لم تعد العلاقات العربية
الإيرانية مجرد ملف
سياسي قابل للاجتهاد أو التأويل، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى نموذج معقّد
لصراع الإرادات واختلال موازين الثقة، نتيجة سياسات إيرانية اختارت نهج التمدد
والتدخل على حساب مبادئ حسن الجوار واحترام السيادة. فعلى الرغم من الروابط
التاريخية والجغرافية التي كان يفترض أن تؤسس لعلاقة قائمة على التعاون والتكامل،
إلا أن الواقع يكشف عن مسار مختلف، اتسم بتغليب منطق النفوذ على منطق الشراكة،
وإدارة الخلافات عبر أدوات الضغط والتصعيد بدل الحوار والتفاهم.
لقد كان مأمولاً أن تسهم إيران، بما تمتلكه
من ثقل حضاري وإقليمي، في تعزيز استقرار المنطقة، غير أن ممارساتها في عدد من
الساحات العربية أفضت إلى نتائج عكسية، عمّقت الانقسامات، وأضعفت الدول الوطنية،
وخلقت بيئات خصبة للصراع وعدم الاستقرار. ومع كل محطة جديدة، تتجدد الأسئلة حول
جدوى هذا النهج، ومدى قدرته على تحقيق أمن حقيقي لإيران أو لجوارها، في وقت باتت
فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى سياسات عقلانية تُعلي من قيمة الحوار، وتكفّ عن
استنزاف الشعوب في صراعات لا رابح فيها.
وما يُثير الاستغراب والإدانة في آن واحد ما
أقدم عليه النظام الإيراني من استهداف لدول
الخليج العربي، بزعم الرد على العدوان
الأمريكي الإسرائيلي الآثم. إن هذه الخطوة تمثل خطأً جسيماً من الناحية
الاستراتيجية والأخلاقية والسياسية، بل وتكشف عن خلل عميق في تقدير المواقف، حين
يُوجَّه السلاح إلى جيران مسالمين لم يكن لهم أي دور في هذا النزاع.
إن دول الخليج العربي، التي طالتها هذه الاعتداءات، ليست ساحة صراع، بل فضاء استقرار في محيط مضطرب، وقد احتضنت عبر عقود طويلة ملايين العمال العرب والمسلمين، الذين يعيلون بدورهم ملايين الأسر في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي. كما أن لهذه الدول دوراً بارزاً في دعم القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من خلال ما تقدمه من مساعدات إنسانية وتنموية أسهمت في تخفيف معاناة الشعوب المنكوبة.
إن دول الخليج العربي، التي طالتها هذه
الاعتداءات، ليست ساحة صراع، بل فضاء استقرار في محيط مضطرب، وقد احتضنت عبر عقود
طويلة ملايين العمال العرب والمسلمين، الذين يعيلون بدورهم ملايين الأسر في مختلف
أنحاء العالمين العربي والإسلامي. كما أن لهذه الدول دوراً بارزاً في دعم القضايا
العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من خلال ما تقدمه من مساعدات
إنسانية وتنموية أسهمت في تخفيف معاناة الشعوب المنكوبة.
إن استهداف هذه الدول لا يمكن تبريره تحت أي
ذريعة، لأنه لا يندرج ضمن الدفاع المشروع، بل يفتح أبواب الفتنة ويعمّق الانقسامات
داخل الأمة، ويحوّل الصراع من مواجهة عدوان خارجي إلى نزاع داخلي يستهلك طاقات
الشعوب ويبدد إمكاناتها. لقد أخطأت إيران مرة أخرى حين اختارت هذا المسار، وبدلاً
من توحيد الصف في مواجهة التحديات الكبرى، عملت على إحداث شرخ جديد في علاقاتها مع
محيطها العربي والإسلامي.
ولعلّ ما يزيد هذا المشهد إيلاماً
واستغراباً، هو إصرار إيران على تذكير العالم العربي بسجلّها المثقل بالأخطاء
الجسيمة، بل والجرائم السياسية والاستراتيجية التي ارتكبتها في عدد من الدول
العربية، وفي مقدمتها سوريا ولبنان والعراق واليمن. ففي هذه الساحات، لم تكن
السياسات الإيرانية عامل استقرار أو دعم لوحدة الدول، بل ساهمت في تعميق
الانقسامات، وإشعال الصراعات الداخلية، وإضعاف مؤسسات الدولة، الأمر الذي أدى إلى
مآسٍ إنسانية كبرى ما تزال شعوب تلك البلدان تعاني آثارها حتى اليوم. إن تكرار هذا
النهج، واستدعاء تلك التجارب المؤلمة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يخدم إلا
تعزيز حالة انعدام الثقة، ويؤكد أن السياسات القائمة على التوسع والتدخل لا يمكن
أن تكون أساساً لعلاقات صحية أو لمستقبل آمن في المنطقة.
ولا شك أن التاريخ البشري كرّس عبر قرون
طويلة درساً واحداً: أن الحروب لا تجلب إلا الدمار، وأن القوة ليست بديلاً للحوار
أو للاتفاقيات السلمية. ومن هذا المنطلق، نجد أن الدين والشرائع السماوية جميعها ـ
وبالأخص الإسلام ـ قد أولت النفس البشرية مكانة عظيمة، وجعلت حفظها أسمى من أي
مصالح دنيوية أو سياسية. يقول رسول الله ﷺ: إن هدم الكعبة أهون من قتل نفس واحدة
بغير حق، وهذا التوجيه الإلهي يؤكد أن حياة الإنسان لا تقاس بقيمتها المادية أو
السياسية، بل بالحرمة الإلهية التي تستوجب الحماية والاحترام.
