من الردع إلى الحرب الوجودية.. قراءة بنيوية في التصعيد الأمريكي ـ الإيراني (2من2)

لم يعد سلاح الدمار الشامل يُستخدم لمنع الضرر، بل إما لمنع الانهيار الوجودي، أو لاستعادة الهيبة والسردية.
رابعا ـ النظريات المفسِّرة للحرب الوجودية

تُظهر الحرب الوجودية بوصفها نمطًا خاصًا من الصراع أن تفسيرها لا يكتمل من خلال نظرية واحدة منفردة، بل يتطلب مقاربة تركيبية تجمع بين البعد المفاهيمي للعداء، والبعد الاستراتيجي للتصعيد، والبعد الإدراكي لسوء الفهم المتبادل. في هذا الإطار، يتيح الجمع بين إسهامات كارل شميت،  وتوماس شيلينغ،  وروبرت جيرفس  بناء نموذج تفسيري متكامل يشرح كيف يتحول الصراع من نزاع قابل للإدارة إلى مواجهة تُعلَّق فيها كل منطق التسوية، ويُستدعى فيها العنف بوصفه ضرورة وجودية.

1 ـ كارل شميت Carl Schmitt: تأسيس العداء الوجودي

يُعدّ كارل شميت (Carl Schmitt)، -1888–1985 أحد أبرز منظّري الفكر السياسي في القرن العشرين، وقد اشتهر بتحليله الجذري لطبيعة السياسة بوصفها مجالًا للتمييز الوجودي الحاسم بين الصديق والعدو. ففي عمله المرجعي "مفهوم السياسي"، يعرّف شميت السياسة ليس باعتبارها فضاءً لإدارة الاختلاف أو تنظيم التنافس داخل نظام مشترك، بل باعتبارها الحقل الذي يُحدَّد فيه العدو بوصفه تهديدًا محتملًا لبقاء الجماعة السياسية ذاتها. وعند هذه العتبة، لا يعود الخلاف قابلًا للتسوية، بل يتحول إلى علاقة وجودية قد تبلغ حدّ الإقصاء أو الإبادة.

يوفّر هذا التصور الأساس المفاهيمي لفهم الحرب الوجودية، إذ يبلغ الصراع ذروته حين يُنزَع عن الخصم أي وضع قانوني أو أخلاقي، ويُعاد تعريفه كعدوٍّ عمومي (Hostis)، يُبرَّر العنف ضده باسم الدفاع عن الوجود الجماعي. فالعدو، في منظور شميت، ليس خصمًا شخصيًا ولا منافسًا أخلاقيًا، بل كيانًا يُتصوَّر بوصفه خطرًا على استمرارية الجماعة السياسية وتماسكها التاريخي. ومن ثمّ، تنشأ السياسة حيث يوجد استعداد واقعي لاحتمال الصراع الوجودي بين جماعات بشرية متمايزة، وتُقاس كثافتها بمدى اقترابها من تلك العتبة التي تصبح فيها الحرب ممكنة من حيث المبدأ، حتى وإن لم تقع فعليًا.

يرتبط هذا الفهم ارتباطًا عضويًا بنظرية شميت في السيادة، حيث يُعرَّف السيّد بأنه «من يقرّر في حالة الاستثناء». فالسيادة لا تتجلى في انتظام القاعدة القانونية، بل في اللحظة التي يعجز فيها النظام القانوني عن احتواء الخطر الوجودي، ويغدو القرار—لا القاعدة—الضامن الأخير لبقاء الكيان السياسي. في لحظة الاستثناء، تُعلَّق القواعد باسم الحفاظ على الوجود السياسي ذاته، ويُعاد تأسيس الشرعية على منطق البقاء لا على منطق القانون.

على هذا الأساس، تتحول السياسة عند كارل شميت إلى مجال للقرارات القصوى، لا إلى مجرد فنّ للإدارة أو التفاوض. إنها الحقل الذي يُحسم فيه سؤال الوجود الجماعي: من نحن؟ ومن يهدد وجودنا؟ ومتى يصبح العنف مشروعًا بوصفه فعلًا دفاعيًا عن الكيان السياسي. ومن هنا، تُفهم السياسة عند شميت بوصفها فضاء الصراع الوجودي قبل أن تكون تقنية للحكم أو إدارة للمصالح.

