منذ عقود طويلة كانت الوحدة تُفهم باعتبارها
تجربة نفسية فردية ترتبط بظروف شخصية أو إخفاقات اجتماعية محدودة. لكن التحولات
الكبرى التي شهدها العالم خلال العقد الأخير، وخاصة بعد جائحة كورونا وصعود
المنصات الرقمية، دفعت العديد من الباحثين والمفكرين إلى إعادة النظر في هذه
الظاهرة بوصفها قضية سياسية ومجتمعية ذات آثار عميقة على استقرار الديمقراطيات
وأنماط الانتماء الاجتماعي.
في هذا السياق تطرح الكاتبة البريطانية
أوليفيا لاينغ في مقال نشرته أمس الأحد في
صحيفة "الغارديان"
البريطانية، رؤية لافتة تعتبر أن الوحدة لم تعد مجرد شعور مؤلم يعيشه الأفراد، بل
تحولت إلى مورد سياسي يمكن استثماره وتوجيهه، بل وحتى "تسليحه" من قبل
الحركات الشعبوية والمتطرفة.
من التجربة الشخصية إلى الظاهرة الاجتماعية
تنطلق لاينغ من تجربتها الشخصية مع العزلة
بعد انتقالها إلى نيويورك وانتهاء علاقة عاطفية كانت تعوّل عليها كثيرًا. غير أن
أهمية طرحها لا تكمن في السرد الذاتي، بل في انتقالها من الخاص إلى العام؛ إذ ترى
أن الوحدة ليست دائمًا نتيجة فشل شخصي، بل كثيرًا ما تكون نتاج بنى اجتماعية
واقتصادية وسياسية تُقصي فئات معينة من المجتمع.
هذا التحول في فهم الوحدة يمثل قطيعة مع
النظرة التقليدية التي تُحمّل الفرد مسؤولية عزلته. فالفقر، والهجرة، والتمييز
العرقي، والتهميش الثقافي، كلها عوامل تساهم في إنتاج مشاعر الانفصال عن المجتمع،
حتى في أكثر المدن ازدحامًا وحداثة.
ومن هنا تكتسب الوحدة بعدًا سياسيًا؛ لأنها
تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة وعن قدرة المجتمع على دمج أفراده أو
استبعادهم.
العصر الرقمي وإعادة تشكيل العزلة
المفارقة التي تشير إليها لاينغ هي أن
الإنترنت الذي بدا في بداياته وسيلة لتوسيع دوائر التواصل أصبح في كثير من الأحيان
أداة لتعميق الانعزال. فبدل أن تخلق المنصات الرقمية فضاءً عامًا
مشتركًا، أدت الخوارزميات إلى تقسيم المستخدمين إلى جزر معرفية منفصلة، يعيش كل
منها داخل منظومة خاصة من الأخبار والأفكار والتصورات. ومع تراجع اللقاءات
المباشرة وتزايد الاعتماد على التفاعل الافتراضي، أخذت الروابط الاجتماعية
التقليدية بالتآكل تدريجيًا.
ولا يقتصر الأمر على فقدان العلاقات
الواقعية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته؛ إذ أصبح الأفراد أكثر عرضة للتأثر
بالمحتويات التي تعزز مشاعر الغضب والاستياء والاغتراب، لأنها تحقق معدلات أعلى من
التفاعل الرقمي.
الوحدة بوابة للتطرف
أكثر
أطروحات لاينغ إثارة للنقاش هي الربط
بين الوحدة وصعود الحركات اليمينية المتطرفة.
فالإنسان المعزول لا يبحث فقط عن الصحبة، بل
يبحث أيضًا عن معنى وانتماء وتفسير لمعاناته. وعندما تعجز المؤسسات التقليدية ـ
الأسرة والمدرسة والأحزاب والجمعيات المدنية ـ عن توفير هذا المعنى، تظهر جماعات
أيديولوجية تقدم إجابات جاهزة ومبسطة.
عالم تتزايد فيه العزلة الرقمية وتتراجع فيه الروابط الاجتماعية التقليدية، يبدو أن المعركة ضد التطرف والكراهية ليست فقط معركة أفكار، بل هي أيضًا معركة من أجل استعادة الإنسان لشعوره بالانتماء والاعتراف والقدرة على بناء علاقات ذات معنى داخل المجتمع.
في هذا السياق تصبح الوحدة بيئة خصبة
للتجنيد السياسي. فالشعور بالتهميش يمكن إعادة تفسيره باعتباره نتيجة
"مؤامرة" من النخب، أو بسبب المهاجرين، أو الأقليات، أو النساء، أو أي
فئة أخرى تُقدَّم بوصفها سببًا للمشكلة.