إن الحوار، بكل ما يحمله من صبر وتفاهم
ومصالح مشتركة، هو الطريق الوحيد لضمان استمرار السلم والأمن، وليس العنف الذي
يزرع الكراهية ويعيد البشرية إلى زمن الفوضى والعنف غير المحسوب. ففي كل لحظة
تُتخذ فيها القرارات بالقوة دون مراعاة الحق والعدالة، تتضاعف الخسائر الإنسانية
وتغيب الأمان والاستقرار.
أقول هذا استنكارا لما قامت به الولايات
المتحدة الأمريكية وإسرائيل في اتخاذ قرار
الحرب ضد إيران، في وقت كانت فيه
المفاوضات الدبلوماسية قائمة، وفي شهر رمضان المبارك، وهو شهر مقدس للمسلمين يشهد
صلوات وصياماً وروحانية عالية. إن اختيار هذا التوقيت لا يمكن فهمه إلا باعتباره
تجاهلاً صارخاً لمشاعر المسلمين، واستفزازاً غير مبرر لعالم بأسره يتطلع إلى
التهدئة لا إلى التصعيد.
ولا يقتصر الأمر على التوقيت، بل إن هذه
الحرب جاءت خارج كل أطر القانون الدولي ومؤسسات المجتمع الدولي، بما في ذلك منظمة
الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو ما يجعلها عملاً عدوانياً يفتقر إلى أي شرعية
قانونية أو أخلاقية، ويعيد إلى الأذهان منطق القوة الذي ساد قبل الحرب العالمية
الثانية، حين كانت العلاقات الدولية تُدار بمنطق الهيمنة لا بمنطق القانون.
في خضم هذه الحرب العبثية، يستمر بنيامين نتنياهو في ارتكاب الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، ويمنع المصلين من أداء شعائرهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، في سابقة خطيرة منذ عام 1967. إن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وللقانون الدولي، وتكشف عن ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العادلة.
وإذا كانت إيران تملك، وفق القانون الدولي،
حق الدفاع عن نفسها، فإن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لاستهداف دول أخرى
بريئة من الصراع. إن توسيع دائرة المواجهة بهذه الطريقة لا يخدم إلا الفوضى، ويقوض
أي فرص حقيقية للحوار أو الحل السياسي، ويجعل المنطقة بأسرها رهينة لتصعيد مفتوح
لا يعرف حدوداً.
وفي خضم هذه الحرب العبثية، يستمر بنيامين
نتنياهو في ارتكاب الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، ويمنع
المصلين من أداء شعائرهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، في سابقة خطيرة منذ عام
1967. إن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وللقانون الدولي،
وتكشف عن ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العادلة.
إن هذه الأحداث مجتمعة تؤكد حقيقة واحدة: أن
الحروب، مهما كانت ذرائعها، لا تنتج إلا المزيد من الألم والدمار. أما السلام
الحقيقي، فلا يمكن أن يتحقق إلا من خلال احترام الإنسان، والالتزام بالقانون،
والاحتكام إلى الحوار كوسيلة لحل النزاعات.
إننا بحاجة اليوم إلى مراجعة عميقة لمفاهيم
القوة والسيادة، وإلى التأكيد على أن الأمن لا يُبنى بالصواريخ، بل بالثقة
والتفاهم والتعاون بين الدول والشعوب. فكل نفس بشرية هي أمانة، وكل اعتداء عليها
هو جريمة لا يمكن تبريرها بأي خطاب سياسي أو عسكري.
إن الدرس الكبير في هذه الأحداث أن السلام
والأمن والاستقرار لشعوب الدول العربية يحتاج إلى قوة رادعة لمواجهة المشاريع الغازية
تتبناها شعوبنا ودولنا منطلقة من قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
رباط الخيل) وهي إشارة إلى القوة العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية
والحضارية والإيمانية.
وفي ضوء ذلك، فإن اللجوء إلى الحرب كوسيلة
لفرض الإرادة لا يعكس قوة حقيقية، بل يكشف عن عجز في إدارة الخلافات بوسائل
حضارية. والتاريخ شاهد على أن الأمم التي اختارت الحوار كانت أكثر استقراراً
وازدهاراً من تلك التي غرقت في دوامات العنف والصراع.
ختاماً، لا يمكننا أن نتجاهل مسؤوليتنا
جميعاً في مواجهة هذا الواقع المضطرب: مسؤولية الدفاع عن النفس البشرية، والتمسك
بالقيم الدينية والإنسانية، والعمل على إرساء قواعد العدالة الدولية. كما أن
محاسبة مجرمي الحرب، وفي مقدمتهم نتنياهو، تمثل واجباً أخلاقياً وقانونياً لا يمكن
التهاون فيه.
إن السلام لن يكون ممكناً ما لم يُحاسب
المعتدي، وما لم تُصن كرامة الإنسان، وما لم يُرفع الظلم عن الشعوب، وفي مقدمتها
الشعب الفلسطيني. فالقوة بلا حق ليست سوى طريق إلى الفوضى، أما العدل فهو وحده
الذي يصنع الأمن، ويحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة.