشتغل بهذا الأمر، إنه واجب وطني. هذه الفكرة يجب أن تتحقق، فعلينا أن نقلع في كل مكان عن الحديث بالعربية، وإعطائهم الأوامر بالعربية، وللوصول إلى ذلك سيكون علينا أن نضع أكبر عدد ممكن من مترجمي اللغة البربرية رهن إشارة سلطات المراقبة، ولكن السلطة في هذا العمل الكبير الذي علينا أن نقوم بإنجازه، ستكون لهيئة التدريس الفرنسية، وقد ثبت أنها أهل لذلك".

وتطبيقًا لهذا المخطط الاستعماري (أو "الاستدماري" على حد تعبير صديقنا المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم) المتواصل الهادف إلى فصل العرب عن البربر عرقيًا ولغويًا، ثم دينيًا بمحاولة إبعاد البربر عن الإسلام بتوجيههم إلى الاحتكام إلى العرف الوثني القديم بدلاً من الشريعة الإسلامية، يقول الأستاذ المهدي بنونة مؤكدًا ذلك كله في بحثه المذكور في مستهل هذا المقال والذي جاء فيه على الخصوص: "كان المخطط الفرنسي يرمي إلى إشعال نار الفتنة بين العرب والبربر. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟ الإجابة بسيطة وسهلة: لقد كانت فرنسا تسعى لإدماج المغرب في فرنسا وهي كذلك حاولت بالنسبة للجزائر، ولم يكن ذلك متاحًا إلا بالقضاء على العروبة والإسلام في هذين القطرين.. وكان الفرنسيون على اقتناع أنه لا يمكن أن يكون هناك "فرنسي مسلم"، ولا تنسَ أن فرنسا هي أحد مراكز المذهب الكاثوليكي في أوروبا.

جاء رد المغاربة على صدور الظهير البربري قويًا وعنيفًا، ومن مؤشرات إخفاق اللعبة الاستعمارية أن القبائل البربرية كانت أول من انتفض ضد ذلك الظهير المشؤوم، فقد حدثت ثورات تناهض الظهير البربري في آيت حمو وفي إقليم وجدة وإقليم تافيلالت الذي يُعرف الآن بإقليم الراشدية، وفي الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والرحمانة ومراكش وناحية آيت شغروشن وخنيفرة وخريبكة وعلى طول وادي أم الربيع، وجاء رد الفعل قويًا جدًا في فاس(...). لقد انزعجت فرنسا كثيرًا من ردة الفعل الشعبية ضد الظهير البربري، واضطر رئيس فرنسا آنذاك "دومرغ" إلى زيارة المغرب ليقف بنفسه على تطور الأوضاع. أعدت سلطات الحماية الفرنسية استقبالات ضخمة للرئيس الفرنسي لتغطي بها ما حدث، إلا أن الشعب عبر خلال الزيارة عن حقيقة ما يجري، وكتب أهل مدينة فاس رسالة لـ"دومرغ" وقعها مئات المواطنين يعبرون فيها عن سخطهم على مؤامرات سلطة الحماية، وصلتنا في المشرق العربي نسخة من تلك الرسالة فقمنا بنشرها على أوسع نطاق، كما وصلت نسخة منها لرفقائنا في باريس وترجمت إلى الفرنسية. لم تتراجع فرنسا ولم تتخذ قرارًا بإلغاء الظهير البربري، والمفارقة أن هذا الظهير لم يلغ وبقي على الورق حتى الآن (ونحن في سنة 2026)!؟

صدر الظهير البربري في 16 ماي 1930 وكان يوم 16 ماي يوم حزن في المغرب في كل عام، وكان كذلك يوماً يضرب فيه الناس عن العمل ويعتصمون بالمساجد بعد صلاة العصر ويقرؤون "اللطيف" وهو دعاء معروف بالمغرب يقول: "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، فلا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر" ثم تكرر كلمة يا لطيف آلاف المرات!! لقد اعتبر الفرنسيون هذا الدعاء بمثابة تعبئة سياسية ضدهم، لذلك مُنع الناس من ترديد دعاء اللطيف وخاصة يوم 16 ماي".

