أفكَار

أي تقسيم لهوية الجزائر سيؤدي بوحدتها حتماً إلى التفكك والزوال

الهوية الوطنية الجزائرية أو المغاربية والعربية عموماً في الاتجاه العمودي التاريخي في الزمان هي: بربرية عربية إسلامية، أو بابلية عربية إسلامية، أو سريانية عربية إسلامية، أو فرعونية عربية إسلامية، أو كنعانية عربية إسلامية..
يقدّم الكاتب والباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان في سياق الدراسات الفكرية التي يواصل نشرها على منصة "عربي21"، هذا النص بوصفه امتدادًا لمشروعه النقدي الذي ينشغل بسؤال الهوية الوطنية الجزائرية، وحدودها التاريخية، ومقومات صمودها في وجه محاولات التفكيك القديمة والمتجددة. فالنص لا يُقرأ باعتباره موقفًا ظرفيًا أو ردّ فعل آنيًّا على نقاش سياسي عابر، بل باعتباره معالجة فكرية عميقة لإشكالية مركزية: العلاقة العضوية بين وحدة الهوية ووحدة الدولة، وبين السيادة الثقافية والاستقلال السياسي الحقيقي.

ينطلق الدكتور أحمد بن نعمان من مسلّمة تاريخية وحضارية مفادها أن استقلال الدولة لا يُقاس بالسيادة القانونية الشكلية وحدها، وإنما بمدى تجذّر الهوية الوطنية الجامعة في الوعي الجمعي، لغةً وثقافةً وانتماءً حضاريًا. ومن هذا المنظور، يحذّر النص من أن أي محاولة لتقسيم هوية الجزائر، أو إعادة تركيبها على أسس متنازعة داخل المكان والزمان نفسيهما، ليست سوى مدخل خطير لتفكيك وحدتها الوطنية، وتمهيد موضوعي لزوالها ككيان موحّد، مهما بدا ذلك مغلّفًا بشعارات الاعتراف أو التعدد.

وتكتسب هذه المقالة أهميتها من كونها تربط بين بيان أول نوفمبر 1954 بوصفه المرجعية التأسيسية للدولة الجزائرية الحديثة، وبين الرهانات الراهنة المرتبطة باللغة، والدستور، والسيادة الثقافية، معتبرة أن المساس بالهوية الموحدة هو في جوهره مساس بوصية الشهداء وبمنطق التحرر ذاته.

وبهذا المعنى، يندرج النص ضمن السجال الفكري الذي يخوضه الدكتور أحمد بن نعمان في "عربي21" دفاعًا عن هوية جزائرية صامدة عبر الأجيال، يرى أنها لا تقبل القسمة دون أن تفقد معناها، ولا التعدد المتنازع دون أن تنقلب إلى أداة تفكك بدل أن تكون عامل وحدة وبقاء.


مقومات الهوية الوطنية الثابتة

إن استقلال الجنسية الورقية وحدها إن بقي دون استقلال مقومات الهوية الوطنية الثابتة لأي شعب، وخاصة في مجال وحدة اللغة الوطنية والرسمية المقررة في الدستور.. فمآل هذا الاستقلال الورقي أو الصوري هو الزوال الحتمي، وكل الأوضاع الحالية في العالم تثبت علمية هذا الطرح مثل: السودان، جورجيا، العراق، تشيكوسلوفاكيا، والاتحاد الذي كان سوفياتياً في وحدة الجنسية دون وحدة الهوية القومية.

وعلى العكس من ذلك، إذا كان الشعب محتفظاً بشخصيته الموحدة الهوية بثوابتها الجوهرية في الزمان والمكان، فحتى لو تضيع جنسيته (الورقية) فإنه سيسترجعها متى أراد ذلك ولو بعد حين، مثلما وقع للشعب الفيتنامي والكوري والألماني والجزائري مع الاحتلال الاستيطاني الفرنسي كما سنفصل ذلك بعد حين.

