ماذا لو كان الإسلام فعلا هو الحلّ؟.. قراءة الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي

كيف نفعّل هاته القوة الهائلة التي اسمها الإسلام لكي نعود على ساحة العالم وبمقياس التاريخ لا من المفعول بهم وإنما من الفاعلين.
في هذا المقال، يقدم الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي، قراءة عميقة للمشهد الإقليمي والدولي، مع طرح سؤال جوهري: ماذا لو كان الإسلام فعلاً هو الحلّ؟.

ولا يكتفي النص بتحليل التحركات الإسرائيلية واستراتيجياتها التوسعية، بل يتجاوزها إلى التفكير في بناء تحالفات إسلامية قادرة على ردع المشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.



المرزوقي يربط بين التاريخ والحاضر، ويستحضر دروس الهجمات الصليبية والغزوات المغولية ليبرز الحاجة الملحة لإعادة تفعيل قوة الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات المعاصرة، مع الحفاظ على أسس الديمقراطية والمواطنة.

المقدمة توضح أن التحالفات المستقبلية، سواء بين الدول الإسلامية أو العربية، لا تقوم فقط على الدين، بل على المصالح المشتركة والوعي الإستراتيجي، مؤكدة أن استخدام الإسلام كقوة توحيدية ليس عودة إلى التطرف، بل خطوة فكرية وسياسية ضرورية لمواجهة تهديدات حقيقية تستهدف الأمة بأكملها.

تنشر "عربي21" هذا النص بالتزامن مع نشره على الصفحة الرسمية للرئيس المرزوقي على الإنترنت.

الشرق الأوسط الجديد


ما نحن غافلون عنه السعي الحثيث لتكون حلف يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص ومن يقبل من العرب وكأن نتنياهو استشعر إمكانية ولادة حلف إسلامي هو أكبر خطر على مشروعه الإستراتيجي فبادر بالهجوم قبل أن يضطر للدفاع.

هذا ما يفسر الاستقبال الحافل الذي خصت به إسرائيل رئيس الحكومة الهندية مودي لا فقط لعدائه الشديد للإسلام والمسلمين وإنما لأن الهند بالمليار وأربع مئة مليون نسمة هي اليوم أول دولة في العالم من ناحية عدد السكان .

لا غرابة في الأمر فالإسرائيليون يدركون أن دولة عدد سكانها ـ المعترف بهم كمواطنين ـ لا يزيد على سبعة ملايين نسمة لا تستطيع إلى الأبد تحدي شعوب بمئات الملايين ولا بد لهم من حلفاء غير الأوروبيين الذين لم يعودوا يثقون بهم ولا حتى الأمريكيين الذين بدأوا يستشعرون تباعدهم المتنامي عنهم.

ما تريده إسرائيل ليس السلام وإنما الاستسلام دون قيد أو شرط بما معناه فقدان العرب كل شيء وخاصة الشرف. ليس من باب الصدفة أنها سدّت كل المنافذ أمام حل الدولتين الذي كان وحده قادرا على إيجاد نوع من السلام ولو كان غير عادل وكل من لا يزال يحلم بهذا الحل لا يجيد قراءة خريطة الضفة الغربية ولا يفهم أن محاولة تنزيله في الواقع يمر إجباريا بحرب أهلية في إسرائيل وهو أمر غير وارد.
إن إسرائيل بأمس الحاجة إلى توسيع وتنويع تحالفاتها للمضي قدما في مشروعها الاستراتيجي الذي تسميه الشرق الأوسط الجديد خاصة بعد ما تعتبره انتصاراتها الباهرة على حماس وحزب الله وإيران .

هذا  المشروع الإستراتيجي مبني على دفن نهائي للقضية الفلسطينية بالإبادة والأبرتهايد والاستيطان والتهجير، إجبار السعودية ومصر على تطبيع مبني على قبولهما بهذا الدفن، تفتيت لبنان وسوريا والعراق والسودان والصومال، تنصيب  نظام عميل في إيران، توسيع النفوذ في الخليج انطلاقا من قاعدة الإمارات ،كل هذا في ظل  هيمنة عسكرية مطلقة على كامل المنطقة تضع شعوبها تحت الوصاية والتهديد بالسلاح النووي الذي لا يحق لإسرائيل إلا امتلاكه وذلك إلى يوم يبعثون .

