قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن الناصرية في العالم العربي (5)

لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962.. فيسبوك
قام جمال عبد الناصر بانقلاب في 23/7/1952 وأنهى النظام الملكي الذي امتد 150 عاماً تقريباً، كما نقل مصر من القول بالقومية المصرية الفرعونية إلى القول بالقومية العربية، وألغى نظام الحياة البرلمانية، وألغى الأحزاب وأوجد في البداية بديلاً عن الأحزاب هيئة تحرير جامعة للشعب المصري سماها "هيئة التحرير"، ثم أوجد هيئة أخرى في مرحلة لاحقة سماها "الاتحاد القومي" ثم في مرحلة ثالثة "الاتحاد الاشتراكي".

قامت سياسة جمال عبد الناصر منذ بداية حكمه على عدة محاور، وهي:

1 ـ الدعوة إلى الوحدة باعتبار أننا "أمة واحدة"، وننتمي إلى قومية واحدة هي "القومية العربية" ودعا إلى نبذ التجزئة.

2 ـ الدعوة إلى طرد الاستعمار من مصر ومن العالم العربي، وتحرير كل البلاد العربية.

3 ـ الدعوة إلى بناء اقتصاد وطني مستقل ويحقق العدالة الاجتماعية ويقرب بين الطبقات، ويكون اقتصاداً صناعياً، لذلك نقل مصر إلى اقتصاد اشتراكي، وامم جميع الصناعات الأجنبية والخاصة.

4 ـ الدعوة إلى مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين من الصهاينة.

أما بالنسبة للمحور الأول فقد نجح في مرحلة مبكرة منذ عام 1958 أن ينشئ وحدة مع سورية، وسمى دولة مصر بعد أ، اتحدت مع سورية باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ثم انفصلت سورية في عام 1961، ثم عاد فأنشأ اتحاداً ثلاثياً مع سورية والعراق بعد انقلاب البعث في العراق في 8 شباط 1963، وبعد انقلاب البعث في سورية عام 1963.

لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...
وبقيت الوحدة شعاراً يحرك الجماهير، ويثير حماسها لأنه تجميع لقوة الشعوب لكي تستطيع التغلب على الصعاب التي تواجهها، لكنه بقي حلماً يلوح في الأفق ولم يتحقق في واقع الحياة.
أما بالنسبة للمحور الثاني وهو محور التحرر، فقد دعا جمال عبد الناصر منذ بداية انقلابه عام 1952، إلى إنهاء الانتداب الإنجليزي، وقد حقق جلاء جميع القوات الإنجليزية في 18 حزيران من 1956 بعد مفاوضات طويلة، وقد أمم قناة السويس في 26/ تموز 1956وكان رداً على سحب تمويل السد العالي من قبل أمريكا، مما استدعى عدواناً ثلاثياً من إسرائيل وانكلترا وفرنسا، وقد احتلت هذه الدول سيناء جميعها، بالإضافة إلى بور سعيد، لكن هذه الدول اضطرت إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة بالتعاون بين أمريكا وروسيا، والذي أجبرها على الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها.

لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...

أما بالنسبة للمحور الثالث وهو المحور الاقتصادي فقد قصد عبد الناصر منه معالجة التفاوت الطبقي في مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليل نسبة الفقر في مصر، فبدأ بإصلاحات زراعية، وقد صدر القانون الأول للإصلاح الزراعي بعد أسابيع من الثورة، وحدد فيه الملكية الزراعية للإقطاعي ب (100) فدان كحد أعلى، ومصادرة ما زاد عن هذا الحد وتوزيعه على الفلاحين بحد أقصى 5 أفدنة للأسرة، وصدرت قوانين زراعية أخرى بعد ذلك خفضت الحد الأعلى للملكية الزراعية.

وكان عبد الناصر بالإضافة إلى انتباهه إلى قضية الفلاحين واجتهاده في إنصافهم عن طريق سحب الأراضي الزراعية من الاقطاعيين الكبار واعطائها للفلاحين، قد اتجه اتجاهاً اشتراكياً من أجل تحقيق العدالة للشعب المصري وكانت أولى هذه الخطوات الاشتراكية هي تأميم قناة السويس في 25/7/1956 وجاءت رداً على سحب أمريكا لتمويل السد العالي، وقد أدى هذا التأميم إلى عدوان ثلاثي على مصر، قامت به إسرائيل وانكلترا وفرنسا.