جاء رد المغاربة على صدور الظهير البربري قويًا وعنيفًا، ومن مؤشرات إخفاق اللعبة الاستعمارية أن القبائل البربرية كانت أول من انتفض ضد ذلك الظهير المشؤوم، فقد حدثت ثورات تناهض الظهير البربري في آيت حمو وفي إقليم وجدة وإقليم تافيلالت الذي يُعرف الآن بإقليم الراشدية، وفي الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والرحمانة ومراكش وناحية آيت شغروشن وخنيفرة وخريبكة وعلى طول وادي أم الربيع، وجاء رد الفعل قويًا جدًا في فاس(...).
وعن علاقة الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية بهذا الظهير يقول الباحث المغربي الأستاذ علال الأزهر: "إن التقابل بين البرابرة والعرب ليس اكتشافًا للسوسيولوجيا، إنه على العكس من ذلك الأرضية الأيديولوجية الخطيرة المؤسسة للبحث السوسيولوجي بمعنى أن كل اكتشافات السوسيولوجيا مشروطة بذلك التقابل". وينقل عن باحث فرنسي قوله: "يجب علينا أن نلاحظ أن جماعات أخرى غير الكنيسة قد لعبت دون شك دورًا في تحضير ذلك القانون. في تلك الفترة وبالخصوص أخصائيو الأعراف البربرية الذين كان الكثير منهم يدافع عن فكرة نقل البرابرة مباشرة من حضارتهم الإسلامية -نسبيًا إلى حد الآن- إلى مرحلة الحضارة الغربية".

وهذا ما يؤكده باحث مغربي آخر هو الأستاذ محمد حركات بقوله: "هذا وقد كان لفرنسا على الخصوص علامة الامتياز الأولى في تطبيق سياسة استعمارية متكاملة كانت جاهزة وقت استعمار بلادنا تهدف إلى القضاء على مقومات شعبنا ووطننا وطمس هويتنا المغربية الإسلامية العربية، لإلحاقنا بعد ذلك بالإمبراطورية الفرنسية العظمى بإقليمها الأوروبي والإفريقي والتي كان غلاة الاستعمار الفرنسي يحلمون بتشييدها آنذاك، وقد نبعت هذه السياسة الاستعمارية الإلحاقية من تراث وتقاليد فرنسا الاستعمارية ومن تجربتها الماثلة المطبقة في الشقيقة الجزائر المستعمرة آنذاك منذ سنة 1830.

وكانت تلك السياسة الاستعمارية تهدف بالأساس إلى القضاء على الإسلام واللغة العربية ببلادنا بوصفهما الدعامتين المتينتين للحضارة العربية الإسلامية التي تربط المغاربة قاطبة بإخوانهم في المشرق العربي والتي يعتبرها الاستعمار تهديدًا وعدوًا لحضارته الغربية. وقد اشتهر المخطط الأول من هذه السياسة الاستعمارية آنذاك باسم "السياسة البربرية لفرنسا" وظهر تطبيق المخطط جليًا بمجرد ما سيطرت فرنسا على المغرب، حيث أخذت تعمل على تقسيم المغاربة إلى عرب وبربر، وذلك بإخضاعهم إلى تصنيف عرقي ولغوي ممنهج هادفة من ذلك تفتيت الشعب الواحد العريق في وحدته إلى جزءين مختلفين ومنفصلين ومتنافرين؛ عرب يتحدثون اللغة العربية وبربر ناطقين باللهجات البربرية، ولأجل الوصول إلى هذا "الأبارتهايد" الخبيث قامت فرنسا بتجهيز إدارتها الاستعمارية بالمغرب بترسانة من المؤسسات والقوانين نخص بالذكر منها ما يلي:

