كيف أسقطت الحرب على إيران شعار "أمريكا أولا"؟ رؤية نقدية

الحرب كشفت أن الترامبية، رغم فعاليتها الانتخابية، كشفت عن محدوديتها عندما اصطدمت بوقائع الجغرافيا السياسية.. الأناضول
لقد كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية تتويجا لصعود تيار شعبوي أعاد تعريف السياسة الأمريكية حول شعار بسيط وواضح: "أمريكا أولا".

هذا الشعار لم يكن مجرد عبارة دعائية، بل كان يعبر عن تعاقد سياسي بين ترامب وقاعدته الانتخابية، التي رأت فيه الرجل القادر على إنهاء "الحروب التي لا تنتهي" وإعادة الجنود الأمريكيين إلى الوطن، وتوجيه موارد الدولة إلى الداخل بدل تبديدها في حروب خارجية تستنزف المقدرات الاقتصادية والعسكرية للشعب الأمريكي، وهي الفكرة التي نجحت في تأجيج مشاعر قاعدة انتخابية عريضة ضد النخب السياسية السابقة، ولاسيما ضد نخب الحزب الديموقراطي ..

لكن هذا الخطاب الانتخابي الذي ساهم في توسيع قاعدة "الترامبية" سيصطدم باختبار جدي وسيتعرض للحظة انكشاف تاريخية مع قرار الحرب ضد إيران..

من "أمريكا أولا" إلى خدمة "أولويات الآخرين"..

من المؤكد أن الناخب الأمريكي لم يصوت  من أجل خوض حرب جديدة في الخليج، بل صوت ضد هذا النوع من الحروب تحديدا، اقتناعا بخطاب ترامب الذي تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحروب في المنطقة والاهتمام بتطوير الاقتصاد الأمريكي وضمان مكانة الريادة عالميا في مواجهة التنين الصيني الصاعد بقوة، غير أن الهجوم العسكري المباغت ضد طهران، والانقلاب على المفاوضات التي كانت على وشك الوصول إلى اتفاق ثنائي لحل القضايا الخلافية بين الطرفين، سمح للكثير من المراقبين باستنتاج أن هذه الحرب جاءت استجابة مباشرة لاعتبارات أمنية واستراتيجية تخص حكومة نتنياهو أكثر مما تعكس مصلحة قومية أمريكية واضحة.

وهنا ظهر التناقض الصارخ: كيف لرئيس بنى شرعيته على رفض التورط الخارجي أن يجد نفسه في قلب مواجهة إقليمية بأبعاد دولية معقدة، مفتوحة على كل الاحتمالات، بلا هدف سريع، ولا مكسب مباشر يمكن تسويقه للناخب الأمريكي، خاصة مع حالة اللاحرب واللاسلم السائدة حاليا بعد فشل مفاوضات إسلام آباد بين الطرفين؟

كيف لرئيس بنى شرعيته على رفض التورط الخارجي أن يجد نفسه في قلب مواجهة إقليمية بأبعاد دولية معقدة، مفتوحة على كل الاحتمالات، بلا هدف سريع، ولا مكسب مباشر يمكن تسويقه للناخب الأمريكي، خاصة مع حالة اللاحرب واللاسلم السائدة حاليا بعد فشل مفاوضات إسلام آباد بين الطرفين؟
لقد تسبب هذا الوضع في خلق صدمة داخل قاعدة حركة "ماكا MAGA": Make America Great Again movement التي تعني: "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وهي حركة قومية، انعزالية، محافظة لا تؤمن كثيرا بدور "الشرطي العالمي"، وكان خصمها الأول المعلن دائما يتجسد في الداخل: النخب، الإعلام، الهجرة، الحرب الثقافية.. ولذلك فإن وعيها لم يستوعب كيف تغير مسرح الصراع فجأة، وأصبح العدو خارجيا!!

إن جمهور ترامب لا يفهم هذه الحرب البحرية والجيوسياسية المعقدة ولا يرى فيها مصلحته اليومية، وهو ما ينذر بشرخ عميق داخله، خصوصا وهو يعاين تحول الخطاب الشعبوي لترامب من خطاب ضد النخب إلى تنفيذ أجندة جيوسياسية تبدو أقرب إلى حسابات تلك النخب نفسها، وخدمة مصالحها، وهو ما يجعل هذه الحرب تفقد مشروعيتها الأخلاقية تدريجيا، وتفرز انقساما داخليا متعدد الأبعاد: بين ترامب وقاعدته الانتخابية ومؤسسات الدولة التقليدية من جهة، وبينه وبين حلفائه الخارجيين في أوروبا وغيرها من جهة أخرى.