وهنا يتحول الألم الشخصي إلى غضب سياسي،
وتتحول الحاجة إلى الانتماء إلى استعداد للانخراط في مشاريع إقصائية أو عدائية.
"المانوسفير"
وأزمة الذكورة المعاصرة
تُبرز لاينغ مثال ما يُعرف
بـ"المانوسفير"
(Manosphere)، وهو فضاء إلكتروني واسع يجمع تيارات مختلفة
تدور حول تصورات متشددة للرجولة والعلاقات بين الجنسين.
تقوم هذه البيئات الرقمية على استقطاب
الشباب الذين يعانون من العزلة أو الفشل العاطفي أو الشعور بالرفض الاجتماعي، ثم
تقدم لهم تفسيرًا جاهزًا لمشكلاتهم يقوم على تحميل النساء أو التحولات الثقافية
الحديثة مسؤولية معاناتهم.
تكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يحوّل التجارب
الإنسانية الطبيعية ـ كالرفض أو الفشل أو الوحدة ـ إلى سردية صراع جماعي، ويمنح
الأفراد إحساسًا زائفًا بالقوة والانتماء، بينما يدفعهم في الواقع إلى مزيد من
الانغلاق والكراهية. ومن ثم فإن ما يُقدَّم كعلاج للوحدة يتحول
إلى آلية لإعادة إنتاجها بصورة أكثر حدة.
هل تكفي المقاربة الثقافية؟
رغم أهمية تشخيص لاينغ، فإن تفسير صعود
اليمين المتطرف من خلال الوحدة وحدها يظل غير كافٍ.
فالتطرف المعاصر يرتبط كذلك بأزمات اقتصادية
عميقة، وتراجع الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين النخب والجمهور، وتآكل الثقة
بالمؤسسات السياسية. كما أن الشعور بفقدان الهوية الثقافية في ظل العولمة والهجرة
يلعب دورًا مهمًا في تشكيل النزعات الشعبوية.
لذلك يمكن النظر إلى الوحدة باعتبارها
عاملًا مفاقمًا لهذه الأزمات، لا سببًا وحيدًا لها. إنها توفر الأرضية النفسية
التي تجعل بعض الأفراد أكثر قابلية لتبني الخطابات المتطرفة، لكنها لا تفسر
بمفردها الظاهرة بأكملها.
من هي أوليفيا لاينغ؟
أوليفيا لاينغ Olivia Laing هي كاتبة وناقدة ثقافية بريطانية معاصرة،
اشتهرت بدمج التجربة الشخصية بالتحليل الاجتماعي والثقافي. تنتمي إلى تيار من
الكتاب الذين يدرسون قضايا الوحدة والهوية والجسد والاغتراب في المجتمعات الحديثة،
مع اهتمام خاص بتأثير الرأسمالية والثقافة الرقمية والتحولات الاجتماعية على حياة
الأفراد. يُعد كتابها The Lonely
City من أبرز أعمالها، حيث حولت تجربة الوحدة من موضوع نفسي
فردي إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق الدراسة.
وتتميز أطروحات لاينغ بقوة التشخيص؛ فهي
تلفت الانتباه إلى أن الوحدة ليست مجرد مشكلة شخصية، بل ترتبط أحيانًا بالتهميش
الاجتماعي والاقتصادي وتفكك الروابط المجتمعية. كما أن ربطها بين العزلة الرقمية
وقابلية بعض الأفراد للانجذاب إلى الخطابات المتطرفة يسلط الضوء على جانب مهم من
أزمات المجتمعات الغربية المعاصرة.
لكن يمكن توجيه عدة ملاحظات نقدية إلى طرحها:
ـ المبالغة في تفسير الظواهر السياسية عبر
الوحدة: تربط لاينغ بين الوحدة وصعود الحركات الشعبوية والمتطرفة، لكن هذا الربط
قد يمنح العامل النفسي وزنًا أكبر مما يحتمل. فالتطرف والشعبوية يرتبطان أيضًا
بعوامل اقتصادية وسياسية وثقافية مثل التفاوت الاجتماعي، وأزمات الهوية، وتراجع
الثقة بالمؤسسات.