وهو ما جعلنا نقسم الاستقلال الوطني للدول والشعوب إلى قسمين اثنين، لا يستقيم أحدهما ولا يدوم طويلاً إلا بوجود الآخر، كما هو واقع بالفعل في كل الدول القوية الموحدة والمستقلة في العالم المعاصر. ولتوضيح ذلك يمكننا أن نطرح السؤال التالي: هل النمسا فرنسية؟ فالجواب يكون بالنفي قطعاً وبدون أدنى تردد! ولكن لو نطرح سؤالاً افتراضياً آخر يقول: هل النمسا ألمانية!؟ فالجواب يكون بالنفي بالنسبة للجنسية الحالية المرتبطة باسم الدولة... ولكنه يكون بالإثبات قطعاً بالنسبة للهوية الثقافية، شأنها في ذلك شأن ألمانيا الشرقية والغربية سابقاً، وشأن سوريا ولبنان والكويت والعراق والأردن وفلسطين وبلاد المغرب العربي عموماً... التي ورد في شأنها مادة جوهرية في بيان أول نوفمبر 1954 خاصة بالانتماء والهوية تقول: "تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي".

"على فرنسا الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية وتلغي بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضاً فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري".
ونلاحظ الإعلان الصريح من مفجري الثورة الستة هنا في البيان، وأيدهم كل القادة الآخرين الكبار من كل الفئات والجهات والأعمار (كزيغود وسي ناصر، والحاج لخضر وسي مبروك وعبان ، وأوعمران، وزعموم، وبوقرة،  وعلي كافي  ، وعميروش، والحواس، وميرة، وموحند أولحاج، ولطفي، وشعباني، وصوت العرب، والخطيب...) كلهم اعتمدوا نص البيان وطبقوه بالحديد والنار في الميدان، مؤكدين بسلوكهم (قولاً وفعلاً )هذا الانتماء الطبيعي والهوية الوطنية ذات الأصل الثقافي والبعد الجغرافي والطبيعي (العربي الإسلامي)، وليس الإفريقي أو المتوسطي أو حتى النوميدي فضلاً عن الروماني أو اللاتيني أو "الفرنكوفوني"، وهو عين العلم والوطنية والنباهة والسياسة والتاريخ.. بعد الفتح الإسلامي والانتماء الإيماني والحضاري إلى الأمة المحمدية قلباً إيمانياً وقالباً لسانياً وثقافياً!؟

ولذلك فإن رفع اللبس الذي يكتنف هذه المغالطة التي يرددها بعض الساسة الحاليين وأشباه المثقفين غير الأميين عندنا (عن جهل أو عن قصد يبعث على الارتياب في صدق نياتهم !؟) بدعوى رفع ما يرونه "مظلومية" عن مكون من الذات الوطنية والمتمثل فيما يسمونه (البعد الأمازيغي أو النوميدي في الهوية الوطنية) التي يتوهمون (جهلاً بالتأكيد ) أن البيان قد أغفلها أو أهملها في ظنهم المريج!؟

هذا البيان الذي يقول بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي تأويل بأية لهجة أو لغة كانت، يقول في بند آخر تحسباً لمثل هذا الاعتراض المريب: "على فرنسا الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية وتلغي بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضاً فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري".

وإذا قال بعضهم بأن اللغة المقصودة هنا ليست العربية، نقول لهم إن شعار حزب الشعب الذي يحمله كل قادة الثورة في بطاقة نضالهم في حزب الشعب الجزائري  الذي فجر الثورة  مكتوب بالعربية وحدها: "الجزائر وطننا، الإسلام ديننا، العربية لغتنا".

