لقد نشأت
حركة فتح في منتصف الخمسينات في
أوساط اتحاد طلبة
فلسطين الموجود في القاهرة، وكان من أبرز قادة هذا الاتحاد عام
1954، الطالب ياسر عرفات. ثم انتقل ياسر عرفات عام 1957 إلى العمل في
الكويت، وهناك وسع اتصالاته مع أناس آخرين في الكويت خصوصاً، ووسع اتصالاته
بفلسطينيين آخرين قادمين للعمل في الخليج عموماً.
ومن المؤكد أن كثيراً من
الفلسطينيين في مناطق مختلفة من مناطق الشتات فكروا بمثل ما فكر به ياسر عرفات
ورفاقه في القاهرة، وقد التقى ياسر عرفات ممن فكروا بمثل تفكيره، وهو القيام
بالتجمع والعمل من أجل تحرير فلسطين، لذلك نستطيع أن تعتبر أن "حركة
فتح" التي قادها ياسر عرفات، وقادت العمل الفدائي، كانت حصيلة عدة حركات
وجماعات وتجمعات فلسطينية قامت في جميع بلدان الشتات الفلسطيني وهي: مصر وسورية
ولبنان والأردن والعراق، ثم تبلور اجتماع هذه الحركات المختلفة بعد أن توحدت في
الخليج وأصبح لها عنوان واحد هو "حركة تحرير فلسطين" الذي اختصر بكلمة
واحدة "حركة فتح".
ونحن من أجل أن ندرس "حركة فتح"
ونقوّم مسارها، سندرسها من خلال تقسيم مسيرتها إلى ثلاث مراحل:
ـ المرحلة الأولى ـ 1954 إلى 1969، تبدأ من
النشأة إلى أن استلم ياسر عرفات رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت
"حركة فتح" هي الجسم الرئيسي المستولي على منظمة التحرير.
ـ المرحلة الثانية ـ 1969 إلى 1993، وهي
المرحلة التي تمتد من نهاية عام 1968 وهي سيطرة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية
إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993.
ـ المرحلة الثالثة ـ 1993 إلى الآن، وهي
المرحلة التي اعترفت فيها منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل واستلمت السلطة في
غزة وبعض أجزاء الضفة الغربية.
وسنسجل الملاحظات على كل مرحلة من المراحل.
المرحلة الأولى: 1954 ـ 1969:
1 ـ لقد قامت "حركة فتح" على أساس
وطني فقط، وهي القضية الفلسطينية، في الوقت الذي كانت تعج فيه المنطقة بالصراع
الأيديولوجي الإسلامي، والشيوعي، والقومي العربي، فقد كانت هناك نزعة وطنية لدى
هذه الأيديولوجيات لكنها مرتبطة بالفكر الإسلامي أو الشيوعي أو القومي العربي،
لذلك نستطيع أن تقول إن أول تجربة وطنية مجردة عن البعد الأيديولوجي في العصر
الحديث، كانت تجربة "حركة فتح" وفي مجال القضية الفلسطينية.
لقد قامت "حركة فتح" على أساس وطني فقط، وهي القضية الفلسطينية، في الوقت الذي كانت تعج فيه المنطقة بالصراع الأيديولوجي الإسلامي، والشيوعي، والقومي العربي، فقد كانت هناك نزعة وطنية لدى هذه الأيديولوجيات لكنها مرتبطة بالفكر الإسلامي أو الشيوعي أو القومي العربي، لذلك نستطيع أن تقول إن أول تجربة وطنية مجردة عن البعد الأيديولوجي في العصر الحديث، كانت تجربة "حركة فتح" وفي مجال القضية الفلسطينية.
ولقد أدى هذا الموقف إلى هشاشة بناء
"حركة فتح" لذلك لم تؤثر "حركة فتح" تأثيراً قوياً في مجال
القضية الفلسطينية بسبب الموقف الوطني غير المرتبط بأي بعد آخر أيديولوجي.