لا شكّ أن أذكى المخططين الإسرائيليين يعرفون قانون المؤرخ البريطاني الكبير توينبي الذي يسنّ على أن رفع التحدي هو المحرك الأول لنهضة الحضارات والشعوب. رفع اليهود التحدي الذي وضعته أمامهم عصور من الاضطهاد فأصبح أحفاد التجار جنودا يحسب لعنفهم ألف حساب. المشكلة أن رفع التحدي هو نفس المحفز وبنفس القوة الذي يحرك الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

أخشى ما يخشاه  الإسرائيليون وصولهم  لأعلى سقف يقدرون عليه من مكر وعنف وتكنولوجيا ليجدوا لهم بالمرصاد كل من تعلموا من أخطائهم ورصدوا مراكز القوة والضعف في خصومهم وفاجئوهم كما في السابع من أكتوبر من حيث لا يحتسبون. لذلك ترتكز كل سياساتهم البعيدة المدى على منع العرب والمسلمين من الوصول إلى هذا  المستوى بحروب وقائية لن تتوقف. إن حرب إسرائيل ضد إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي هو رسالة مضمونة الوصول لتركيا والسعودية ومصر وكل دولة عربية أو إسلامية تسعى لتعديل التوازن لكي تبقى كل هذه الدول تحت رحمتها.

ما تريده إسرائيل ليس السلام وإنما الاستسلام دون قيد أو شرط بما معناه  فقدان العرب كل شيء وخاصة الشرف. ليس من باب الصدفة أنها  سدّت كل المنافذ أمام حل الدولتين الذي كان وحده قادرا على إيجاد نوع من السلام ولو كان غير عادل وكل من لا يزال يحلم بهذا الحل لا يجيد قراءة خريطة الضفة الغربية ولا يفهم أن محاولة تنزيله في الواقع يمر إجباريا بحرب أهلية في إسرائيل وهو أمر غير وارد.

ما أسميه حلّ مانديلا أي تحول إسرائيل إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية كما نجحت في ذلك جنوب أفريقيا بعد عهود من الصراع الدموي بين البيض والسود، فهو حاليا مجرد حلم حتى ولو أن التاريخ أثبت أن كثيرا من الأحلام تحققت. لا يبقى أمامنا إلا صراع مفتوح لا أحد يعرف نهايته.
أما ما أسميه حلّ مانديلا أي تحول إسرائيل  إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية كما نجحت في ذلك جنوب أفريقيا بعد عهود من الصراع الدموي بين البيض والسود، فهو حاليا  مجرد حلم حتى ولو أن التاريخ أثبت أن كثيرا من الأحلام تحققت. لا يبقى أمامنا إلا صراع مفتوح لا أحد يعرف نهايته.

ما لا يقدره المخططون العرب للأمد الطويل ـ إن وجدوا وهو ما لا أعتقد ـ مدى خطورة دولة  تحركها أيدولوجيا مسكونة بثلاث عقد: عقدة أشويت وعقدة شمشون وعقدة مسعادا أي أننا دولة تعيش هاجس تدميرها ومستعدة لتدمير كل المنطقة لضمان بقائها وسيطرتها دون منازع.

لهذا لا خيار أمامنا رغم تعلقنا بالسلام وبحثنا عن سلام عادل غير أن نعدّ لهم ما استطعنا من قوة وثاني الأولويات بعد الاعتماد على الذات بناء التحالفات القوية  لأنه لا نصر بدونها.

إن إسرائيل لا تريد فقط إخضاع العرب بالحرب وبالتهديد بها على الدوام. هي  تستهدف بنفس العقلية دول إسلامية أخرى إضافة  لإيران. ألا تتآمر على تركيا لمنعها من أن يكون لها أي دور إقليمي؟ ألا تصف الصحافة الإسرائيلية أردوغان بأنه أخطر أعداء إسرائيل؟ ألا تتحرش بباكستان عبر التحالف مع الهند وقد تسعى لدفع الصديقة الكبرى التي فقدناها لمهاجمة الدولة النووية الإسلامية الوحيدة؟

الخطر إذن جماعي لا يواجه إلا جماعيا.


لذلك  ثمة اليوم حاجة ماسة لبناء حلف إسلامي تكون نواته تركيا وباكستان وقطر والسعودية ومصر وتلتحق به الدول العربية التي فشلت في جمع كلمتها مشاريع الوحدة العربية .

وحده مثل هذا الحلف يمكن أن يردع العربدة الإسرائيلية المجنونة ويلغي ابتزازها النووي بما أن هذا الحلف سيكون له أيضا سلاح نووي. وحده هذا الحلف يمكن أن يردع الإدارة الأمريكية عن مواصلة دعمها لدولة تجرها إلى حروب تعود بكل النفع عليها وكل الضرر على أمريكا.