وبعد أن انسحبت دول العدوان من الأراضي المصرية أمم عبد الناصر عام 1957 أملاك دول العدوان وبالذات إنكلترا وفرنسا، فأمم جميع الشركات التجارية والصناعية وشركات التأمين والبنوك التي تعود إلى أفراد أو هيئات انجليزية أو فرنسية، وكان هدف عبد الناصر من هذه التأميمات كسر النفوذ الاقتصادي الأجنبي.

ثم جاءت التأميمات الكبرى في 25/ تموز (يوليو) 1961 وشملت هذه التأميمات جميع البنوك المصرية وانتهى الدور المصرفي الخاص في مصر، وشملت التأميمات أيضاً كل شركات التأمين المصرية الخاصة، كما أمم جمال عبد الناصر جميع الشركات الصناعية الكبرى وهي شركات الحديد والصلب والأسمنت والغزل والنسيج والكيماويات والنقل البحري، وقد أمم -أيضاً- كل شركة يزيد رأسمالها عن (10000) جنيه.

وبهذه التأميمات التي شملت مختلف القطاعات المالية والصناعية والتجارية والزراعية، أصبح القطاع العام هو المسيطر وانتهى ما يسمى بالقطاع الخاص، أصبحت مصر دولة اشتراكية، وسادت الأفكار الاشتراكية والنظريات الماركسية المناهج الثقافية والتربوية والإعلامية وانتشرت المفاهيم والأفكار التي تتحدث عن الصراع الطبقي، والعزل السياسي، وضرورة تمكين البروليتاريا، واللجوء إلى العنف في حسم انتصار البروليتاريا، وتمكين النقابات العمالية والفلاحين من القيام بدور قيادي، وضرورة الاصطفاف إلى جانب المعسكر الاشتراكي في مواجهة المعسكر الغربي الرأسمالي إلخ..

لذلك نستطيع أن نقول أن النظريات الاشتراكية والماركسية أصبحت هي الثقافة السائدة والمفروضة على عموم الشعب وأجهزة الدولة والإعلام والتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ..، وأصبح البناء النفسي والعقلي والاجتماعي للفرد مستمداً من هو هذه النظريات الاشتراكية الماركسية.

أما المحور الرابع وهو مواجهة إسرائيل، وتحريرها من الصهاينة فقد دعا عبد الناصر في نهاية عام 1964، إلى مؤتمر قمة وانبثقت عنه "منظمة التحرير الفلسطينية"، وكان هذا التشكيل بالتعاون مع الملك حسين في الأردن، وقد أقر مؤتمر القمة تشكيل هذه المنظمة في مرحلة لاحقة، وقد ترأس هذه المنظمة أحمد الشقيري وأصبح مقرها القدس، وأصبحت هذه المنظمة هي التي تمثل الفلسطينيين في مختلف المجالات السياسية المحلية والدولية، وقد أُلحقت بها عدد من الاتحادات التي تمثل الطلاب والعمال والفلاحين والمعلمين إلخ...، كما أُلحق بها جيش خاص بها سمي جيش التحرير الفلسطيني.

وقد أعطت هذه الأعمال التي قام بها جمال عبد الناصر في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية رصيداً كبيراً في مصر وخارجها، لذلك أصبحت "الناصرية" التي تجمع بين القومية والاشتراكية منهجاً تبعه كثيرون في العالم العربي، وتبعه كثير من الرؤساء ومنهم: علي عبد الله صالح في اليمن، وأحمد بن بلّة في الجزائر، وحزب البعث في سورية والعراق ومعمر القذافي في ليبيا، ومحمد زياد بري في الصومال، وجعفر النميري في السودان، وأصبحت زعامته حقيقة قائمة على مستوى العالم العربي، وأصبح المنهج الناصري الذي أقامه في مصر نموذجاً يحتذى في مختلف أنحاء العالم العربي.

