في
سياق الجدل المتجدد حول مقومات الهوية الوطنية الجزائرية وأسُس بناء الدولة
الحديثة، يواصل الباحث والمفكر الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان مقاربته التأصيلية
لمسألة تقرير المصير، مستندًا إلى الوقائع التاريخية الموثقة وشهادات الفاعلين في
لحظة التأسيس الكبرى للدولة الجزائرية.
وفي
هذا المقال الخاص بصحيفة "عربي21"، يعيد بن نعمان قراءة محطة الاستفتاء على
الاستقلال بوصفها لحظة حاسمة أكدت أن تقرير مصير الجزائر لم يكن ثمرة اصطفافات
جهوية أو اعتبارات عرقية، وإنما كان تعبيرًا جامعًا عن إرادة شعب موحّد في ثوابته
الحضارية وهويته الوطنية.
ومن
خلال استحضار شهادات شخصيات قيادية في الثورة، وعلى رأسهم الرئيس بن يوسف بن خدة،
ووزير الخارجية الأسبق سعد دحلب، إلى جانب الإشارة إلى مواقف الجنرال شارل ديغول،
يؤكد الكاتب أن الاستفتاء على الاستقلال شكّل امتحانًا تاريخيًا لإرادة الأمة،
فجاءت نتائجه الكاسحة لصالح التحرر والسيادة دليلاً قاطعًا على وحدة الشعب
الجزائري في مواجهة مشروع التفتيت وفصل الصحراء أو فرض الهيمنة الثقافية واللغوية.
إن هذه
القراءة لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تتجاوزها إلى تفكيك الأطروحات
المعاصرة التي تحاول إعادة إنتاج الخطاب الجهوي أو العرقي، في مقابل التأكيد على
أن بيان أول نوفمبر وأهداف الثورة أسّسا لدولة وطنية جامعة، قوامها السيادة،
والمرجعية الحضارية العربية الإسلامية، واحترام الحريات دون تمييز. ومن ثمّ، يطرح
المقال سؤال الهوية والوحدة الوطنية بوصفه سؤالاً سياديًا متصلًا بجوهر الدولة
الجزائرية، لا مجرد نقاش ثقافي عابر.
بهذا
المنظور، يأتي النص دفاعًا عن سردية الوحدة التاريخية للشعب الجزائري، وتذكيرًا
بأن تقرير المصير الذي حُسم بإرادة شعبية عارمة إنما قام على أساس الانتماء الوطني
الجامع، لا على منطق الأعراق أو الجهات، وهي الرسالة التي يسعى الكاتب إلى ترسيخها
في خضم التحولات والتجاذبات الراهنة.
تقرير
مصير الشعب الجزائري
إن الاستفتاء العام على تقرير المصير الذي
أصر الجنرال دوغول في المفاوضات التي جرت بين قادة الثورة الجزائرية والدولة
الفرنسية على إجرائه بكل حرية وديمقراطية في كافة مناطق الوطن بعد فشل مشروع فصل
الصحراء عن باقي التراب الوطني وكذا ترسيم اللغة الفرنسية في الدولة الفتية.. كما
قال لي ذلك الرئيس بن يوسف بن خدة وثبته المجاهد سعد دحلب (وزير خارجية الحكومة الجزائرية المؤقتة حينذاك
في مذكراته "مهمة منجرة").
وأذكر أن الرئيس بن خدة قال لي لقد تعجبنا في
الحكومة من إصرار الجنرال دوغول على إجراء ذلك الاستفتاء!؟!؟ وما أدهشنا أكثر هو
أمله في أن يصوت الشعب الجزائري بـ (لا) ضد الاستقلال الوطني والانفصال عن ظلم وظلام
الاحتلال؟!؟
إن فرض فرنسا تقرير المصير علينا واعترافها الرسمي بنتائجه في أمسية ذلك اليوم بالذات كان أقوى دليل على إقرارها مرغمة بأنه لا يوجد في الجزائر إلا شعب واحد متجانس في الثوابت الوجودية، وليس عبارة عن قبائل عرقية كما دل على ذلك طلب ترجمة خطاب الجنرال دوغول إلى الأهالي في آخر زيارة له إلى مدينة تيزي وزو سنة 1961!!
