هل نعيش لحظة نهاية القانون الدولي الإنساني؟ حين تصبح جرائم الحرب خطاباً رسمياً

في الماضي، كانت الدول تنكر أو تبرر، أما اليوم، فيصرح مسؤولون بتهديدات تمس منشآت مدنية بوضوح، ويجري الإعلان الرسمي عن عمليات تدمير لبُنى تحتية دون اكتراث برد الفعل الدولي.
تعود الجذور العميقة لأنسنة الحرب إلى منهج الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يوصي أصحابه في الحروب: "لا تقطعوا شجرة، ولا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، ولا وليدا، ولا شيخا كبيرا، ولا مريضا، ولا تقتلوا راهباً في صومعته، ولا تخربوا عمرانا، ولا تغُلُّوا، ولا تغدِروا وأصلحوا وأحسنوا إنَّ اللهَ يحبُّ المحسنين".

ومنذ اعتماد أولى الاتفاقيات الإنسانية في اتفاقية جنيف الأولى، عُلقت على القانون الدولي الإنساني آمال كبيرة في أن يشكل حدا أدنى من الضوابط الأخلاقية والإنسانية داخل الحروب، وذلك عبر حماية المدنيين وضمان معاملة إنسانية للأسرى وتقييد وسائل وأساليب القتال، فكان الرهان على إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان حتى في زمن النزاعات المسلحة، مع ترسيخ فكرة أن الحرب، مهما كانت دوافعها، لا تبرر الانفلات من القواعد الأخلاقية والقانونية التي تحمي الكرامة الإنسانية.

هل ما نعيشه اليوم هو مجرد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، أم أننا أمام تفكك تدريجي للنظام القانوني الذي نشأ بعد 1945؟
وبعد تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، ساد الاعتقاد بأن البشرية نجحت أخيرا في تقييد الحرب بقواعد قانونية ملزمة، مثلتها اتفاقيات جنيف الأربع ل1949 وما تلاها من بروتوكولات وأعراف. علما أن لا أحد كان يحلم بإنهاء الحروب، ولكن كان هناك إيمان يؤمنون بإمكانية أنسنتها، ووضع ضوابط قانونية لتجنب الخسائر الكبيرة التي يمكن أن تخلفها وبالتالي تجنب تكرار ما حصل في الحربين العالميتين، ومن هذه الضوابط: حماية المدنيين وتحصين المرافق المدنية وضمان حد أدنى من الكرامة الإنسانية حتى في أقسى الظروف.

غير أن مشاهد الحروب الأخيرة، والتصريحات العلنية لقادة سياسيين وعسكريين، تفرض سؤالا مقلقا: هل ما نعيشه اليوم هو مجرد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، أم أننا أمام تفكك تدريجي للنظام القانوني الذي نشأ بعد 1945؟

خصوصا أن ما يميز المرحلة الحالية، وتحديدا منذ حرب الإبادة على غزة، هو تحول الخطابات الرسمية إلى نبرة التحريض والتهديد العلني، فالتصريحات التي يعلن فيها عن استهداف بنى تحتية مدنية أو قيادات سياسية معروفة، تعتبر في نظر القانون الدولي الإنساني بمثابة اعترافات رسمية بارتكاب جرائم حرب، فالتهديد بضرب المستشفيات أو قصف الجسور تطرح إشكالات قانونية وأخلاقية حول مدى احترام معايير التمييز والحماية المدنية في النزاعات المسلحة.

اعترافات على الهواء مباشرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية..