لكن وقع زلزال في عام 1967، عندما بدأت الحرب بين بين جمال عبد الناصر وإسرائيل في 5/حزيران/1967، وخسرت مصر الحرب وتدمر جيشها، واحتلت إسرائيل سيناء جميعها، كما احتلت الضفة الغربية من الأردن والجولان من سورية، وكانت هذه الحرب زلزالاً وصدمة هائلة دمرت الثقة بعبد الناصر وتجربته، فلماذا وقعت الهزيمة؟

لمعرفة الأسباب التي أدت إلى الهزيمة سنعود إلى التقارير التي كتبها المسؤولون عن الأجهزة العسكرية إلى جمال عبد الناصر بعد وقوع النكسة.

إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاط
فقد قدم اللواء عبد المحسن مرتجى قائد جبهة سيناء تقريراً عن وضع الجيش عشية حرب 1967، قدم أسباباً متعددة للهزيمة تتعلق بالضباط والجيش وأسلحته، وتدريبه، وأخلاقياته، ومناقبيته، وأشار إلى الشللية التي قامت حول وزير الدفاع آنذاك شمس بدران إلخ..، وقد أشار إلى تلك العناصر بالسلبية، والتأثير السيء على سير المعركة.

كما أشار تقرير المخابرات الذي قدمه أحمد فاضل عن المخابرات المصرية إلى أن المخابرات لم تجمع المعلومات الكافية عن العدو، وإلى أنه لم تكن هناك متابعة دقيقة له، وإلى اختراق العدو لأمن مصر من خلال شبكات داخلية وخارجية تواجدت في نوادي مصر التي كان يرتادها كبار الضباط.

من الواضح إلى أن السبب الرئيسي في الهزيمة هو العنصر البشري في الجيش من ضابط وجندي، وإلى عدم انضباط هذا العنصر البشري ومناقبيته وأخلاقه، والسبب في هذا التدني للمناقبية والأخلاق والانضباط هي الأيديولوجيا التي تبناها عبد الناصر في شقتيها: القومي والاشتراكي الماركسي، فالأمة عند عبد الناصر تقوم على اللغة والتاريخ وتنكر دور الدين في تشكيلها، وهو ينقل كل هذا عن ساطع الحصري، أما الاشتراكية الماركسية فتعادي الدين، ليس هذا فحسب، بل حاولت أن تقتلع الدين من كيان الأمة، بحجة أن الدين هو سبب التأخر والتراجع والانحطاط، إن هذا الدين هو الهذيان هو الذي أفقد الجندي فاعليته، وأفقد الضابط تماسكه، وجعل الأمور من فقدان للانضباط والأخلاقية والمناقبية والتراتبية، والقصور في مراقبة العدو، تصبح أسباباً حقيقية للهزيمة، بل كانت أسباباً رئيسية في هذا الانهيار السريع والهزيمة المدوية لم تعرفها أمتنا في أي معركة سابقة، هزيمة ثلاث دول واحتلال أراض واسعة في أقل من ستة أيام.

الخلاصة: قاد عبد الناصر انقلاباً في مصر عام 1952، وقامت سياسته على أربع محاور وهي الدعوة إلى الوحدة، والدعوة إلى طرد الاستعمار، وإقامة العدالة الاجتماعية من خلال تطبيق النظام الاشتراكي، والدعوة إلى مواجهة إسرائيل، والتفت حوله جماهير واسعة متجاوبة معه في تطبيق شعاراته، واتسعت رقعة دعوته فتجاوبت معه دول عربية، مثل: الجزائر واليمن والصومال وسوريا والعراق إلخ..، لكن إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاط فأدى ذلك إلى أن فقد الجندي فاعليته، والضابط تماسكه، وإلى خلخلة البناء الاجتماعي وقد انتقلت هذه الخلخلة والاضطراب إلى كل أفراد المجتمع، المعلم في مدرسته، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والتاجر في سوقه إلخ..، فكانت الهزيمة النكراء التي لم تعرف الأمة مثيلاً لها في تاريخها جميعه، وكانت هذه الهزيمة إيذانا بنهاية "الناصرية" في مصر والعالم العربي.