في السياق الأمريكي ـ الإيراني، يتجلّى هذا المنطق بوضوح مع الانتقال التدريجي في الخطاب الاستراتيجي من مفردات "تغيير السلوك" إلى "تغيير النظام"، ومن سياسات "احتواء النفوذ" إلى استراتيجيات "اقتلاع التهديد". عند هذه العتبة، تُغلق إمكانيات التسوية، لأن أي اعتراف بالخصم يُقرأ بوصفه إقرارًا بشرعية تهديد وجودي. هنا، لا تعود السياسة بحثًا عن حلول وسط، بل سعيًا إلى حسم نهائي. ووفق منطق شميت، تقع نقطة الانكسار في اللحظة التي يُنزَع فيها عن الخصم أي وضع قانوني أو سياسي، ويُختزل إلى خطر يجب إزالته؛ وبعدها لا يعود العنف خيارًا بين بدائل، بل ضرورة منطقية تفرضها بنية القرار الوجودي ذاته.

2 ـ توماس شيلينغ.. إقفال مسارات التراجع

وإذا كان شميت يفسّر لحظة تعريف العدو وجوديًا، فإن توماس شيلينغ (Thomas C. Schelling، 1921–2016- يشرح كيف يتحول هذا التعريف إلى مسار تصعيدي مغلق. يُعد شيلينغ من روّاد نظرية الردع والاستراتيجية النووية، وقد ركّز في أعماله على مفهوم الالتزام (Commitment) بوصفه آلية مركزية في الصراع الدولي.

في تصور شيلينغ، لا تنزلق الدول إلى الحرب لأنها ترغب فيها بالضرورة، بل لأنها تربط مصداقيتها وسمعتها الاستراتيجية بسلوكيات وتصريحات تجعل التراجع عنها أكثر كلفة من المضي فيها. هنا، يصبح التصعيد خطيرًا لا بسبب شدته العسكرية فقط، بل بسبب عدم قابليته للعكس. فإعلان الخطوط الحمراء، ونشر القوات، وربط الأمن القومي بالهيبة، كلها إجراءات تُقيّد صانع القرار وتُغلق هامش المناورة السياسية.

تُفسِّر نظرية شيلينغ كيف تتحول الحرب، في لحظة معينة، من خيار استراتيجي إلى نتيجة شبه حتمية، ليس لأن الحرب مرغوبة، بل لأن عدم تنفيذ التهديد يُفسَّر بوصفه انهيارًا
للردع وفقدانًا للمصداقية.

3 ـ روبرت جيرفس.. تثبيت مسار الصراع إدراكيًا

يُكمل روبرت جيرفس (Robert Jervis، 1940–2021-  هذا النموذج من خلال البعد الإدراكي، مركزًا على دور سوء الإدراك (Misperception) ومعضلة الأمن (Security Dilemma) في تحويل الصراعات إلى نبوءات ذاتية التحقيق. ينتمي جيرفس إلى المدرسة الواقعية البنيوية، لكنه شدّد على أن قرارات الحرب لا تُصنع فقط على أساس القوة المادية، بل على أساس كيفية تفسير نوايا الخصم.

في هذا الإطار، تُقرأ الإجراءات الدفاعية بوصفها نوايا هجومية، وتتحول سياسات الردع إلى أدلة إضافية على التهديد. ومع تراكم سوء الفهم، تتصلّب الصور الذهنية، وتفقد الدبلوماسية قدرتها على تصحيح الإدراك، فتغدو الحرب نتيجة منطقية لمسار إدراكي مغلق.

يشرح جيرفس كيف تُنتج السياسات المصمَّمة لمنع الحرب شروط اندلاعها، حين يُعامَل الخصم باستمرار بوصفه تهديدًا وجوديًا، ما يدفعه ـ عقلانيًا ـ إلى تبني سلوكيات عدائية تؤكد المخاوف الأصلية.

في هذا النموذج، تتحول الحرب من خيار سياسي قابل للحساب إلى أفق يبدو حتميًا داخل وعي الأطراف، حيث يُعاد إنتاج الصراع ذاتيًا، وتغدو التسوية مستحيلة من حيث المبدأ، لا من حيث الإرادة فقط.

في هذا المسار، لا يعود التصعيد نتاج قرار سياسي عقلاني خالص، بل نتيجة تفاعلات قسرية داخل بنية ردع متآكلة، حيث تُغلق إمكانيات التراجع تدريجيًا، ويغدو الصراع أسيرًا لمنطق الاندفاع نحو الهاوية، بما يجعل أسوأ السيناريوهات ـ بما فيها استخدام أسلحة الدمار الشامل ـ احتمالًا نابعًا من بنية الصراع نفسها، لا من نية مسبقة باستخدامها.