في سنة 1913 أنشئت بالرباط مدرسة عليا أسمتها "مدرسة اللغة العربية واللهجات البربرية" مديرها وجميع أعضاء إدارتها ضباط وعسكريون فرنسيون، ويدرس بها أساتذة اختارهم المقيم العام ليوطي نفسه من دهاقنة السياسة البربرية في الجزائر وتونس وفرنسا وقتذاك. ثم أصدرت فرنسا ظهير 11 شتنبر 1914 وهو تشريع يتكون من فصلين لا غير، قليلة جمله خطيرة مقتضياته، بموجبه تقرر أن تكون "قبائل البربر" محكومة ومنظمة طبقًا لعوائدها وأعرافها القديمة، وبهذا تكون فرضت فرنسا على جزء من شعبنا الخضوع لأعراف وعوائد بائدة جلها مخالف لأحكام القرآن الكريم وقواعد الشريعة الإسلامية، وبمقتضى هذا الظهير تم تقسيم مناطق القبائل التي عدتها فرنسا بربرية إلى نحو ثمانين «جماعة قضائية بربرية»، تتولى القضاء بين البربر طبقًا لأعراف وعوائد الجاهلية، كتابها ضباط فرنسيون هم القضاة الفعليون بها، ومناقشاتها وأحكامها تكون باللغة الفرنسية.

ثم في سنة 1915 أصدرت فرنسا قرارًا بتأسيس "لجنة الأبحاث البربرية" وحددت مهامها في جمع الأبحاث المتعلقة بالقبائل المسماة بربرية بالمغرب وتحديد الوسائل والأساليب العملية لتنظيم هذه القبائل وإداراتها بكيفية تتفق مع "السياسة البربرية" الفرنسية المرسومة، وكان يرأس هذه اللجنة الكاتب العام للحماية وبعضوية مدير المدرسة العليا للغة العربية واللهجات البربرية ورئيس إدارة التعليم ومدير إدارة الاستخبارات ورئيس المكتب الحربي، وهؤلاء كلهم ضباط فرنسيون.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو التالي: هل من المقبول اليوم أن يقوم البعض منا بإعادة صياغة جديدة للاستعمار الثقافي الفرنسي اللاتيني بالمغرب بدعوى تعليم الأمازيغية؟ نطرح هذا السؤال لعدة معلومات متوفرة عندنا لا نريد أن نشير إلا إلى الدور الذي يقوم به مركز الدراسات البربرية بباريس في هذا الموضوع الخاص بالمغرب، ومن جهة أخرى قيام بعض المراكز الثقافية الفرنسية عندنا بتدريس الأمازيغية للتلاميذ الراغبين، وبواسطة أساتذة أمازيغيين يقومون بتجارب شخصية مدعومين ماديًا ومعنويًا لهذا الغرض من صناديق القنصليات الفرنسية!؟"
ثم والَت فرنسا سن القرارات والتشريعات المعززة لسياستها البربرية الاستعمارية، إلى أن توجتها سنة 1930 بإظهار الظهير سيئ الذكر الذي اشتهر ظلمًا باسم "الظهير البربري"، فكان صدوره بمثابة الشرارة التي أوقدت فتيل الانفجار، فما إن بلغت أصداء الظهير إلى مسامع سكان سلا التي كانت أول مدينة علمت بصدوره عن طريق أحد أبنائها الوطنيين وهو المرحوم عبد اللطيف الصبيحي الذي كان آنذاك موظفاً بإدارة الأمور الشريفة، حتى اهتزت المدينة من هول الحدث وهبّت ثلة من سكانها الوطنيين ينظمون الوسائل العملية لمقاومة الظهير، ثم تبعتها في ذلك مدن الرباط وفاس ومراكش والدار البيضاء وتطوان وطنجة إلى أن عمت المقاومة كافة ربوع المغرب بحواضره وقراه".