ولكن لم نجد بدا (كما قال) من المراهنة على
شعبنا الأصيل الذي برهن لنا عن وطنيته المنقطعة النظير في دعم جبهة التحرير الوطني وخاصة في مظاهرات 11 ديسمبر 1960 في الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة و1 أكتوبر
1961 في عاصمة الدولة الفرنسية ذاتها، حيث
هب الجزائريون كشعب واحد موحد على أرضه وعلى أرض العدو نفسه!؟
وبناء على ذلك قبلنا الرهان اعتمادا على
ثقتنا في الشعب الذي لم يخذلنا قط كما تبين ذلك بالفعل من نتائج الاستفتاء الساحق ضد الاحتلال بنسبة 97% (بنعم)
في كافة ولايات الوطن كشعب واحد باعتراف الجنرال دوغول ذاته بناء على نص بيان
نوفمبر القائل بالحرف الواحد في تحديد
الأهداف التي لم نتزحزح عنها في مسألة السيادة والوحدة واللغة العربية قيد شعرة وهي :"إقامة الدولة المستقلة الديمقراطية ذات السيادة في اطار
المبادئ الإسلامية ".. "تحقيق وحدة شمال أفريقيا في اطارها
الطبيعي العربي الإسلامي"، "احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي اوديني".. وهكذا نرى
قادتنا الأفذاذ كيف يستبقون بحدسهم الرباني ما يحدث من محاولة التلاعب بمستقبل
الوحدة الوطنية بدعوى اختلاف الاعراق الخرافية الجهوية والقبلية الآن...!!
فالبيان النوفمبري (كما سبق الذكر) ينفي ذلك
ويحارب العرقية والجهوية والعنصرية ويجعل وحدة الشهادة فوق اللهجات واللغات
المحلية ومكان الولادة دون اختياره من المواطن بالإرادة على خلاف اختيار دين
العبادة وإتقان لغة الأمة ورمز الهوية وضمان الوحدة الوطنية والسيادة بالإرادة وحدها وعليها تم تقرير المصير ومن أجلها قامت ثورة التحرير التي
طالبت
فرنسا في بيانها الخالد بـ "الكف عن اعتبار الجزائر أرضا فرنسية اللغة والدين والهوية".
وهو إعلان واضح عن هوية الشعب الجزائري التي
تتناقض مع هوية الشعب الفرنسي وجوديا كما أكد ذلك قائد المفاوضات بلقاسم كريم في
خطابه يوم الإعلان عن توقيف القتال في 19 مارس 1962 والتسجيل بالصوت والصورة موجود
في التلفزيون الوطني للمشككين والمهووسين من الحركى الظاهرين والمندسين في صفوف الكولون الوارثين لإدارة التمرير والتبرير في "السوسة المدسوسة!!"
كما أن تصويت هؤلاء الخونة والعملاء سرا بـ (لا)
في الصناديق المحروسة من الطرفين (وكنت أنا شخصيا من المشرفين على أحد المراكز
الانتخابية بمدينة الناصرية بولاية تيزي وزو كعضو في جيش التحرير الوطني مع الدرك
الفرنسي (الند للند) وبكل احترام لسير العملية بشفافية وحرية وديمقراطية لم تتكرر
في تاريخ الجزائر إلا مرة واحدة في الانتخابات التشريعة الملغاة نتائجها في ديسمبر
1991 كما هو معلوم؟ وأذكر مثل اليوم أن نسبة المصوتين بـ (لا) في الصناديق السرية ضد الاستقلال الوطني في ذلك
اليوم الأغر لم تكن تتجاوز 3% على أكثر
تقدير كما تثبت المحاضر لدى الدولتين وهي قابلة للمراجعة في كل حين إلى أبد الآبدين دون تزوير أو تغيير !! .
وقد كان هذا الرقم (الرمزي لرفض الاستقلال) هو كذلك موزعا على كل
جهات التراب الوطني وليس في منطقة واحدة بعينها كما قد يظن بعضهم الآن، لأن
الخيانة والوطنية هي مسألة أفراد وفئات
وأحيانا عائلات بعينها وليست مسألة عنصرية أو عرقية لجهات دون جهات من الوطن كما يتلاعب بعض الخبراء والوكلاء اليوم أملا في
تغيير مجري التاريخ بإعادة النظر في نتائج
تقرير المصير دون استفتاء الشعب على مصيره كما فعل الجنرال دوغول ذاته في عهده وتحت اشراف جيشنا وجيشه!!
أهم درس لكل الأحياء منا في هذا الوطن هو أن أي استقلال قد يحمل بذور احتلال كما وقع لنا بالفعل بعد حادثة المروحة سنة 1830 كما أن كل احتلال قد يحمل بذور استقلال أيضاً مثلما هو حاصل معنا حقا وصدقا وبالتالي فلا يوجد استقلال دائم ولا احتلال دائم ولكن توجد تقلبات وخيانات مستمرة ووعي قائم ونظام شعبي حازم وحاكم بدستور وطني منتخب ومطبق بعدل صارم!!