هؤلاء المستدركون الوافدون اليوم يطعنون في هذا البيان المعتمد على ذلك المبدأ الهوياتي الخالد الذي حرره كبار الثوار والقادة من كل أنحاء الوطن كما قلنا، ونعرف بعضهم شخصيا وقد  طبع  البيان بقلب جرجرة وبلغة العدو الفرنسي ذاته، لأن هؤلاء الأصلاء من قادة حزب الشعب الجزائري (وليس الشعوب الجزائرية) الذين حرمهم المحتل ذاته من تعلم لغتهم الوطنية التي تبناها اسلافهم الأمجاد منذ فتح الله على هذا الوطن بنور الإسلام ولسان القرآن الذي استبدلوه بلسان الرومان، وبقوا متمسكين به وحده حتى الغزو المشؤوم على هذا الوطن في اليوم المعلوم من سنة 1830، حيث بدأ المحتل الصليبي الموتور يطبق سياسة المسخ والنسخ والفسخ للهوية الوطنية بالحرمان من لسان القرآن وفرض لسانه الفرنسي الهجين بالقوة على عموم السكان المسلمين باعتبارهم فرنسيين، ومع ذلك ظلوا مسلمين عرباً مقدسين للسان الدنيا والهوية والدين في اعتقادهم الراسخ، وسطروه في هذا البيان المبين الذي طبعوه في أواخر شهر أكتوبر من سنة 1954 بأمر وإشراف من القائد الكبير كريم بلقاسم، الذي يدعي عليه بعض المغرضين من العملاء و"الطلقاء" أنه قصر في عدم ذكره لهذا البعد الهوياتي (البربري أو الأمازيغي)، وكأنهم قد اكتشفوا البارود بهذه الهوية الثلاثية التركيب التي يريدون أن يفرضوها على واقع الوطن والأمة في الحاضر دون اجماع أغلبية الشعب الجزائري عليها في كافة أنحاء الوطن  على  غرار الاستفتاء على تقرير المصير والاستقلال عن فرنسا سنة 1962.!؟

وهذه الهوية الثلاثية في الحقيقة موجودة في التاريخ وتتمثل في كون الهوية الوطنية الجزائرية أو المغاربية والعربية عموماً في الاتجاه العمودي التاريخي في الزمان هي: بربرية عربية إسلامية، أو بابلية عربية إسلامية، أو سريانية عربية إسلامية، أو فرعونية عربية إسلامية، أو كنعانية عربية إسلامية... ولكنها في الاتجاه الأفقي في المكان هي عربية إسلامية فقط... أو بربرية إسلامية فقط، أو (بربرية رومانية فرنسية علمانية فقط). وإن أي طرح لهذه الهوية الثلاثية المركبة على هذا النحو المغالط في نفس المكان والزمان هو غير مستقيم على الإطلاق وغير صحيح، ولن تكون نتيجته الحتمية إلا تمزق الوطن الواحد، أو القطر الواحد، إلى أشتات وشراذم لا حصر لها من الهويات والقوميات لصالح مخطط (الجزائر الفرنسية) الذي تحول إلى (جزائر جزائرية) في طبعته ( الديغولية الجديدة )كما أثبتنا في مقالنا السابق هنا ليوم الجمعة (19 ديسمبر 2025) بالأدلة القاطعة التي لا تترك مجالاً لأي جدال عقيم حول هذه المغالطة المعروفة والمكشوفة!؟

ونتحدى فرنسا الواقفة وراء هذه المادة الدستورية (التقسيمية للوطن) أفقياً إلى (أرض عربية وبربرية) وإلى شعب (عربي وبربري) متنافر في مخيلتهم وغير مندمج لا في الجوامع ولا في المصانع ولا في الأسواق والشوارع... نتحداها أن تطبق هذا التقسيم على واقع دولتها الفرنسية الحالية بتقسيمها أفقياً إلى أرض (غالية ـ نسبة إلى الغولوا ـ وأرض فرنسية) وتقسيم الشعب الفرنسي إلى (غولوا أصليين وفرنسيين وافدين من كل الأعراق البشرية التي لا تجمعها على أرضها إلا اللغة الفرنسية الوحيدة الوطنية والرسمية!؟). وهو عكس ما تريد أن تفعله عندنا بالمادة (الضرار) الآنفة الذكر المكشوفة التي تحقق أمل الجنرال ديغول في أن تبقى الجزائر فرنسية كما قال فيما سنبين بعد حين!؟

ولإنقاذ وحدة الشهداء بعد الاستقلال، نرى من منطلق وطني نوفمبري (واضح وصادح) أن يتم رفض ترسيم اللغة الفرنسية في جزائر الاستقلال مثلما رفض قادة الثورة فصل جنوب الجزائر عن شمالها، وقد قال الجنرال ديغول أثناء المفاوضات مع وفد جبهة التحرير الوطني آنذاك بقيادة كريم بلقاسم ذاته إنه: "لو يتعين علي أن أختار بين بترول الصحراء وبقاء اللغة الفرنسية في الجزائر لاخترت بقاء اللغة الفرنسية"، ولذلك خطط لهذا الأمر بنفسه وقرر وخط ذلك بقلمه في كتابه "الأمل" (صفحة 49) من الطبعة العربية الصادرة عن دار عويدات ببيروت سنة 1968 قوله فيه حرفياً: "ستبقى الجزائر فرنسية".