خامسا ـ أسوأ السيناريوهات.. استخدام سلاح الدمار الشامل

لقد بينا فيما سبق العامل الجوهري الذي يجعل الصراع ينتقل من الردع إلى التهديد الوجودي، ومن الأدوات العسكرية إلى الرموز والهيبة، فإن السؤال الحاسم الآن هو: متى يفقد هذا الصراع قابليته للضبط؟ وأي لحظة بالضبط تمثّل نقطة اللاعودة التي يتحوّل بعدها التصعيد من خيار سياسي إلى مسار قسري؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي التحليل الوصفي أو الحساب العسكري البحت؛ بل يتطلّب الأمر إدراج الصراع ضمن إطار نظري يفسّر منطق الانفجار حين تنهار آليات التحكم، وتتحوّل السياسة إلى رهينة للمعنى والخوف وسوء الإدراك، بحيث تُغلق إمكانيات التراجع تدريجيًا، ويغدو الصراع أسيرًا لمنطق الاندفاع نحو الهاوية.

1 ـ  إيران وشفير الحرب الوجودية.. اغتيال المرشد وكسر المعنى

لا تقوم الاستراتيجية الإيرانية التقليدية على تحقيق نصر عسكري مباشر، بقدر ما ترتكز على استنزاف الخصم، وتآكل هيبته، وتفكيك إرادته السياسية على المدى الطويل. ويتمثل السلاح المركزي في هذا المسار في شبكة الوكلاء الإقليميين، والقدرات الصاروخية، وتعطيل توازنات النظام الإقليمي، بما يسمح بإدارة صراع ممتد منخفض الكلفة نسبيًا، وقابل للتحكم بإيقاعه. غير أن هذا المنطق يظل محكومًا بحدود عقلانية واضحة، ما دام الصراع يدور داخل نطاق الردع غير المتكافئ، ويظل قابلًا للاحتواء والتدرّج.

تدخل إيران طور الحرب الوجودية فقط عند تقاطع ثلاثة شروط حاسمة: أولها توجيه ضربة مباشرة إلى البنية السيادية للدولة، بما يهدد مركز القرار ذاته؛ وثانيها انكشاف العجز عن إنتاج ردّ تقليدي فعّال، يعيد ترميم الردع ويستعيد توازن الهيبة؛ وثالثها اقتناع القيادة بأن مسار الصراع لم يعد قابلًا للاحتواء، وأن السقوط بات احتمالًا واقعيًا، لا ورقة ضغط تفاوضية. عند هذه العتبة، ينقلب المنطق من إدارة الاستنزاف إلى منطق «عليّ وعلى أعدائي»، أي الانتقال من الردع إلى التدمير المتبادل غير المتكافئ.

في هذا السياق، يصبح ما يمكن تسميته بـ "الانتحار الوجودي" الإيراني ـ إن استُدعي ـ خيارًا سياسيًا عقلانيًا ضمن منطق البقاء، لا تعبيرًا عن جنون أو فقدان للحساب. إذ يتجسد هذا الخيار في إشعال الإقليم، واستهداف البنية الطاقية العالمية، وتعطيل الممرات البحرية الحيوية، ودفع النظام الدولي نفسه إلى حالة من الفوضى البنيوية. فالهدف هنا لا يتمثل في تحقيق نصر نهائي، بل في منع الخصم من الانتصار، حتى وإن استدعى ذلك انهيار الدولة الإيرانية ذاتها.

غير أن أخطر انتقال في هذا المسار لا يحدث عند استهداف البنية المادية للدولة، بل عند ضرب الرمز المؤسِّس. ففي الحالة الإيرانية، لا يمثّل المرشد الأعلى رأسًا سياسيًا يمكن استبداله ضمن آليات تداول السلطة التقليدية، بل يشكّل مركزًا دلاليًا جامعًا تتقاطع فيه الشرعية الدينية مع السيادة السياسية، وتلتقي فيه الذاكرة الثورية مع الامتداد التاريخي للمخيال الشيعي. فموقع المرشد ليس موقع إدارة فحسب، بل موقع معنى؛ إنه الضامن لوحدة السردية التي تنتظم حولها الدولة، والحلقة التي تربط الحاضر السياسي بسلسلة رمزية تمتد من التاريخ الإمامي إلى الدولة الحديثة.