لكن، هل يتعلق الأمر، فعلا، بتغير عميق في العقيدة الترامبية أم بالوقوع في فخ نتنياهو وفي خطأ تقدير ميزان القوى مع إيران وعدم توقع أوراقها الجيوسياسية..؟

كيف اتخذ الرئيس ترامب قرار الحرب على إيران؟ وما دور نتنياهو؟

يظهر بأن قرار الحرب على إيران لم يكن نتيجة مسار مؤسساتي تقليدي داخل الدولة الأمريكية، بقدر ما كان نتيجة تفاهم سياسي وشخصي بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وهو اتفاق يستند إلى تصور أمني إسرائيلي قديم يعتبر أن الطريق إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط يمر عبر كسر "العقدة الإيرانية"، هذا التلاقي هو ما دفع المفكر الأمريكي جيفري ساكس إلى وصف هذه الحرب بأنها "حرب أوهام"، لأنها بنيت على تقديرات خاطئة حول إمكانية إخضاع إيران بالقوة، ولأنها تفتقر إلى أي دعم دولي حقيقي أو غطاء سياسي واقعي.

فمنذ سنوات، بنى نتنياهو سردية استراتيجية داخل واشنطن تقوم على اعتبار إيران تمثل تهديدا وجوديا على أمن إسرائيل، ليس فقط عبر برنامجها النووي، بل من خلال شبكات النفوذ الإقليمي في لبنان وسوريا والعراق واليمن.. هذه السردية حولت إيران في الذهنية السياسية الأمريكية من خصم إقليمي إلى خطر استراتيجي عالمي، وهو ما دفع نتنياهو إلى الاستثمار في شخصية ترامب الذي يميل إلى القرارات الكبرى ذات الطابع الاستعراضي، ويفضل "الصفقات الكبرى" و"الضربات الحاسمة" بدل المسارات الدبلوماسية الطويلة.

لقد بدأت العديد من الأصوات الفكرية العاقلة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا تعتقد بأن جوهر الصراع في المنطقة هو القضية الفلسطينية، وأن إسرائيل، منذ عقود، تتبنى عقيدة أمنية تقوم على إدارة الصراع بدل حله، وتعمل على توسيع دائرة المواجهات الخارجية لتخفيف الضغط عن جوهر الأزمة المتمثل في الاحتلال..
لقد نجح نتنياهو في تقديم هذه الحرب على أنها فرصة تاريخية لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة وتحقيق "نصر سريع" وتم تقديم تقديرات تفيد بأن إيران تعاني اقتصاديا، وأن ضربات مركزة كفيلة بإرباك النظام ودفعه إلى الانهيار أو التراجع الجذري، وهو ما وصفه ساكس بـ"الوهم الاستراتيجي"، إذ لم تتحقق أي من هذه التوقعات، ومن المؤكد، طبعا، أن نتنياهو استفاد من نفوذ اللوبيات الداعمة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ومن المناخ السياسي الذي يميل تقليديا إلى تبني الرؤية الأمنية الإسرائيلية، خصوصا في القضايا المرتبطة بإيران.

لكن هذه المقاربة فشلت، لأنها عجزت عن إخضاع دولة بحجم إيران عبر الضربات العسكرية، بل بالعكس أدت إلى كلفة جيوسياسية غير متوقعة تمثلا في ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة وتوسع دوائر التوتر بعد إغلاق مضيق هرمز.

الجغرافيا السياسية التي لم ينتبه لها ترامب.. مضيق هرمز ورد الفعل الإيراني..

في الحسابات العسكرية التقليدية، تمتلك الولايات المتحدة تفوقا ساحقا، لكن الحرب مع إيران ليست تقليدية، لأن عنصر الحسم لا يكمن في البر أو الجو، بل في البحر: مضيق هرمز.

هذا الممر الضيق، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط العالمية، منح طهران ميزة استراتيجية وجعلها تهدد الملاحة وترفع كلفة التأمين والشحن وتربك أسواق الطاقة، وهو ما منحها القدرة على استنزاف الوجود البحري الأمريكي انطلاقا من عامل الوقت وليس بواسطة النار..