وهل ستبقى الجزائر فرنسية بالبربرية أو بالعربية الغريمة لها إلى يوم الدين!؟!؟ أم تبقى الجزائر فرنسية ببقاء سيادة واستعمال اللغة الفرنسية إلى الآن في طبع الجريدة الرسمية بها في ازدواجية مريبة مخلة ومذلة (ما دون جميع الدول العربية وغير العربية المستقلة في العالم) خارج التبعية للهيمنة الفرنسية!!؟؟ هذا في اعتقادنا هو معنى (المواد الصماء غير المستقيمة مع الواقع وغير القابلة للتطبيق في ذات المكان والزمان) المدرجة في الدستور الجديد لتغيير واقع الجزائر فعلاً على المدى القريب أو البعيد!؟

ولذلك قلنا بأن اللغة الوطنية والرسمية، في نفس المكان والزمان، هي عنوان السيادة ومرآة السياسة، وأن الهوية الموحدة لا تقبل التعدد على الإطلاق!! ولتبيان ذلك للذين تهمهم (وحدة الأمة) ومصيرها وتاريخها، وتوضيح المعنى الحقيقي للاستمرارية التاريخية للهوية الوطنية (الأمازيغية العربية الإسلامية)، فإننا نتمثل بعملية (تطعيم الأشجار أو زرع الأعضاء في علم الأحياء). ومن أبجديات وضرورات التلقيح (أو الزرع الناجح )هو مراعاة  تجانس أنواع الأشجار المُطعّمة بعضها ببعض بحيث لا يمكن تطعيم الشجر بالحجر، أو شجر الزيتون بالتين أو بالموز، أو شجر التفاح بالبلوط واللوز، أو التين الشوكي بالفستق والجوز!؟

الذين يحاولون اليوم تمزيق وحدة الشعب والأمة في الجزائر بالبحث عن هوية أو هويات أخرى جديدة هم الذين كانوا يفرنسون الجزائر تحت شعار "اللغة وسيلة"، وعندما وصلوا إلى الإفلاس المادي والمعنوي وبدأت الجزائر تدرك الخطر وتحاول استرجاع أهم مقومات هويتها النوفمبرية والمتمثل في تعميم استعمال اللغة الوطنية والرسمية، بدأوا يبحثون عن البديل اللغوي (الضرار) من العدم للتمكين للغة العدو من اكتساب الشرعية في السيادة التي لم تكن تحلم بها حتى أثناء الاحتلال الفرنسي الطويل والمباشر!!
والتطعيم هنا ثقافي، وليس عضوياً، بما يسمح لنا أن نقول بأن الوافدين المسلمين من مختلف الأصول والألوان قد ذابوا في السكان المحليين من مختلف الأصول البشرية كذلك، على اعتبار أن منطقة جنوب البحر المتوسط وشمال أفريقيا بحكم موقعها الجغرافي ظلت محطة تقاطع الهجرات وتلاقي الحضارات منذ القدم، وأن هذا التطعيم الثقافي والتزاوج الفعلي بين السكان داخل الدين الواحد الذي لا يفرق في أصوله ونصوصه بين العربي والعجمي إلا بالتقوى، وأن أكرم الناس عنده هو أتقاهم وليس أذكاهم أو أغناهم. او أقواهم وأن هذا التطعيم (المجازي) الحاصل قد تم بنقل فرع من شجرة، ليطعم به جذع أو فرع من شجرة أخرى لها وجود وجذور ممتدة في أعماق الأرض، ما شاء لها التاريخ أن تمتد..