ـ ضعف الاهتمام بمسألة المعنى: تركز لاينغ
على العلاقات الاجتماعية والانتماء، لكنها لا تتناول بعمق سؤال: ما الذي يمنح
الإنسان معنى لحياته؟ قد يكون الفرد محاطًا بعلاقات اجتماعية كثيرة ومع ذلك يشعر
بالفراغ الوجودي، ما يشير إلى أن المشكلة ليست دائمًا نقص التواصل بل غياب الغاية
والمعنى.
ـ نزعة ليبرالية ثقافية: تنطلق معظم
تحليلاتها من أفق ثقافي ليبرالي غربي يركز على الفرد وحقوقه وتجربته الذاتية. لذلك
تقل مساحة الحديث عندها عن دور الدين أو التقاليد أو المؤسسات الأخلاقية المستقرة
في بناء الانتماء والتضامن الاجتماعي.
ـ التشخيص أقوى من الحلول: تقدم وصفًا
دقيقًا للعزلة وآثارها، لكن الحلول التي تطرح عادة تدور حول إعادة بناء الروابط
المجتمعية أو خلق مساحات للتواصل. تبقى هذه الحلول عامة نسبيًا ولا تجيب دائمًا عن
كيفية إعادة بناء مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة والمعنى على نطاق واسع.
يمكن القول إن أوليفيا لاينغ نجحت في إظهار
أن الوحدة قضية اجتماعية وسياسية وليست مجرد حالة نفسية فردية، لكن تفسيرها يظل
أقوى في تشخيص أعراض الأزمة منه في تفسير جذورها العميقة. فهي تشرح كيف يصبح
الإنسان معزولًا، لكنها أقل إقناعًا في الإجابة عن سؤال: ما الذي يجعل الحياة ذات
معنى ويمنح الأفراد شعورًا دائمًا بالانتماء؟ ولهذا يرى بعض النقاد أن أزمة
المجتمعات الحديثة هي، قبل أن تكون أزمة وحدة، أزمة معنى وقيم ومؤسسات جامعة.
أزمة المعنى قبل أزمة الوحدة
ومع أهمية الطرح الذي تقدمه أوليفيا لاينغ،
فإن اختزال الظاهرة في البعد النفسي أو الرقمي يظل قاصرًا عن تفسير جذور الأزمة.
فالوحدة التي تتفاقم في المجتمعات الحديثة ليست مجرد نقص في التواصل بين الأفراد،
بل هي في جوهرها تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بتآكل مصادر المعنى والقيمة والانتماء.
إن الدعوة إلى استعادة "الروابط
الإنسانية" أو "الشعور بالمجتمع" تبقى شعارًا عامًا ما لم تُطرح
الأسئلة المتعلقة بالأدوات والمؤسسات القادرة على إنتاج هذا المعنى وترسيخه.
فالإنسان لا يعيش على الاتصال الاجتماعي المجرد، وإنما يحتاج إلى منظومة قيمية
وأخلاقية تمنحه تفسيرًا لوجوده وموقعه داخل الجماعة الإنسانية.
وفي هذا السياق تبرز المؤسسات المنتجة
للمعنى باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة العزلة والتفكك. ويأتي الدين في مقدمة
هذه المؤسسات بوصفه إطارًا مرجعيًا يجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى، ويوفر منظومة
أخلاقية ومعيارية تضبط العلاقات الاجتماعية وتمنح الفرد شعورًا بالانتماء إلى
جماعة تتجاوز مصالحه الفردية المباشرة. فالدين، في وظائفه الاجتماعية والحضارية،
ليس مجرد ممارسة شعائرية، بل أحد أهم صمامات الأمان التي تنتج المعنى والقيمة
والتضامن الاجتماعي.
إلى جانب ذلك، تمثل الأسرة المؤسسة المركزية
الأولى في بناء الإنسان والمجتمع. وعندما نتحدث عن الأسرة فإن المقصود ليس مجرد
وجود أفراد تحت سقف واحد، وإنما تحقيق حالة من التوازن والتكامل بين مكوناتها
المختلفة: الرجل والمرأة والأبناء، ثم امتداد هذه الروابط إلى الدائرة العائلية
الأوسع. ففي الأسرة يتعلم الإنسان أول معاني الانتماء والمسؤولية والتضامن والثقة،
وهي القيم التي يصعب تعويضها لاحقًا عبر الفضاءات الافتراضية أو العلاقات العابرة.