ويؤكد هذا القول الباحث المغربي عبد الحق المريني بقوله: "ولكن السياسة الفرنسية بنت حملتها على أساس فكرة أن البربر لم يعتنقوا الإسلام إلا ظاهريًا، فأصدرت ما يسمى بالظهير البربري سنة 1930، وهذا الظهير يخرج البرابرة من دائرة القضاء الشرعي ويؤسس لهم محاكم عرفية لا تحكم إلا بالعرف والعادات القديمة في موضوع الأحوال الشخصية والعقار، أما الأحكام الجنائية فكانت تُحال على المحاكم الفرنسية. وأصل هذا الظهير الذي كان قطب دائرة السياسة البربرية هو أن المقيم العام (لوسيان سان) كان محاطًا بجماعة من عُرفت "بالكتلة البربرية"، وكانت هذه الجماعة تدعو إلى فصل البربر عن حكومة المخزن بحجة أن هذه الحكومة لا تمثل سوى العرب من سكانها بالمغرب، ولكن هدف هذه الكتلة كان هو تجريد السلطة المخزنية من بعض سلطاتها من جهة، وإدماج البربر في البيئة الفرنسية من جهة أخرى، مع إحياء اللغة البربرية عن طريق كتابتها بالأحرف اللاتينية، كما عينت الكتلة مبشرين مسيحيين كقضاة في "مجالس الجماعة" التي تحولت إلى محاكم مدنية، مما يدل على أن الهدف المنشود من وراء هذا الظهير هو تنصير البربر، وأسست الكتلة لهذا الغرض مدارس بربرية كانت خلايا السياسة الفرنسية، ومن هنا اصطدم الظهير البربري بمعارضة شديدة من قبائل البربر ذاتها فضلاً عن رد الفعل من جانب كافة المغاربة ومن العالم الإسلامي أيضًا، حيث قامت مظاهرة في الرباط بحب بوقرون وأخرى حول الضريح الإدريسي دعا أصحابها الله أن لا يفرق بينهم وبين إخوانهم البرابرة، كما طلب الأمير شكيب أرسلان من الدول الإسلامية مقاطعة فرنسا احتجاجًا على سياستها "فرّق تسد" المتبعة في المغرب، فكانت هذه المظاهرات فاتحة عهد الكفاح الذي دام ما يقرب من نصف قرن في سبيل تحرير البلاد ونشر العدالة وتوحيد الصفوف، ومع ذلك لم تكف فرنسا طوال عهد الحماية عن استغلال كل مناسبة لبعث "السياسة البربرية" من جديد كما حدث مثلاً عند الأزمة المغربية في سنتي 1951 و1953".

"إن السؤال الذي يفرض نفسه هو التالي: هل من المقبول اليوم أن يقوم البعض منا بإعادة صياغة جديدة للاستعمار الثقافي الفرنسي اللاتيني بالمغرب بدعوى تعليم الأمازيغية؟ نطرح هذا السؤال لعدة معلومات متوفرة عندنا لا نريد أن نشير إلا إلى الدور الذي يقوم به مركز الدراسات البربرية بباريس في هذا الموضوع الخاص بالمغرب، ومن جهة أخرى قيام بعض المراكز الثقافية الفرنسية عندنا بتدريس الأمازيغية للتلاميذ الراغبين، وبواسطة أساتذة أمازيغيين يقومون بتجارب شخصية مدعومين ماديًا ومعنويًا لهذا الغرض من صناديق القنصليات الفرنسية!؟"

وعندما نقارن وضعنا السابق كما فصلناه في هذا المقال والذي قبله أيضًا في كل من البلدين الشقيقين المغرب والجزائر، والتطورات المتلاحقة في هذا الربع الأول من القرن الحاضر، ألا يحق لنا أن نقول مقتبسين (ببعض التصرف) بيت الشعر المعروف: "ألا ليت الشباب يعود يوماً... فأخبره بما فعل المشيب" لنقول: "ألا ليت الاحتلال يعود إلينا لنحدثه بما فعل الاستحلال فينا!؟" ولمعرفة معنى "الاستحلال" المتناسبة والمتطابقة تقريبًا مسطريًا مع موضوع هذا المقال (نحيلكم على مقالنا في "عربي 21" ليوم 10 يوليو 2023)، وللحديث بقية عن "الاستحلال" في الاستقلال الذي أصبح مهددًا بالزوال لصالح الاحتلال إن لم تراعِ الأجيال الوارثة اللاحقة عوامل الدعم والاستكمال التي خطط لها وضحى من أجلها قوافل الشهداء بالملايين من الأجيال السابقة!؟