لقد تابعنا جميعا بشكل مباشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يهدد صراحة بتوسيع الضربات العسكرية ضد إيران لتشمل الجسور ومحطات توليد الكهرباء كخطوة قادمة في النزاع، مؤكدا أن الجيش الأميركي لم يبدأ بعد في تدمير ما تبقى من البنية التحتية المدنية في إيران، بل قام هذا الرئيس بنشر تغريدة له عبر منصته "تروث سوشيال" يشيد فيه بقصف أكبر جسر في إيران يربط بين طهران وجزيرة كرج، مهددا بأن المزيد قادم، بل وصلت به الحماسة إلى التهديد بإعادة إيران إلى ما وصفه بـ "العصر الحجري"، وذلك بمحو البنى التحتية المدنية بالكامل - بما في ذلك محطات الكهرباء والمياه - إذا لم تقم إيران بإعادة فتح مضيق هرمز، وهو تهديد صريح يتضمن توجيه ضربات واسعة تستهدف السكان المدنيين. دون أن ننسى التفاخر بقتل القيادات السياسية والمدنية وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهوية الإيرانية، وهو ما يمثل انتهاكا للحصانة الشخصية التي تحمي رؤساء الدول.

كما تابعنا جميعا تصريحات علنية لنتنياهو في سياق الحرب وهو يتباهى باغتيال كبار المسؤولين الفلسطينيين والإيرانيين، ناهيك عن استهداف الصحفيين في غزة وتبرير قتلهم بتهم غير مؤكدة، ففي قطاع غزة قتل عدد كبير من الصحافيين أثناء تغطيتهم الحرب، منهم أنس الشريف ومحمد قريقع من قناة الجزيرة، حيث لقي طاقم القناة مصرعهم في قصف استهدف خيمة إعلامية قرب مجمع الشفاء الطبي، وقد حاول الجيش الإسرائيلي التغطية على هذه الجريمة بادعاء أن بعض الصحافيين لهم ارتباطات بـ "حركة حماس" أو أنهم يعملون لـ "خلايا مقاومة" وذلك في محاولة لنزع صفة الصحفي المدني عنهم، في الوقت الذي أكدت تقارير دولية أن هؤلاء الصحفيين كانوا يقومون بعملهم المهني فقط وليست له أي علاقة  بأنشطة قتالية.

كما قُتل ثلاثة صحافيين في جنوب لبنان ـ منهم علي شعيب مراسل قناة المنار وفاطمة فطوني مراسلة قناة الميادين ـ في ضربة عسكرية إسرائيلية، حاول جيش الاحتلال أن يضفي عليها المشروعية العسكرية بادعاء أن أحد الصحافيين كان عضوا في حزب الله، في الوقت الذي نددت اللجنة الدولية لحماية الصحفيين والمنظمات الحقوقية بقتل الإعلاميين باعتباره عملا خطيرا قد يرقى إلى جريمة حرب.

من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني، كما كرسته اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، يقوم على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية من قبيل المستشفيات، المدارس، الجامعات، أماكن العبادة، شبكات الماء والكهرباء… فهذه المنشآت كلها تتمتع بحماية خاصة لا تسقط لمجرد الشبهة، ولا يمكن أن تتحول إلى أهداف عسكرية أثناء الحرب.
وفي حادثة بالغة الدلالة، اعترف الجيش الإسرائيلي بأنه نشر صورة معدلة (Photoshopped) تظهر صحفيا بزي عسكري في محاولة لإظهار أنه "مقاتل" وليس صحفيا، وهو ما اعترفت به القوات نفسها لاحقا.

إن القانون الدولي الإنساني يحمي الصحفيين باعتبارهم مدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وهذا يعني أن الاتهام ـ في حد ذاته ـ بالعلاقة مع منظمات مسلحة لا يجعلهم هدفا مشروعا ما لم يظهر دليل قاطع يؤكد مشاركتهم المباشرة في القتال، وهو ما لم تثبته الجهات الإسرائيلية في كثير من الحالات، ولذلك فإن تبرير قتل صحافي بواسطة ادعاء الانتماء إلى جماعة مسلحة دون دليل موثوق يعد نزعا للصفة المهنية ويمثل خرقا لمبدأ الحماية المدنية في القانون الدولي الإنساني.

سقوط مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية..

من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني، كما كرسته اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، يقوم على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية من قبيل المستشفيات، المدارس، الجامعات، أماكن العبادة، شبكات الماء والكهرباء… فهذه المنشآت كلها تتمتع بحماية خاصة لا تسقط لمجرد الشبهة، ولا يمكن أن تتحول إلى أهداف عسكرية أثناء الحرب.