وإذا ما نجح التطعيم نجاحاً كاملاً، وكبرت الشجرة المطعمة، فيصبح جذرها من نوع وبقية الكيان (الجذع والأغصان والثمار) من نوع آخر، بمعنى أن ما تحت التراب نوع، وما فوق التراب نوع آخر، وكما لا تستطيع الشجرة أن تنفصل عن جذرها أو تغيره ولو أرادت (على اعتبار أن التطعيم يتم في الجذع وليس في الجذر)، فكذلك يظل من المستحيل أن يكون للشجرة وجود ملموس لو قطعت من مستوى التربة (أي من مكان التطعيم الذي أزالت معالمه القرون وصيرت الجذع كتلة عضوية واحدة) علماً بأنها ستعطي نفس الثمار حتى ولو شقت أو قطعت!!

وتبقى النتيجة الوحيدة لعملية القطع أو الشق هي تأخر نمو الشجرة أو قتلها، وليس تغيير نوع الشجرة أو ثمارها ككل، وقد حاول المحتل بقيادة الكردينال (لافيجري) وأتباعه طوال سنوات الاحتلال المباشر وباء بالفشل الذريع!؟ وهذا هو القطع أو الشق الذي سيحدثه تطبيق مادة هذا الدستور الجديد في الجزائر لصالح طرف على حساب طرف آخر أو على حساب الطرفين معاً لحساب طرف ثالث مغاير، وهو الهدف المخطط له في الخفاء منذ زمان وبدأ في الظهور السافر الآن للعيان!!

إن عدم التفريق بين استقلال الجنسية واستقلال الهوية مع التواطؤ من بعض المستوطنين الجدد (من ذوي الجنسية الجزائرية...) هو الذي نقل الهوية الوطنية من قضية بيداغوجية في الستينيات إلى قضية "إيديولوجية" الآن تعود إليه جل الاضطرابات الظاهرة والمقنعة التي تعيشها الجزائر في الوقت الحاضر، والتي قد تستمر فيها مستقبلاً بشكل مأساوي إذا لم يطبق الدستور الوطني الموحد الهوية أفقياً (وليس عمودياً) كما قلنا (مثل فرنسا في فرنسا) ويفصل به وفيه ميدانياً وفعلياً بين الشرف والعلف والغاية والوسيلة والأمة والقبيلة!!

علماً أن الذين يحاولون اليوم تمزيق وحدة الشعب والأمة في الجزائر بالبحث عن هوية أو هويات أخرى جديدة هم الذين كانوا يفرنسون الجزائر تحت شعار "اللغة وسيلة"، وعندما وصلوا إلى الإفلاس المادي والمعنوي وبدأت الجزائر تدرك الخطر وتحاول استرجاع أهم مقومات هويتها النوفمبرية والمتمثل في تعميم استعمال اللغة الوطنية والرسمية، بدأوا يبحثون عن البديل اللغوي (الضرار) من العدم للتمكين للغة العدو من اكتساب الشرعية في السيادة التي لم تكن تحلم بها حتى أثناء الاحتلال الفرنسي الطويل والمباشر!!

ولقد كان من المفروض، لو توفر الحس الوطني، الذي كان سائداً أثناء الكفاح المسلح، أن يواصل العمل بعد الاستقلال من أجل إتمام عملية تقوية وتحصين الهوية الوطنية تجاه لغة العدو المشترك، بدلاً من محاولة خلق أوضاع لغوية مصطنعة لصالح هذا العدو ذاته، وما يجب التأكيد عليه هنا هو أن اللغة الفصحى في أية أمة هي بمثابة الملكة التي لا تقبل التعدد، واللهجات أو اللغات الشعبية المحلية (العربية والبربرية) هي بمثابة الأميرات أو الوصيفات المساعدات للملكة في الأمور العادية (غير الرسمية).