من هذا المنظور، لا يُقرأ اغتيال المرشد كعملية "قطع رأس" بالمعنى الكلاسيكي، بل كفعل يستهدف المعنى ذاته، ويهدف إلى إحداث صدمة رمزية تُفكك مركز الثقل الذي تنتظم حوله الدولة والمجتمع والخطاب السياسي. إنه انتقال نوعي من حرب على القدرة إلى حرب على الدلالة، حيث يصبح الهدف نزع الشرعية من جذورها، لا مجرد إرباك منظومة القرار أو تعطيلها مؤقتًا.

تكمن الخطورة القصوى في أن كسر الرمز لا يُنتج شللًا سياسيًا، بل يُطلق ديناميات فوضوية عابرة للدولة: تفكك مركز القرار، تعدد مراكز الفعل، وتحول الصراع من مواجهة بين دول إلى تعبئة عقائدية مفتوحة. عند هذه النقطة، تفقد أدوات الضبط التقليدية فعاليتها، وينزلق النزاع إلى منطق الثأر المقدّس، حيث تُستدعى الذاكرة الشيعية المشبعة بالمظلومية والشهادة، ويُعاد تأطير الحدث بوصفه "كربلاء شرق أوسطية" جديدة.

وعليه، فإن اغتيال المرشد لن يُنهي الصراع، بل سيحوّله إلى نمط جديد من الحروب غير القابلة للإغلاق: حروب تتراجع فيها مركزية الدولة، ويتقدّم فيها الانتقام الرمزي على الحساب السياسي، ويتحوّل فيها الشرق الأوسط إلى فضاء صراعات لا متناهية، تُدار بالذاكرة أكثر مما تُحكم بالعقل، وتُخاض باسم المعنى المكسور لا باسم المصالح المحدودة، بما يجعل احتواءها أو إنهاءها شبه مستحيل ضمن أدوات النظام الدولي القائم.

2 ـ الولايات المتحدة.. حاملات الطائرات أيقونة الهيمنة وحدّ الانكسار

في الصراعات الوجودية، لا تُقاس القوة بما تُحققه من نتائج ميدانية، فحسب، بل بما تحمله الرموز من معنى. حاملات الطائرات الأمريكية ليست منصّات قتالية عائمة فحسب، بل أعمدة رمزية يقوم عليها النظام الدولي القائم. المساس بها هو مساس بشرعية القيادة الدولية، وبثقة الحلفاء، وبمنطق الردع القائم على الصورة قبل النار.

في التحليل السيميائي للقوة، لا تُختزل حاملات الطائرات الأمريكية في كونها منصّات قتالية عائمة ضمن منظومة عسكرية، بل تمثّل علامات مكتملة الدلالة للهيمنة العالمية، واستعارات بصرية مركّزة للنظام الدولي الذي تشكّل تحت القيادة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فهي ليست مجرد سلاح، بل تجسيد مادي لفكرة القدرة على الحضور الكوني، وفرض الإرادة بالقوة، وضمان "الاستقرار" وفق التعريف الأمريكي له، تمامًا كما برزت الولايات المتحدة بعد 1945 كضامن للسلام والنظام العالمي، بعد صدمة الحرب الكونية وأهوالها.

من هذا المنظور، أي تهديد أو استهداف افتراضي للحاملة ـ حتى دون إغراقها ـ يُفهم ليس كحادث تكتيكي محدود، بل كفعل كاسر للرمز، يهدد السردية المركزية للهيبة الأمريكية، ويعيد طرح السؤال الاستراتيجي: ليس فقط عن القدرة العسكرية، بل عن معنى القوة والهيمنة في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الفجوة بين القدرة المادية والهيبة الرمزية هي الأخطر في نظرية الردع، لأن الردع لا يقوم على القوة وحدها، بل على الاعتقاد الراسخ باستحالة كسرها.

وحين يتصدع هذا الاعتقاد، لا تتآكل القدرة العسكرية وحدها، بل يُصاب النظام الردعي نفسه بالشلل، ويتحوّل الخلل من مستوى الخسارة التكتيكية إلى مستوى الانكشاف الوجودي للهيمنة. في هذه اللحظة، تتراجع الاعتبارات التكتيكية لصالح ضرورة سياسية-رمزية: إعادة إغلاق باب الممكن الذي فُتح بالإغراق. إغراق حاملة طائرات يطلق سلسلة تداعيات تتجاوز الصراع المباشر:

تآكل ثقة الحلفاء بقدرة الحماية الأمريكية، وتشجيع خصوم آخرين على اختبار الخطوط الحمراء وتسارع سباق كسر الرموز بدل سباق التوازنات، وانتقال النظام الدولي من إدارة الأزمات إلى إدارة الصدمات. في هذه البيئة، يصبح الحفاظ على الاستقرار مرهونًا بقدرة القوة المهيمنة على إعادة احتكار العنف الرمزي، لا مجرد التفوق العسكري. يضع الإغراق صانع القرار أمام مأزق حاد: لا يسأل صانع القرار: كيف ننتصر؟ بل: كيف نُرمّم المعنى ونستعيد الهيبة؟

ـ السلاح النووي.. السياسة على شفير الهاوية

عند هذه العتبة الحرجة، يطفو الخيار النووي ـ في السيناريو الأقصى ـ لا بوصفه أداة لإبادة الخصم أو حسم الصراع عسكريًا، بل كوسيلة لإعادة رسم حدود الممكن والممنوع في النظام الدولي. فالنووي، ضمن هذا المنظور، لا يُستدعى لإنهاء الحرب، بل كأداة ضبط قسري للسياق العالمي، ورسالة رمزية مفادها أن كسر الرمز الأعلى للهيمنة لن يمرّ دون ثمن يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

قرار اللجوء إلى السلاح النووي في السيناريوهات الحرجة يتأسس على ثلاثة محركات متداخلة:

1 ـ الهيبة: بوصفها الركيزة الرمزية للنظام الدولي؛ إذ إن انهيارها لا يعني خسارة موضعية، بل تفكك منظومات التحالف، وتآكل منطق الردع، وانكشاف السلطة في بعدها الكوني.

2 ـ خلق سابقة تاريخية: فكل استخدام نووي لا يبقى حدثًا معزولًا، بل يُنشئ سابقة تُضعف قواعد عدم الاستخدام، وتفتح المجال أمام تكرار الفعل في نزاعات لاحقة.

3 ـ الرهان على الاحتواء: أي الاعتقاد بأن العالم سيتكيّف بعد الصدمة، وأن النظام الدولي قادر على استيعاب الضربة وإعادة ضبط نفسه. غير أن هذا الرهان يبدو أقل واقعية اليوم، في عالم متعدد الأقطاب النووية، وأكثر هشاشة، وأعلى قابلية للانفلات النووي.

ـ المقارنة مع اليابان.. تشابه مضلل؟

المقارنة مع اليابان (هيروشيما وناغازاكي، 1945) مضللة بنيويًا لثلاثة أسباب:

ـ السياق المختلف: اليابان كانت دولة منهارة عسكريًا، ومعزولة جغرافيا، ودينيا، بينما إيران تمتلك امتدادات أيديولوجية وجيوسياسية عبر الإقليم والطائفة واتباع المذهب.

ـ شبكة الوكلاء: إيران لديها شبكة معقدة من الوكلاء الإقليميين تجعل احتواء أي صدمة أكثر صعوبة.

ـ السياق النووي العالمي: في 1945 كانت أمريكا القوة النووية الوحيدة، اليوم العالم متعدد الأقطاب النووية. أي استخدام نووي ضد إيران لن يفضي إلى استسلام سريع، بل قد يُفجر منظومة الردع الدولية ويشرعن تكرار الاستخدام مستقبليًا. هذا الخيار ينطوي على مخاطر بنيوية قصوى:

ـ انهيار حاجز عدم الاستخدام: استخدام السلاح النووي ـ حتى بشكل محدود ـ يؤدي إلى انهيار ما تبقّى من منظومة عدم الاستخدام منذ 1945.

ـ شرعنة الاستخدام المستقبلي: يُشرعن اللجوء إليه مستقبلًا من قِبل قوى أخرى

ـ فقدان القدرة على ضبط الصراعات: يفقد النظام الدولي قدرته على ضبط الصراعات الكبرى.

ـ الفوضى الاستراتيجية: لا يعود النووي ضمانة للاستقرار، بل مدخلًا لفوضى استراتيجية مفتوحة.

السؤال الاستراتيجي الذي يحدد مصير النظام الدولي القائم ليس: هل ستستخدم الولايات المتحدة النووي؟ بل هل منطق 1945 ما زال صالحًا لإدارة عالم 2026؟

كل استخدام يُضعف حاجز الاستخدام التالي، ويزيد احتمال الانتشار النووي، ويعقّد إدارة الصراعات الكبرى في عالم معقد ومتشابك. وفي هذا الإطار، قد يكون الدرس الأهم: أن أخطر لحظات الحرب ليست حين تفشل الأسلحة، بل حين تنجح الرموز في تحويل الصراع من نزاع قابل للإدارة إلى مواجهة وجودية على المعنى نفسه.