لكن الوقائع الميدانية للحرب على غزة ولبنان وإيران كشفت عن تحول نوعي ملفت، فأصبحنا نعاين القصف المتكرر للمستشفيات وللمدارس وللمساجد والكنائس والجامعات والبنيات التحتية المدنية من طرق وقناطر، ونتابع التهديد العلني من طرف رؤساء دول بضرب منشآت الطاقة وتحلية المياه، واستهداف واسع للبنية المدنية.

إن خطورة هذا التحول يكمن في كون الجدل لم يعد حول "خطأ التقدير العسكري"، بل حول إعادة تعريف الهدف المشروع بما يسمح عمليا بإدراج المجال المدني داخله، وهو تحول خطير لا يمثل خرقا عابرا، بل تقويضا صريحا للبنية المفاهيمية التي قام عليها القانون الدولي الإنساني.

فكيف وصلنا إلى هذا الانحدار؟

نزع الإنسانية وتوسيع مفهوم "الهدف المشروع"..

حين يتم تشبيه سكان غزة بالحيوانات في خطاب رسمي لوزير من دولة الاحتلال، فذلك ليس انزلاقا لغويا، بل تمهيدا نظريا للجريمة، فالقانون بني على الاعتراف بإنسانية الخصم، ونزع هذه الإنسانية يفتح الباب لتبرير كل شيء.

في السياق ذاته، شهدنا قتل أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، واغتيال علماء وأطباء وأساتذة جامعات، واستهداف شخصيات سياسية مدنية، والافتخار بقتلهم..هذا النمط يعكس توسعا خطيرا في مفهوم "الهدف العسكري المشروع" ليشمل السكان المدنيين واستهدافهم بشكل ممنهج، وهو ما يعني تآكل الحماية المدنية تدريجيا حتى تكاد تختفي، خصوصا أمام عجز المؤسسات الدولية عن إنفاذ قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

حين يتم تشبيه سكان غزة بالحيوانات في خطاب رسمي لوزير من دولة الاحتلال، فذلك ليس انزلاقا لغويا، بل تمهيدا نظريا للجريمة، فالقانون بني على الاعتراف بإنسانية الخصم، ونزع هذه الإنسانية يفتح الباب لتبرير كل شيء.
إن المؤشرات الأكثر دلالة لا تكمن في وقوع الانتهاكات، بل في الاعتراف العلني بها بكل عنجهية ووقاحة، ففي الماضي، كانت الدول تنكر أو تبرر، أما اليوم، فيصرح مسؤولون بتهديدات تمس منشآت مدنية بوضوح، ويجري الإعلان الرسمي عن عمليات تدمير لبُنى تحتية دون اكتراث برد الفعل الدولي.

لقد لاحظنا كيف أن قادة الاحتلال يتفاخرون بقتل مراسلي قنوات فضائية على الهواء مباشرة، وتابعنا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يفتخر بتدمير جسر بري في إيران.

وحين أصدر المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مجرمي الحرب من قادة دولة الاحتلال، سارعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد قضاة المحكمة أنفسهم، عوض التعاون المفترض مع العدالة الدولية، وهو ما يعني أن الأمر لا يتعلق باستهداف القانون فقط، بل باستهداف آلية المساءلة نفسها، وبذلك نكون أمام منعطف خطير حيث يصبح تطبيق القانون سببا للعقاب، بينما لا يترتب على خرقه أي ثمن.

والخلاصة:

نحن لسنا أمام خروقات معزولة، بل أمام نمط متكرر ومعلن، يكشف فجوة هائلة بين النص القانوني والممارسة الواقعية، وهو ما يضع العالم أمام احتمالين: إما أن القانون الدولي يمر بمرحلة اختبار تاريخي تفرض إصلاحا عميقا لآلياته، أو أننا نشهد بداية تفكك فعلي لترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة الحرب إلى منطق القوة العارية، بحيث لم تعد المشكلة في انتهاك قواعد القانون الدولي فقط، بل أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زال هناك من يكترث لانتهاكها أصلا، ويرتب على ذلك المسؤوليات الضرورية؟