وإذا أمكن أن تقوم الفصحى بأعمال الأميرات، فإنه لا يمكن لهؤلاء المساعدات أن ينبن عن الملكة في المسائل السيادية الرسمية، لأن الملكة واحدة، بينما الأميرات متعددات، ويمكن أن تنوب الواحدة منهن عن الأخرى دون أي ضرر أو أثر سلبي على حياة الدولة والأمة، بينما لو تصبح أية وصيفة ملكة كما ينص عليها دستور (التغيير الجغرافي والديمغرافي والثقافي) فإن أولى النتائج الحتمية المترتبة على ذلك هو أن تطلب (تمازيغت) شعباً تحكمه أو تحكم به! وهذا هو الخطر الحتمي الذي يجب أن نذكر به الخبراء والساسة (الأميين منهم والمتعلمين) الذين يعلمون ويتعمدون أو الذين لا يعلمون!!؟

مع التأكيد دائماً على أن الصراع عندنا هو بين اللغة العربية والفرنسية، وليس بين العربية وأية لغة أو لهجة محلية أخرى (عربية أو بربرية) على الإطلاق، فابن خلدون الأندلسي الأصل والتونسي المولد درس ودرّس في بجاية بالعربية الفصحى على أيدي الأجداد (من كل أرجاء الوطن) وكان يقضي حوائجه في السوق بالعامية (العربية أو القبائلية) في بجاية الحمادية أو في تيارت الرستمية دون أي عائق فرنكوفوني، مثل مفدي زكريا وصالح خرفي بالنسبة للميزابية المتداولة محلياً، بينما أشعار الاثنين الوطنية الخالدة كلها باللغة العربية الفصحى الجامعة، وكذلك الفضيل الورثيلاني وأبو يعلى الزواوي ورزقي الشرفاوي ومولود قاسم وعبد الرحمان شيبان ومحمد الصالح الصديق وغيرهم بالنسبة للقبائلية...!! وعندما نتحدث عن العموميات الثقافية وعن الهوية لأي شعب كان، فالذي يهمنا هو القاعدة العامة والغالبة المتبوعة وليس الاستثناء التابع والخاضع الموجود في معظم المجتمعات والأمم، وأن ما يجب أن يعمل من أجله كل أبناء الأمة الواحدة والموحدة، هو مواصلة الجهاد من أجل الحيلولة دون تحول الاستثناء إلى "قاعدة" معطلة أو معرقلة في غياب الاختيار الشعبي الحر والنزيه مثل الذي وقع في الجزائر يوم 03/07/1962، بالنسبة لتقرير مصير الشعب الجزائري المستقل والمختلف ديناً ولساناً عن الشعب الفرنسي المغاير، بمقتضى نص البيان النوفمبري المذكور آنفاً والذي توج قرناً وثلثه من المقاومة والكفاح المتوارث خلفاً عن سلف في إطار الحركة الوطنية بشعارها الثلاثي المقدس: "الجزائر وطننا، الإسلام ديننا، العربية لغتنا!؟"..

وإذا أمكن للمرء أن يكتسب عدة جنسيات ورقية وجوازات سفر في الوقت ذاته، فإنه لا يمكنه أبداً أن يكون ذا هويتين وطنيتين مختلفتين في المكان والزمان ذاته؛ وذلك لأن الهوية مثل الأم والشعب مثل الطفل، ومثلما لا يُعقل أن يكون للطفل والدتان اثنتان أو ثلاث، فلا يعقل أيضاً أن يكون للشعب الموحد الأصيل هويتان مختلفتان أو أكثر، فإما أن يكون الشعب ذا هوية واحدة أو لا يكون موحداً كما كان إلا قسراً وكرهاً وجبراً، وهذا هو ميدان جهاد كل المخلصين الأوفياء من كل جهات هذا الوطن المهدد في أركان وحدته من الداخل بالتجاهل أو التغافل أو التخاذل أو التواطؤ من بعض نواب الفاعل، الذين قال عنهم الجنرال ديغول في كتابه "الأمل" الآنف الذكر وفي الصفحة ذاتها: "إننا إذا تركناهم يحكمون أنفسهم (لم يقل يستقلون وهو يقصد الجزائريين) يقول: فهل يعني ذلك أننا نتركهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا؟ فيجيب بالقطع (لا)، ثم يعلل ذلك بقوله: لأنهم يتحدثون لغتنا ويتقاسمون معنا ثقافتنا".

