لا بقاء لوحدة الجزائر دون اللسان الجامع في الماضي والحاضر!؟

لولا ثوابت تلك الهوية الوطنية المتميزة (لسانا ودينا ووجدانا) كما حددها بيان الشهداء، وطبقها الشعب الموحد المحتضن لثورة الجهاد، وظل وقودا لها طوال اشتعالها (مثل أهل فلسطين الأشداء المرابطين على أرضها الآن)، ما كانت لتقوم، تلك الثورة المباركة أصلا..
في لحظة جزائرية مشحونة بالأسئلة التاريخية والرهانات السيادية، حيث يتقاطع الجدل المتجدد حول قانون تجريم الاستعمار مع تصاعد التوتر في العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، يعود النقاش حول الهوية الوطنية إلى صدارته بوصفه معركة وعي لا تقل خطورة عن معارك السلاح.

وفي هذا السياق، يكتب الباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان نصًا فكريًا ـ سياسيًا لـ "عربي21"، يتجاوز السجال الظرفي ليضع مسألة اللغة في قلب الصراع على الذاكرة والسيادة ووحدة الدولة، معتبرًا أن ما فشل فيه الاستعمار بالقوة العسكرية، ما زال يسعى إلى تحقيقه عبر أدوات ثقافية ولسانية ناعمة، تهدد بتفكيك الأسس الجامعة التي قامت عليها الجزائر الحديثة.

اختلاط الأنساب والأعراق في الجزائر

إن اختلاط الأنساب والأعراق في الجزائر داخل بوتقة الإسلام وثقافته الربانية إيمانا وإنسانا ولسانا يعتبر من أفضل نعم الله على هذا الوطن المفدى بأغلى الأثمان من قبضة المحتل الغاشم بفضل وحدة الشعب  المتلاحم وإرادة أفراده عبر القرون كأعضاء الجسد الواحد  كما يصفه الإمام  عبد الحميد  ابن باديس  (القبائلي )  الوطني  وصفا  دقيقا  وبديعا بقوله  :"إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ وحّد بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في الشدة والرخاء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام".

ويقول عن فرنسا ذاتها، متخذا الحجة من واقعها الحالي على أرضها وشعبها المكون من شتى الأصول السلالية والثقافية، وخاصة من أقطارنا المغاربية المسلمة العربية "الوطنية منها والحرْكية (بتسكين الراء)".

"إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة، وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات، وجودا محليا، وجهل عدد قليل بالعربية، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال".

هذا هو مفهوم العروبة النوفمبرية المكتسبة بالانتساب الاختياري، وليس بالإكراه الاستحلالي والاستدماري، كما حاول المحتلون أن يفرضوه منذ قرون، وما يزالون يحاولون ويأملون في البقاء والعودة من النافذة الثقافية واللغوية، بعد أن أخرجوا من الباب العسكري والسياسي والوطني الترابي (الجغرافي والديمغرافي).

"إن اختلاط الدماء في فرنسا والدول الأوروبية قائم، ولم يحل ذلك دون أن تكون فرنسا أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم، بينما نجد على جبال فرنسا وفي قراها من لا يحسن اللغة الفرنسية، ولكن ذلك القليل ـ نظرا للأكثرية ـ لم يمنع من أن تكون فرنسا أمة واحدة، وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المتعصبون عنها، ويحاولون بوجود اللغة البربرية في بعض الجهات، وجودا محليا، وجهل عدد قليل بالعربية، أن يشككوا في انتماء الجزائر إلى الأمة العربية التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال".
إن هذه العروبة الإسلامية الاختيارية، هي التي أخرجت أبا لهب (القرشي) من الأمة المحمدية، وأدخلت بلالا الحبشي وصهيبا الرومي وسلمان الفارسي، وجعلتهم جميعا من الصحابة المقربين. بل ومن آل البيت أنفسهم في المؤمنين !!

وهذا الباب ما يزال  مفتوحا لكل مسلم على وجه الأرض، كما ورد في الحديث الشريف: "ليست العربية (أي العروبة بالمعنى الباديسي) بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي باللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي".

وإن تعلّم أي فرد مسلم للعربية وإتقانها كأهلها أو أفضل منهم، هي مسألة في متناول كل إنسان سليم الحواس موفور الإرادة، ككل الأسلاف في شمال أفريقيا بعد الفتح الإسلامي، واستبدال العربية القرآنية بالبونيقية والرومانية.

وهذه العلاقة العضوية بين الإسلام والعربية، هي التي كونت الهوية الوطنية لشعوب كل البلاد المسلمة، الناطقة بالعربية في القارة الأفريقية والآسيوية الحالية.