وهنا سقط ترامب في مفارقة صارخة مع خطابه الشعبوي، فترامب، رجل "الصفقات السريعة" وجد نفسه في حرب بطيئة، مكلفة، بلا نهاية قريبة، بحيث فرضت الجغرافيا منطقها وأفقدت الشعبوية الترامبية ميزتها الأساسية المتمثلة في القدرة على الحسم السريع القابل للتسويق السياسي..

يظهر بأن قرار الحرب على إيران لم يكن نتيجة مسار مؤسساتي تقليدي داخل الدولة الأمريكية، بقدر ما كان نتيجة تفاهم سياسي وشخصي بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وهو اتفاق يستند إلى تصور أمني إسرائيلي قديم يعتبر أن الطريق إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط يمر عبر كسر "العقدة الإيرانية"،
بل إن ترامب سيجد نفسه في حرج كبير وهو يستجدي دعم الحلفاء للانخراط في حرب مكلفة لتحرير مضيق هرمز!!

وهو ما يتعارض مع عقيدة "أمريكا أولا"، التي كان يفترض معها أن تكون أي مواجهة خارجية محددة الهدف، قصيرة الأمد، ومسنودة بشرعية واضحة. لكن هذه الحرب افتقدت لتفويض دولي صريح، وأظهرت ترددا أوروبيا واضحا مع غياب حماس حقيقي لدى الحلفاء، وهكذا بدأت الهوة تتسع بين واشنطن وبعض شركائها الغربيين، وظهر ترامب معزولا نسبيا بسبب قرار غير محسوب جيدا ومكلف سياسيا واستراتيجيا، وبسبب التغاضي عن جوهر المشكل المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

في الحاجة للانتباه إلى الجذور الحقيقية للتوتر..إنها فلسطين وليست إيران

لقد بدأت العديد من الأصوات الفكرية العاقلة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا تعتقد بأن جوهر الصراع في المنطقة هو القضية الفلسطينية، وأن إسرائيل، منذ عقود، تتبنى عقيدة أمنية تقوم على إدارة الصراع بدل حله، وتعمل على توسيع دائرة المواجهات الخارجية لتخفيف الضغط عن جوهر الأزمة المتمثل في الاحتلال..

وبهذا المعنى، تصبح الحرب على إيران امتدادا لعقيدة الهروب إلى الأمام، ومحاولة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بطريقة تسمح بتكريس الأمر الواقع في فلسطين.

ولذلك فإن العديد من المراقبين بدأوا يربطون إنهاء التوتر مع إيران بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية، واعتبار استمرار الاحتلال هو الذي يغذي بيئة الصراعات ويمنح إيران وغيرها مبررا سياسيا وأيديولوجيا للحضور الإقليمي، وأن غياب حل عادل وفق القانون الدولي سيجعل المنطقة قابلة للاشتعال عند كل أزمة، ولذلك فإن إنهاء الحرب، وفق هذا التصور، لا يتحقق عبر مزيد من الضربات، بل عبر العودة إلى الحلول السياسية وإطلاق مسار جدي لإقامة الدولة الفلسطينية ..

والخلاصة..

أن إيران لم تهزم أمريكا، ولكنها وضعت الترامبية في مأزق، بحيث ظهر أن طهران نجحت في إفشال مخطط الحرب الخاطفة ووضعت ترامب في وضع سياسي يصعب تبريره أمام ناخبيه، فالحرب كشفت أن الترامبية، رغم فعاليتها الانتخابية، كشفت عن محدوديتها عندما اصطدمت بوقائع الجغرافيا السياسية، وبين الشعار والممارسة، ظهر التناقض الذي لا يمكن إخفاؤه، وبدت الجغرافيا أقوى من الشعبوية. كما أن الحرب على إيران، لا يمكنها أن تتجاهل الحقيقة المركزية في المنطقة، وهي قضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فرغم نجاح نتنياهو في إقناع ترامب بخوض هذه الحرب عبر سردية أمنية مضخمة ووهم الحسم السريع، فإن الواقع أثبت أن القوة العسكرية لا تعالج جذور الأزمات، وأن الطريق الأقصر نحو تهدئة المنطقة وإنهاء التوتر المزمن لا يمر عبر طهران، بل عبر القدس ورام الله وغزة..