وهو ما أجبره يومها على الاعتراف باستقلال
الشعب الجزائري الواحد الموحد بدم الجهاد والاستشهاد في الوطن الواحد من أقصاه إلى أدناه مثل الشعب الفرنسي الواحد
الذي استقبل كل الخونة من الحركى والعملاء على أرضه بكل لهجاتهم الجهوية وأدمجهم
في ثوابته الوطنية دون تغيير الدستور هناك من أجل لغاتهم ولهجاتهم المحلية الخاصة بالأميين
منهم حتى الآن دون أن يجرؤوا على التفكير في أية مطالب قومية أو ثقافية تميزهم عن
كافة الشعب الفرنسي الحالي المكون من شتى الأعراق البشرية تحت قانون الدولة الفرنسية
الذي يعلو ولا يعلى عليه من طرف أي رئيس أو وزير أو خفير!!؟؟
ولم يطلب هؤلاء ألمرحًّلون مع العساكر إلى أرض
وطنهم (الأم) لم يطلبوا من
دولتهم الموحدة الجنسية واللغة والهوية المستقلة والسيدة هناك بأية حقوق قومية أو
عرقية أو حتى ثقافية تحت شعارها المعروف: "حرية ـ أخُوَة ـ مساواة!!".
وإن فرض فرنسا تقرير المصير علينا واعترافها
الرسمي بنتائجه في أمسية ذلك اليوم بالذات كان أقوى دليل على إقرارها مرغمة بأنه
لا يوجد في الجزائر إلا شعب واحد متجانس في الثوابت الوجودية، وليس عبارة عن قبائل
عرقية كما دل على ذلك طلب ترجمة خطاب الجنرال دوغول إلى الأهالي في آخر زيارة له إلى مدينة تيزي
وزو سنة 1961!!
لقد طلب هو ذاته على المنصة بالصوت والصورة
الموثقة في محفوظات التلفزيون الوطني ترجمة خطابه إلى اللغة العربية وحدها أمام الآلاف من المستقبلين له في
المدينة اعترافا بلغة الشعب الجزائري
الجامعة المتوارثة نضاليا... كما هو منصوص عليها في مبادئ حزب
الشعب الجزائري (p p a.) وفي البيان
المذكور الذي فصلنا الحديث عنه مرارا للاميين فضلا عن المتعلمين والذي يعيدنا إلي وضعنا الطبيعي (العربي
الإسلامي) قبل الغزو الفرنسي بـ 14 قرنا
من اعتناق أجدادنا للإسلام وتبني لسان القرآن العربي واستبداله بصليب الرومان
ولسانه الأجنبي!؟
ولم تعرف الجزائر بعد ذلك التحول الثقافي
الجذري أية فروق (عرقية) بين أجدادنا المتصاهرين والمتآخين في الوطن والدين دون تمييز بينهم الا بالتقوى وحب
الوطن وثوابته المكتسبة بالارادة وليس
بالولادة!!
ونظرا لأن كل هذه الصفات مكتسبة من الأفراد بالإرادة
وحدها وليست موروثة بالولادة كما قلنا واثبتنا علميا ووطنيا وثوريا وجهاديا!!
فإذا افترضنا أن بعض هؤلاء المندسين أو
أبنائهم اليوم أرادوا الانضمام إلى قائمة المصوتين بـ (لا) ضد الاستقلال بأثر رجعي كأسلافهم
لصالح بقاء الاحتلال فكيف نلغي نتائج الاستفتاء الحاصل ونثبت تغيير مواقف ملايين الشهداء (من بداية الاحتلال يوم
الخامس من يوليو سنة 1830 إلى يوم استرجاع
السيادة والاستقلال بالاستفتاء العام والأخير على تقرير المصير في اليوم ذاته من
سنة 1962) مما يدل على أن يوم الاحتلال أصبح هو نفسه يوم الاستقلال وأهم درس لكل
الأحياء منا في هذا الوطن هو أن أي استقلال قد يحمل بذور احتلال كما وقع لنا
بالفعل بعد حادثة المروحة سنة 1830 كما أن
كل احتلال قد يحمل بذور استقلال أيضاً مثلما هو حاصل معنا حقا وصدقا وبالتالي فلا يوجد استقلال دائم ولا احتلال
دائم ولكن توجد تقلبات وخيانات مستمرة ووعي قائم ونظام شعبي حازم وحاكم بدستور وطني
منتخب ومطبق بعدل صارم!!