2 ـ يلاحظ الفاحص لتاريخ الرعيل الأول الذين
قادوا "حركة فتح" أن أغلبهم كانوا من ـالإخوان المسلمين ـ في المرحلة
السابقة على "حركة فتح"، ومن هؤلاء: خليل الوزير، صلاح خلف، يوسف
النجار، كمال عدوان، رفيق النتشة، سليم الزعنون، علي الحسن إلخ....، وهذا سيستدعي
سؤالاً هو: لماذا جاء هذا الرعيل من "الإخوان المسلمين" إلى "حركة
فتح"؟ ولماذا ترك هذا الرعيل "الإخوان المسلمين"؟
السبب في ذلك هو ما فعله حسن الهضيبي المرشد
الثاني "للإخوان المسلمين" في الخمسينيات من إلغاء للجهاز السري في
الإخوان المسلمين، ومن وضع استراتيجية جديدة للإخوان تقوم على شعار أنه "ليس
هناك سرية ولا عنف في الدعوة إلى الله"، وقد استتبع هذا الموقف إلغاء أي عمل عسكري
أو جهادي في بناء الجماعة، لذلك استقطبهم ياسر عرفات في "حركة فتح"
لأنهم وجدوا ما يرضي رغبتهم بضرورة قتال العدو الإسرائيلي، وهذا ما يفسر غياب
التيار الإسلامي عن العمل الفدائي في الستينات، واقتصاره على "حركة فتح"
والحركات اليسارية.
3 ـ لقد أدى اعتماد "حركة فتح" على
الوطنية الفلسطينية مجردة من أي بعد أيديولوجي، أن ترضى "حركة فتح" بأن
تتعامل مع الدول العربية دون أن تتدخل في شؤونها الداخلية بكل معنى الكلمة، وهذا
يستتبع عدم إصدار أي رأي في منهجية الدولة التي تسير عليها، وعن علاقتها بشعبها،
مع أن كل تفصيلات المنهج وصورة علاقتها بشعبها سينعكس أثره على سلامة وضع الدولة،
وقدرتها على مواجهة العدو الصهيوني، وعندما تصرفت "حركة فتح" هذا التصرف
فهي قد اعتبرت قضية فلسطين قضية قطرية والحقيقة إن قضية فلسطين ليست قضية قطرية بل هي جزء من قضية أمة مرتبطة مع
جميع الدول العربية والإسلامية بعوامل فكرية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية
إلخ...، وبمقدار ما تأخذ هذه العوامل مسارها الصحيح بمقدار ما تكون الأمة قد أصبحت
أقوى وأصبحت أقدر على الانتصار على الأعداء في إسرائيل، لذلك فإن اعتبار
"حركة فتح" بأن قضية فلسطين قضية قطرية وإغفالها للعوامل التي تبني
الأمة والتي تهدمها جعل نظرها قاصراً وتأثيرها محدوداً.
المرحلة الثانية: 1969 ـ 1993:
وهي المرحلة التي ابتدأت باستلام ياسر عرفات
قيادة منظمة التحرير وحصول "حركة فتح" على الحصة الكبرى من جسم منظمة
التحرير في حين حصلت الحركات الأخرى الفدائية على أجزاء أقل من جسم منظمة التحرير.
وقد حل ياسر عرفات في رئاسة منظمة التحرير
بعد أن تمت إزاحة أحمد الشقيري في نهاية عام 1967، وكان جمال عبد الناصر هو وراء
هذا التغيير والسبب أن جمال عبد الناصر أراد أن يمتص جانباً من الغضب الشعبي الذي
ساد الشارع العربي بعد نكسة عام 1967 والهزيمة المخزية التي أوقعتها إسرائيل في
ثلاثة جيوش عربية وعلى رأسها: الجيش المصري.
ومن أجل أن يعطي جانباً من الأمل للجماهير
وبعد أن أصابها يأس وإحباط كبيران إثر نكسة 1967 وساعد عبد الناصر العمل الفدائي
عربياً في ساحات الأردن ولبنان، ودولياً بأن زكاه عند الاتحاد السوفيتي.
ولكن العمل الفدائي اصطدم مع الجيش الأردني
عام 1970، فأخرج الجيش الأردني الفدائيين من الأردن عام 1971، ثم أخرجت إسرائيل
العمل الفدائي من لبنان عام 1982 بعد أن حاصرت إسرائيل بيروت.