وإن مطالب الشعب السينغالي المسلم للتبني الرسمي والوطني للغة العربية بدل الفرنسية، لأقوى دليل على ما نقول!؟

ولذلك، يتعين علينا هنا رفع اللبس الذي يكتنف هذه المغالطة الكبرى التي يرددها بعض المتجنسين الجدد عندنا (عن أمية وجهالة أو عن خبث وتواطؤ وعمالة)، لتجريم بيان الشهداء  الذي كرس تطبيقه تلك الوحدة الرائعة التي حققت الاستقلال الذي ما يزال يتطلب الاستكمال  بالتخلص الكامل من مخلفات الاحتلال  المتربص بالاستقلال رغم تغير الوسائل والأحوال  وتبدل الرجال؟!

وهنا يجب أن نقف قليلا لكشف مغالطة تتمثل في ادعاء بعض المغرضين (عن جهل أو قصد) لرفع المظلومية عن مكون أو حقبة من تاريخ الذات الوطنية، المتمثلة في ما يسمونه بالبعد النوميدي البربري (أو الأمازيغي) للهوية الوطنية الجزائرية، التي أهملها البيان (الباديسي النوفمبري) حسب زعمهم، وكأنهم اكتشفوا البارود بهذه الهوية الثلاثية التركيب أو الترتيب (عربية بربرية إسلامية)، الموجودة كحلقة من أطوار التاريخ الوطني في الاتجاه العمودي عبر الزمان، وتتمثل في كون الهوية الوطنية الجزائرية أو المغاربية والعربية عموما، هي بربرية عربية إسلامية، أو بابلية عربية إسلامية، أو سريانية عربية إسلامية، أو فرعونية عربية إسلامية، أو كنعانية عربية إسلامية. ولكنها في الاتجاه الأفقي في المكان الواحد، هي عربية إسلامية فقط، أو بربرية إسلامية فقط، أو فرنسية إسلامية فقط، مثلما كانت طوال 132 سنة تحت الاحتلال.

وإن أي طرح لهذه الهوية الثلاثية المركبة على هذا النحو المغالط والمريب، لا تكون نتيجته الحتمية إلا تمزيق الوطن الواحد والشعب الواحد، في إطار (الجزائر الجزائرية بغنيمة الحرب الفرنسية)، إلى أشتات لا حصر لها من الشعوب والهويات القومية والطائفية والعرقية والعنصرية، على أساس اختلاف اللهجات المحلية على المدى القريب والبعيد، مثل بعض الدول الأوروبية الغربية  الحالية  ( كفرنسا ورومانيا  وإيطاليا و بلجيكا وإسبانيا  والبرتغال) التي استقلت لهجاتها المحلية المشتقة من اللاتينية أصلا تحولت إلى لغات وطنية ورسمية مستقلة بذاتها ولا تتعامل فيما بينها إلا بالمترجمين في اجتماعات الاتحاد الأوروبي حاليا  كما نشاهد على المباشر !!؟؟

علما أن هذا التحول اللساني عندنا في بلدان شمال افريقيا. تم بالاختيار الحر للأغلبية   السكانية حبا للعربية بعد إسلامها الإرادي الحر وليس بالإجبار على الإطلاق، كما قلنا، ولو كنا غير ذلك لما قدمنا الملايين من الشهداء لنظل عربا مسلمين، وقد كانت أمام شعوبنا الفرصة السانحة لأكثر من قرن من ظلام الاحتلال لنرتد عن الإسلام لو كنا مكرهين عليه وعلى لسانه، كما يروج المرتدون عندنا وما يزالون يرددون ذلك مع المرجفين على الضفتين!ويتبين من روح البيان النوفمبزي الذي تحقق الاستقلال بفضل تطبيقه الصادق بالرجال المخلصين ، أن الجزائر وإن انهزمت عسكريا بعد وقوعها تحت الاحتلال الفرنسي المديد والفريد،  فأنها لم ترضخ يوما ولم تستسلم قط لإرادة المحتل في مسخ الهوية الوطنية (بالفرنسة والتنصير).

وطوال 132 سنة من الاحتلال الكامل والشامل لم تعرف المقاومة الشعبية تحت لواء الإسلام والعربية معنى الراحة، وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع، حتى الاستفتاء على تقرير المصير في 3 تموز/يوليو 1962، الذي تم بموجب نتائجه الساحقة والشفافة أمام أعين العالم كله بـ 97 % (بنعم) للاستقلال الوطني، في إطار السيادة الكاملة والمعاملة بالمثل مع الدولة الفرنسية على الورق الموقع أمام الأشهاد، باعتراف الجنرال دوغول ذاته عشية يوم الاستفتاء على تقرير المصير، لتبدأ مرحلة جديدة لاسترجاع الجزائر باليسرى الفرنسية والعمالة المحلية، بعد أن افتكها الشهداء باليمنى الوطنية القوية، كما يوحي بذلك رئيس وزراء فرنسا في خطاب له ألقاه في المجلس الوطني الفرنسي بمناسبة توقيف الحرب  مع الجزائر  وذلك يوم 20 آذار/مارس 1962، أي في اليوم التالي من دخول توقيف القتال حيز التنفيذ، قال فيه حرفيا: "وإذا توقف القتال الذي بدأناه منذ 132 سنة.. (أي سنة 1830)، فإننا سنواصله بطرق أخرى"!!؟؟