3 ـ السيناريو الإسرائيلي.."خيار شمشون"..  ما وراء الأسطورة

تختلف العقيدة النووية الإسرائيلية جذريًا عن الأمريكية. فبينما ترى الولايات المتحدة السلاح النووي أداة لإدارة نظام دولي وضبط التوازنات، تنظر إسرائيل إليه كضمانة وجود لا تقبل المساومة. هنا تحديدًا لا يتعلق الأمر بالهيمنة، بل بمنع الزوال ذاته. بعبارة أخرى: العقيدة النووية ليست أداة نصر، بل وسيلة ردع وجودي.

وعلى الرغم من سياسة الغموض النووي الرسمية، تُجمع التحليلات الاستراتيجية على وجود عقيدة غير معلنة تُعرف بـ"خيار شمشون"، في إحالة توراتية إلى شمشون الذي هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه. جوهر هذه العقيدة يمكن تلخيصه في معادلة واحدة: إن لم نستطع البقاء، فلن يبقى من يهزمنا دون ثمن وجودي.

لكن هذه العقيدة لا تعكس نزعة انتحارية، بل على العكس، تمثل منطق ردع أقصى. ذلك أن رسالتها الضمنية هي أن القضاء على إسرائيل لن يكون حدثًا موضعيًا، بل كارثة إقليمية شاملة. إنها إذن رفض جذري للسيناريو الصفري الذي يقبل الزوال، وتحويل محتمل للهزيمة إلى كارثة تمنع وقوعها أصلًا.

والسؤال المركزي هنا: متى تصل إسرائيل إلى هذه العتبة الحرجة؟ ومتى يُستدعى النووي؟ الإجابة تكمن في أن النووي يُفكّر فيه عندما ينهار العقد الاجتماعي الداخلي، وتحديدًا، تشمل مؤشرات الخطر:

ـ فشل منظومات الدفاع عن صد الهجمات الصاروخية.

ـ انهيار الحياة المدنية في المدن الكبرى.

ـ هجرة جماعية عكسية أو تآكل الثقة بالدولة.

وعلى هذا الأساس، فإن النووي الإسرائيلي ليس أداة هيمنة، بل ضمانة وجود. والأهم من ذلك أن عتبة استخدامه أقل بكثير من العتبة الأمريكية، وذلك لأسباب ثلاثة: المخاطر وجودية وليست استراتيجية فحسب، والبدائل شبه معدومة، والزمن ضيق للغاية.

لذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد: هل ستستخدم إسرائيل السلاح النووي؟ بل أصبح: متى تضطر إسرائيل لاستخدام النووي كفعل رفض أخير للزوال، لا كوسيلة لإدارة القوة؟

حرب مؤكدة ومخاطر وجودية

اللحظة الراهنة لحظة حرب مؤكدة، لكن طبيعة هذه الحرب تغيرت جذريًا. فبينما كان الخطر التقليدي يكمن في اندلاع صراع واسع النطاق، بات الخطر الأكبر اليوم يتمثل في كسر رمز مركزي واحد قادر على دفع النظام الدولي كله خارج منطق السيطرة.

في هذا السياق، لم يعد سلاح الدمار الشامل يُستخدم لمنع الضرر، بل إما لمنع الانهيار الوجودي، أو لاستعادة الهيبة والسردية. وهنا بالضبط يصبح التصعيد ذاتيًا الدفع، أقل قابلية للاحتواء، وأكثر قابلية للانزلاق إلى مستويات قصوى لم تكن في الحسبان.

في هذه النقطة، يصبح التصعيد النووي احتمالًا واقعيًا، ليس لأنه عسكريًا ضروري، بل لأنه رمزيًا مُلحّ. النووي لا يُستدعى لحسم ميدان، بل لإغلاق فجوة المعنى التي أحدثها كسر الرمز. وعند هذه النقطة، لن يكون السؤال: هل ستقع الكارثة؟ بل: أي كسر رمزي سيكون الشرارة التي تجعل منعها مستحيلًا؟

*باحث من المغرب

إقرأ أيضا: من الردع إلى الحرب الوجودية.. قراءة بنيوية في التصعيد الأمريكي ـ الإيراني (1من2)