ماذا عن إيران؟


كيف يمكن التحالف مع نظام الملالي ـ إن تواصل ـ وهو الذي فاخر باحتلال أربع عواصم عربية، وهو الذي قايض دعم الشعب الفلسطيني بذبح الشعب السوري، وهو الذي استهدف دولنا العربية في الخليج خاصة دولتا قطر وعمان والحال أنهما تعاملتا معه بأخوة وصدق قابلهما باللؤم  وإنكار الجميل؟

لذلك ثمة اليوم حاجة ماسة لبناء حلف إسلامي تكون نواته تركيا وباكستان وقطر والسعودية ومصر وتلتحق به الدول العربية التي فشلت في جمع كلمتها مشاريع الوحدة العربية .
للذين يتشمتون منا هذه الأيام في أيران الرجاء التذكر بأن المصطلح يحوي نظاما استبداديا توسعيا ضرب الرقم القياسي في الإعدامات ويحوي أيضا شعبا مسلما قرر ترمب ونتنياهو تدميره قبل تحريره أي قبل تنصيب وصيّ عليه يخدم مصالحهما. لذلك علينا التضامن مع هذا الشعب المسلم العظيم المظلوم مرتين كما نتضامن مع أهلنا في الخليج وفي غزة والضفة ولبنان والسودان.

لقائل أن يقول التحالفات بين الدول لا تبنى على مجرد الانتماء لنفس الدين وإنما على المصالح. أنظر للحرب المتواصلة بين باكستان وأفغانستان وهما دولتان مسلمتان سنيتان. نعم، لا شيء حتمي أو إجباري في تحالف إسلامي ضدّ مشروع تركيع الأمتين العربية والإسلامية، لكن الأمر ضروري ينتظر أن يتجند له خيرة رجالات السياسة والفكر والإعلام. من حسن الحظّ أن هناك بوادر وتحركات في هذا الاتجاه لبعض القادة والوضع الخطير هو الذي يفرض عليهم الوعي بما يجب فعله.

علينا  أيضا تكثيف الجهود لإفشال مشروع الحلف الذي يعمل عليه نتنياهو ليلا نهارا. يجب التوجه للرأي العام الهندي والأمريكي  لتذكيرهم بانه لا مصلحة لهم في استعداء قرابة المليار ونصف مسلم هم زبائن وجيران من أجل دولة عنصرية توسعية عنيفة مغالية في العنف يقودها مجرم مطلوب لعدالة بلاده وللعدالة الدولية.

نعم، يمكن للإسلام أن يكون عنصر توحيد بين دول يجمعها دين عظيم وحضارة أصيلة وتاريخ مشترك ويتحداها نفس البعبع يريد إخضاعها وحتى إذلالها.
نحن في سباق مع الزمن لكي نبني تحالفاتنا قبل أن يبنوا تحالفاتهم التي قد تطيل في عمر معاناة شعوبنا وقد تجعل من كل مدينة من مدننا غزة وبيروت وخان يونس.

نعم، يمكن للإسلام أن يكون عنصر  توحيد بين دول يجمعها دين عظيم وحضارة أصيلة وتاريخ مشترك ويتحداها نفس البعبع  يريد إخضاعها وحتى إذلالها.

إن الاستنجاد بالإسلام لتشكيل حلف سياسي أمر لا علاقة به بتاتا بالعودة إلى هذيان هنتنجتون حول صراع الحضارات وإنما تجديد عقد قديم جمعنا أكثر من مرة عبر التاريخ عندما هددنا في وجودنا نفس العدو الشرس. حصل ذلك  في القرن الحادي عشر تصديا  للهجمة الصليبية في القرن الثالث عشر تصديا  للهجمة المغولية. نحن اليوم بحاجة لتجديد نفس الحلف في مواجهة الهجمة الصهيونية. ثم ألم نؤمر بالأمر الذي لا يعصى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.

حتى لا يساء فهمي لم "أتب" عن علمانيتي ولا أهيء الرأي العام لانخراط مستقبلي في حزب إسلامي، ذلك لأني مقتنع أكثر من أي وقت مضى وبحكم التجارب المريرة التي نعيش أننا لن نخرج من أزماتنا السياسية الكبرى إلا بأنظمة سياسية نواتها الديمقراطية الاجتماعية السيادية المواطنية كما حدد معالمها المجلس العربي في مؤتمر سراييفو سنة 2023 يبنيها ديمقراطيون لا يهم أن تكون مرجعياتهم الفكرية علمانية أو إسلامية.

لكن لمواجهة التحديات الضخمة المفروضة علينا على الصعيد الخارجي لا خيار لنا غير التفكير من خارج الصندوق والبحث عن استراتيجيات جديدة من بينها كيف نفعّل هاته القوة الهائلة التي اسمها الإسلام لكي نعود على ساحة العالم وبمقياس التاريخ لا من المفعول بهم وإنما من الفاعلين.