وهذا ما تم التخطيط له بالفعل ويجري تنفيذه بكل الوسائل منذ توقيف ذلك القتال ضد الاحتلال المباشر، لتبدأ مرحلة الاستحلال التي تحدث عنها رئيس الوزراء الفرنسي الأنف الذكر، وهي التي حولت فيها اللغة الفرنسية من "جريمة حرب" في جزائر الاحتلال، إلى "غنيمة حرب" تحت راية الاستقلال في الاستحلال.!؟

(انظر مقالنا المفصل حول هذا الموضوع في عربي 21 ليوم 10 تموز/يوليو 2023).

وإن تجريم الاستعمار الفرنسي الذي صدر قانون سيادي بشأنه في المجلس الشعبي الوطني على أهميته وإن تأخر أكثر من نصف قرن فإن هذا التجريم للجرم قد حصل بالفعل وسجل في التاريخ وانتهى إلى الحفظ  الأبدي في ذاكرة الأمة لأجيال عديدة متعاقبة خلفا عن سلف  في الزمان والمكان!؟

طوال 132 سنة من الاحتلال الكامل والشامل لم تعرف المقاومة الشعبية تحت لواء الإسلام والعربية معنى الراحة، وقد سارت هذه المقاومة في خطين متوازيين (ثقافي هوياتي وسياسي جهادي) دون هوادة أو انقطاع، حتى الاستفتاء على تقرير المصير في 3 تموز/يوليو 1962،
ومن ثم فإصدار قانونه الرسمي أو إنكار وجوده (المتسبب في تاخير صدوره من المجرم ذاته أو بعض المستخلفين من وكلائه واعوانهم في السوسة المدسوسة) فإنه يظل ظاهرا ومحفورا على أجساد المعذبين الأحياء وجماجم الأبطال في متاحف المجرمين من الأعداء  أنفسهم لا يلغي وجوده من صفحات التاريخ الوطني وذاكرة الأمة على الإطلاق ولا يسقط بالتقادم لأنه جرح غائر ودائم!؟

أما الضربة الحقيقية الموجعة للاستعمار الفرنسي الماضي والحاضر والمستقبل في جزائر الشهداء والضحايا الأبرياء فهو القانون السيادي الشعبي الدستوري المتعلق باستعمال اللغة الوطنية الذي اعتمد بالإجماع في المجلس الشعبي الوطني وصدر في الجريدة الرسمية. للجمهورية الجزائرية بإمضاء الرئيس الشاذلي بن جديد في ديسمبر 1989 وجدد آصاره  الرئيس المجاهد الوطني اليمين زروال سنة 1998 واهمل القانون مرة أخرى (نكاية به) بعد استقالة الرئيس  المجاهد الصادق لأسباب ليست بعيدة  عن إكراهات متعلقة بتطبيق القانون ذاته الذي كان الرئيس زروال عازما على إخراجه من القبر إلى القصر وأسس من اجله المجلس الأعلى للغة العربية (الذي شرفني بتعييني عضوا عاملا  فيه) فقدمت استقالتي المبرر منه احتجاجا وتضامنا مع استقالة الرئيس مكرها وبقي التجميد والتطبيق في مستهل الطريق حتى هذه  اللحظة!!؟؟

ولم نشهد له إلا التعويق  بعد ثلث قرن من صدوره من المجلس الشعبي الوطني بالإجماع في يوم بهيج مهيب فيما اذكر مع كل الوطنيين  (المعربين والمفرنسين) من كل الجهات والفئات  الأصيلة (غير العميلة ) لان الوطنية في الجزائر ليست حكرا على عالم أو جاهل بالعربية  لأسباب "استدمارية" عنصرية فرنسية، مما حدا بأحد الوجوه الوطنية المجاهدة في كل  الأطوار  التي سبقت الاستقلال وأعقبت الاحتلال وعاشت بواكير الاستحلال  وهو الصديق والرفيق المرحوم  مولود قاسم المصرح يومها احتفاء وابتهاجا  بهذا القانون الذي طال انتظاره مثل قانون التجريم ذاته كالفجر (بعد ليل طويل ) وقد عم الدنيا الابتهاج به مثل يؤمنا هذا بقانون التجريم من كل أعضاء البرلمان كما شاهدهم كل العالم المتابع على المباشر  وأذكر أن فقيد الجزائر الغائب الحاضر مولود قاسم قال عن قانون اللغة العربية إنه بمثابة  بيان اول نوفمر الثاني بل هو أهم منه  كما قال لأنه يتعلق بمصير وحدة  الجزائر!؟!؟