ثم قامت الانتفاضة عام 1987، وبرز فيها دور
التيار الإسلامي، وتصدر العمل الفدائي في غزة والضفة حركتان هما: حركة المقاومة
الإسلامية (حماس)، وحركة الجهاد الإسلامي (سرايا القدس)، ثم أعلن الملك حسين فك
ارتباط الأردن بالضفة الغربية في 31/ تموز(يوليو) 1988، وبالتالي انتهت مسؤوليته
السياسية عن الضفة وهنا أعلنت منظمة التحرير انتقال مسؤولية الضفة الغربية سياسياً
إليها، وعقدت مؤتمراً في الجزائر وأعلن ياسر عرفات قيام الدول الفلسطينية في 15/
تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1988.
حل ياسر عرفات في رئاسة منظمة التحرير بعد أن تمت إزاحة أحمد الشقيري في نهاية عام 1967، وكان جمال عبد الناصر هو وراء هذا التغيير والسبب أن جمال عبد الناصر أراد أن يمتص جانباً من الغضب الشعبي الذي ساد الشارع العربي بعد نكسة عام 1967 والهزيمة المخزية التي أوقعتها إسرائيل في ثلاثة جيوش عربية وعلى رأسها: الجيش المصري.
وقد بنت منظمة التحرير على كونها أصبحت
مسؤولة سياسياً عن الضفة الغربية بأن الضفة قد تحررت، لذلك أعلن باسر عرفات قيام
الدولة الفلسطينية في الجزائر، وفي الحقيقة إن هذا التحرير ليس تحريراً حقيقياً بل
تحريرٌ موهوم، لأن ياسر عرفات عندما أعلن قيام الدولة لم يكن يملك أي سيادة على
الضفة، لا سيادة عسكرية ولا اقتصادية ولا إدارية إلخ...، وقد أقدم الملك حسين على
إعلان فك ارتباط الأردن بالضفة من أجل أن يتخلص من الضغط الشعبي الذي مارسته
انتفاضة الحجارة عام 1988 على الأردن وإن انتقال المسؤولية السياسية على الضفة من
الأردن إلى منظمة التحرير لا يعني تحريراً حقيقياً للضفة وهذا هو الوهم الكبير
الذي وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية.
المرحلة الثالثة: 1993 ـ إلى الآن.
بعد أن أعلن ياسر عرفات عن إقامة الدولة
الفلسطينية في 15/ تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 تفاوض سراً مع إسرائيل في أوسلو،
وحاول الطرفان أن يجهضا "انتفاضة الحجارة" ليحولا دون أن يقطف
الإسلاميون ثمرة من "انتفاضة الحجارة"، فتوصلا إلى اتفاقية أوسلو وتم
توقيعها من قبل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كلينتون، وياسر عرفات، وإسحق
رابين في أيلول من 1993 في واشنطن، وقد منحت اتفاقيات أوسلو 1993 لياسر عرفات أن
يكون رئيساً لسلطة فلسطينية ضمت غزة وقسماً من الضفة الغربية، وقد اعتبرت منظمة
التحرير نفسها دولة، وأنها حررت الضفة، ولكنها جهلت أو تجاهلت أن هذا التحرير
منقوص، فالتحرير الحقيقي ـ في الأصل ـ أن تكون سيداً للضفة تملك ـ وحدك ـ السلطات
العسكرية والأمنية والسياسية والإدارية فيها، في حين أن ياسر عرفات لم يكن يملك
شيئاً من هذه السلطات، بل كان يملك فقط سلطات إدارية وأمنية على بعض المناطق في
الضفة، ولا يملك سلطة على المعابر، ولا يملك حرية إدخال ما يريد وإخراج ما يريد،
لذلك كان التحرير الذي بنى عليه سلطته تحريراً منقوصاً أو شبه معدوم.
وبعد أن اغتال الصهاينة ياسر عرفات وجاء
محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، سيطرت
"حماس" على غزة في عام 2007، وبدأ الصراع بين السلطة في رام الله بقيادة
محمود عباس وبين حماس برئاسة اسماعيل هنيه، وبهذا خرجت غزة من سيطرة ونفوذ السلطة
في رام الله.