إن الخيانة والوطنية في الجزائر في الماضي والحاضر كانت وستبقى مسألة فئات (أو عائلات) وليست مسألة أعراق وجهات ولهجات وفصائل دموية (إيجابية أو سلبية) بل الخيانة (ومثلها كذلك البطولة) الوطنية كلها أفعال إرادية بشرية فردية أو جماعية، فئوية، عقدية أو حزبية، وليست عرقية أو خلقية جهوية أو عنصرية بأي حال من الأحوال!؟!
وهل الهوية الوطنية كما أسلفنا إلا ثقافة معيشة ومجسدة بالسلوك الاعتيادي في حياة الإنسان ومتأصلة في الأذهان ومعبر عنها باللسان! ونختم بهذا النص (الأنثروبولوجي) الهام والشامل (لابن خلدون الثاني في الجزائر) وهو الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي يبلور مفهوم التنوع الثقافي الفلكلوري الجهوي للثقافة الوطنية في خصوصياتها المادية النوعية واللغوية المحلية أو اللهجوية خارج اللغة الوطنية الجامعة الكلية التي تدخل في العموميات الثقافية التي تتكون منها الهوية الوطنية الجامعة مثل فرنسا في فرنسا الماضية والحالية كما أسلفنا.

يقول الدكتور في هذا الخصوص المتعلق بالتعدد والتنوع في الهوية الثقافية الواحدة: "أنا أقول بأن الثقافة الجزائرية واحدة متنوعة، يعني نحن شعب ما شاء الله يعيش في أرض شاسعة ومتباعدة الأطراف ولكل منطقة تقريباً من مناطقنا شيء من الخصوصية، شيء من الأدبيات، من اللهجات ولا أقصد اللهجات فقط غير العربية ولكن حتى العربية فيها لهجات كثيرة، وعندما أذهب أنا مثلاً إلى معسكر وأتكلم بلهجة ورقلة وتقورت أحياناً لا يفهمني إخواني هناك، ولذلك نقول بأن وحدتنا ثقافية متنوعة وفي هذا التنوع وحدتنا، يعني نحن نحس بأننا جزائريون (شرقاً غرباً وسطاً جنوباً شمالاً) بذلك التنوع، ويجب أن يفهم غير الفاهمين بأن الشعب الجزائري فريد من نوعه في بعض الحالات، وهذا يجب أن لا يُستغل لضرب هذه الثقافة. نحن نعرف بأن الاستعمار الفرنسي مدة 130 سنة وهو يحارب هذه الوحدة وهذا التلاقي. ليس فقط الوحدة الثقافية ولكن الوحدة السياسية ووحدة التقارب. يعني جزائري الغرب لا يعرف جزائري الشرق ولا يعيش همومه، وقد كرسوا هذه التقسيمات ولذلك هذا الماضي يجب أن ينتبه إليه الواعون من الجزائريين ويجب أن لا يساعدوه اليوم لكي يعود من جديد ويتحكم في مستقبلنا. نحن نقول ثقافتنا واحدة متنوعة (أكل، ملبس، أغاني، طقوس، وتقاليد شعبية..) هذه كل فئة وكل بيئة ولهجات متعددة وغير ذلك، وكل منطقة لها ميزات معينة محددة ولكن كلها تصب في بوتقة واحدة وهي الثقافة الوطنية".

نعم هذه الثقافة الوطنية الجامعة في ثوابتها العامة لساناً ووجداناً وشعوراً وإيماناً بوحدة الكيان والمصير الذي أبى إلا أن يكون كما أراده شعب الأحرار يوم الاستفتاء الحر على تقرير المصير المفروض على العدو بحرب التحرير الطاحنة التي أسفرت عن الشهداء بالملايين من كل أنحاء الوطن، وليسوا حكراً لجهة على جهة إلا في أذهان بعض المرضى والخونة والمشبوهين في انتمائهم إلى هذا الشعب والوطن كما حدده أبناؤه في بيانه بوحدة ترابه ودينه ولسان قرآنه!!

وإن الخيانة والوطنية في الجزائر في الماضي والحاضر كانت وستبقى مسألة فئات (أو عائلات) وليست مسألة أعراق وجهات ولهجات وفصائل دموية (إيجابية أو سلبية) بل الخيانة (ومثلها كذلك البطولة) الوطنية كلها أفعال إرادية بشرية فردية أو جماعية، فئوية، عقدية أو حزبية، وليست عرقية أو خلقية جهوية أو عنصرية بأي حال من الأحوال!؟!