وقد تداول على رئاسة البلاد ستة رؤساء حتى الآن دون أن نشهد تطبيقه في إدارة البلاد أو  إلغائه من قائمة القوانين  الشعببة السيادية التي عرفتها الجزائر في كل أطوارها (المتقلبة ) بعد سنوات الاستقلال الظاهر عن الاحتلال المتستر بالاستحلال الحاضر  والقاهر!؟

تلكم هي المهمة النوعية الأصعب في نظرنا، التي يجب أن يضطلع بها كل الرفقاء الوطنيين في جميع المستويات والجهات، القائمين  بالمهمة المتواصلة ضد الاستحلال في الاستقلال.!؟

ويشاء الحكيم العليم الذي ربط الإسلام بلغة القرآن، وجمع الإثنين في المصير المشترك للهوية الوطنية (العربية الإسلامية )التي لا تقبل الانفصال أو الانفصام كما أثبتنا، يشاء أن يجمع كاتب هذه السطور مع إخوان ابن باديس وتلامذته في عضوية المجلس الإسلامي الأعلى للدولة الجزائرية، وفي الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية في أرضها، بعد ستة عقود من الاختفاء الظاهر لبعض المظاهر المتعلقة بالاحتلال المباشر.

وتبقى أم الأولاد المقهورة من ضرتها الفرنسية (غير الشرعية)، لتؤسس لها جمعية أهلية تدافع عنها بدل تطبيق الدستور الوطني القائم والصارخ بمادته الثالثة (العربية هي اللغة الوطنية والرسمية)، منذ سنة 1963 في الجزائر المستقلة ذات السيادة في مواد الدستور  دون تطبيق في هذه المادة السيادية اليتيمة بامتياز !!

أقصد اللغة العربية جوهر الهوية الوطنية، المتضمنة في  المبادئ النوفمبرية  للجزائر المسلمة العربية، وليس (للجزائر الجزائرية بغنيمة الحرب الفرنسية )  التي خطط لها الجنرال دوغول (انظر مقالنا في عربي 21، ليوم  الجمعة 19 ديسمبر 2025) وترك تنفيذ الوصية للورثة من بعده في الاستحلال بعد توقيف القتال كما ورد في كلام رئيس وزرائه الآنف الذكر !!.

ولولا ثوابت تلك الهوية الوطنية المتميزة (لسانا ودينا ووجدانا) كما حددها بيان الشهداء، وطبقها الشعب الموحد المحتضن لثورة الجهاد، وظل وقودا لها طوال اشتعالها (مثل أهل فلسطين الأشداء المرابطين على أرضها الآن )، ما كانت لتقوم ، تلك الثورة المباركة أصلا فضلا عن أن تنجح، لو كان عندنا يومها شعبان مختلفان في تصور وتعدد وتناقض ثوابت الهوية الوطنية (العمودية والأفقية )، كما فصلناها آنفا، لرفع اللبس وتوضيح الأمور، وفضح كل تلاعب بالكلمات بين السطور.!!!

وهنا تكمن القضية الجوهرية في وحدة الهوية والوحدة الوطنية التي أخرجت الاحتلال من الباب، وفي نفسه الشيء الكثير من الحقد عليها، ليراوغها ويتجاوزها بما تركه في إدارتها، كما عبر عن ذلك الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي (ابن باديس الثاني)، في خطبته التاريخية عند استرجاع مسجد كشاورة   إلى وظيفته التي وجد من أجلها، وحافظت عليها الأجيال المتعاقبة التي لم يتغير الله في قلوبها نصا وروحا حتى الآن، كما يتمثل ذلك في تدشين جامع الجزائر الأعظم، الذي يعدّ أكبر ثالث مَعْلَم  إسلامي بعد الحرمين الشريفين فوق الكرة الأرضية، والذي شيد في مكان الكنيسة التي كان قد شيدها أحد غلاة الفرنسة والتنصير لتحقيق حلم (الجزائر الفرنسية)، قبل حرب التحرير وتقرير المصير الأخير.

وهذه هي مهمة الدولة الوطنية والشعب الأبي وجمعية العلماء المسلمين وكل الرجال المخلصين الراحلين والقائمين على النهج القويم، أوفياء للوطن والدين غير مبدلين ولا مغيرين، إلى أن يقف الجميع أمام الديان يوم الحساب والعقاب مع الأولين والآخرين، والعاقبة للمتقين الثابتين على العهد والنهج القويم إلى يوم الدين !؟