وبدأ نفوذ السلطة يتراجع حتى في الضفة لأن
إسرائيل بدأت تنقض ما تعهدت به فبدأت بتوسيع المستوطنات، وبهذا قضمت كثيراً من
أراضي الضفة وضمتها إلى إسرائيل، ونقضت الاتفاقات الأمنية التي وقعتها، فتدخلت في
المناطق الأمنية الواقعة تحت مسؤولية السلطة واعتقلت الفلسطينيين حسب أهوائها
ومصالحها، ثم جاء ترامب في مشروع الديانة الإبراهيمية، الذي دخلت الإمارات
والبحرين في كنفه، واعترف بأن القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارته إليها في عام
2017.
إن كل هذه الأعمال أضعفت السلطة الفلسطينية
في رام الله، وجعلت دورها الأساسي متركزاً بدور أمني لحماية إسرائيل ومصالحها،
ومراقبة الشعب الفلسطيني لصالح الأمن الإسرائيلي، وجاءت هذه النهاية مخزية بحق
الثورة الفلسطينية وتضحيات الشعب الفلسطيني.
لقد تعثرت "حركة فتح" ولم توصل
شعبها الفلسطيني إلى التحرير بسبب أخطاء وقصور في بنائها الفكري من جهة، وإلى
استعجال قيادتها السياسية في قطف الثمرة قبل أوانها من جهة ثانية.
نشأت "حركة فتح" حصيلة اجتماع عدة حركات فلسطينية في عدد من بلدان هجرة الفلسطينيين، وامتازت "حركة فتح" بأنها كانت حركة وطنية دون بعد أيديولوجي، وقد جاء معظم قيادات الصف الأول فيها من جماعة "الإخوان المسلمين"
الخلاصة: نشأت "حركة فتح" حصيلة
اجتماع عدة حركات فلسطينية في عدد من بلدان هجرة الفلسطينيين، وامتازت "حركة
فتح" بأنها كانت حركة وطنية دون بعد أيديولوجي، وقد جاء معظم قيادات الصف
الأول فيها من جماعة "الإخوان المسلمين"، وقد بنت "حركة فتح"
استراتيجيتها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وقد نتج عن هذا
الموقف تحويل قضية فلسطين إلى قضية قطرية لا علاقة لها بالأمة، وهذا مخالف للواقع
التاريخي والجغرافي الذي يحكم القضية الفلسطينية.
لقد سلّم جمال عبد الناصر منظمة التحرير
لياسر عرفات و"حركة فتح" لأنه أراد أن يمتص العمل الفدائي جانباً من
الغضب والنقمة والإحباط الذي أصاب الأمة بعد نكسة عام 1967 ثم أعلن الملك حسين فك
ارتباط الأردن علاقته السياسية بالضفة وبهذا انتقلت المسؤولية السياسية عن الضفة
الغربية إلى منظمة التحرير في 31 تموز 1988 وأعلن ياسر عرفات قيام الدولة
الفلسطينية في 15/ تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، ثم وقع ياسر عرفات اتفاقات أوسلو
مع إسحق رابين في واشنطن 1993 بعد مفاوضات سرية في أوسلو، ودخل بعدها ياسر عرفات
إلى غزة، وأقام سلطة في رام الله، ولكنها سلطة منقوصة لأنها مبنية على تحرير ناقص،
لا يملك سيادة حقيقية في مختلف مجالات الضفة الغربية العسكرية والسياسية
والاقتصادية والأمنية بل كل ذلك بيد إسرائيل.
ثم سيطرت حركة حماس على غزة في عام 2007، ثم
تناقصت سلطة محمود عباس نتيجة قضم الاستيطان لأراضي الضفة، ونقض إسرائيل لكل
عهودها في اتفاقيات أوسلو، وانتهى دور السلطة بأن يقتصر ـ بكل أسف ـ على دور الحماية
الأمنية لإسرائيل، وقد كان هذا بسبب قصور بنيوي وسياسي في تركيبة "حركة فتح".