كما أن المدرسة والمؤسسات التعليمية لا تؤدي
وظيفة نقل المعرفة فحسب، بل تضطلع بدور أساسي في بناء الشخصية المدنية والأخلاقية،
وفي تنمية حس المسؤولية والانخراط الإيجابي في الشأن العام. وعندما تتراجع هذه
الوظيفة التربوية لصالح التعليم التقني المجرد، يزداد خطر إنتاج أفراد يمتلكون
المهارات لكنهم يفتقدون البوصلة القيمية.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور مؤسسات المجتمع
المدني بمختلف مكوناتها الثقافية والخيرية والمهنية والشبابية، باعتبارها فضاءات
وسيطة بين الفرد والدولة، تسمح ببناء شبكات الثقة والتعاون والمشاركة المجتمعية،
وتحد من مشاعر العزلة والاغتراب.
أوليفيا لاينغ نجحت في إظهار أن الوحدة قضية اجتماعية وسياسية وليست مجرد حالة نفسية فردية، لكن تفسيرها يظل أقوى في تشخيص أعراض الأزمة منه في تفسير جذورها العميقة. فهي تشرح كيف يصبح الإنسان معزولًا، لكنها أقل إقناعًا في الإجابة عن سؤال: ما الذي يجعل الحياة ذات معنى ويمنح الأفراد شعورًا دائمًا بالانتماء؟ ولهذا يرى بعض النقاد أن أزمة المجتمعات الحديثة هي، قبل أن تكون أزمة وحدة، أزمة معنى وقيم ومؤسسات جامعة.
أما الإعلام، الذي يشكل اليوم أحد أهم مصادر
تشكيل الوعي، فيتحمل مسؤولية خاصة في هذا المجال. فبدل أن يتحول إلى أداة لإثارة
الانقسامات وتعظيم الاستقطاب وتغذية النزعات الفردانية والاستهلاكية، يفترض أن
يكون وسيلة للبناء والتوجيه وترسيخ القيم المشتركة وتعزيز ثقافة الحوار والتماسك
المجتمعي. فالإعلام الذي يكتفي بتسويق الإثارة والصراع قد يحقق نسب مشاهدة مرتفعة،
لكنه يساهم في الوقت نفسه في تفكيك الروابط التي يحتاجها المجتمع للحفاظ على
توازنه واستقراره.
ومن ثم فإن مواجهة "وباء الوحدة"
لا تتحقق فقط عبر تحسين السياسات الصحية أو تنظيم الفضاء الرقمي، وإنما تتطلب
مشروعًا مجتمعيًا متكاملًا يعيد الاعتبار للمؤسسات المنتجة للمعنى والقيم
والانتماء. فحين يضعف الدين في وظيفته الأخلاقية والاجتماعية، وتتراجع الأسرة،
وتفقد المدرسة رسالتها التربوية، ويتحول الإعلام إلى صناعة للاستقطاب، يصبح الفراغ
الناتج بيئة مثالية لتنامي العزلة والتطرف معًا. وعندها لا تعود المشكلة مجرد شعور
فردي بالوحدة، بل تتحول إلى أزمة حضارية تمس قدرة المجتمع نفسه على إعادة إنتاج
تماسكه واستمراره.
ما الذي تكشفه التجربة العربية؟
تكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة في السياق
العربي، حيث تتزايد مظاهر العزلة الاجتماعية بين الشباب نتيجة البطالة، والهجرة،
وتراجع الأطر الجماعية التقليدية، والاعتماد المتزايد على الفضاء الرقمي.
ورغم اختلاف السياقات السياسية عن الغرب،
فإن السؤال الجوهري يبقى واحدًا: كيف يمكن بناء مجتمعات توفر للأفراد شعورًا
حقيقيًا بالانتماء والمعنى والمشاركة؟
إن معالجة الوحدة لا تبدأ من العلاج النفسي
وحده، بل تتطلب إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني،
وتوفير فضاءات عامة تسمح بالتفاعل الإنساني الحقيقي بعيدًا عن استقطابات المنصات
الرقمية.
تكمن أهمية أطروحة أوليفيا لاينغ في أنها
تنقل الوحدة من دائرة المشاعر الخاصة إلى فضاء التحليل السياسي والاجتماعي.
فالوحدة ليست مجرد حالة نفسية عابرة، بل قد تصبح قوة مؤثرة في تشكيل السلوك
الجماعي والاتجاهات السياسية.
وفي عالم تتزايد فيه العزلة الرقمية وتتراجع
فيه الروابط الاجتماعية التقليدية، يبدو أن المعركة ضد التطرف والكراهية ليست فقط
معركة
أفكار، بل هي أيضًا معركة من أجل استعادة الإنسان لشعوره بالانتماء
والاعتراف والقدرة على بناء علاقات ذات معنى داخل المجتمع.