تثور تساؤلات كثيرة في كل مرة يتجدد فيها
الجدل بشأن التغيير والإصلاح في المنطقة
العربية، حول موقع
الإسلام السياسي ودوره
وهل هو الحل أم المشكل؟ وهل يمثل عائقا أمام الإصلاح والتغيير أم ينهض كأحد عناصره
وشروطه؟ وتعود هذه التساؤلات بمستويات ومقاربات مختلفة ومتباينة.
فبين من يعتبر
الإسلام السياسي مظهرا من مظاهر الأزمة في المنطقة العربية، وبالتالي يعتبره عائقا
أمام التغيير والإصلاح، وبين من يعتبره خشبة الخلاص، معه وبه كقوة اجتماعية يمكن
ولوج مغامرة التغيير والإصلاح والرهان على تحقيق النجاح، وبين هذين المقاربتين تلوح
إشكالية أخرى تتعلّق بالأزمة الذاتية لهذا التيار، الذي ترى بعض نخبه، أنه على
عراقة تجربته ومسيرته، لا يبدو بتيار قادر على تعريف نفسه بشكل دقيق أو حتى
التعرّف على نفسه. وتعتقد نخب كثيرة أن الإسلام السياسي رغم زخمه الاجتماعي
والثقافي ودوره التربوي والدعوي، إلا أنه غير قادر على التجلي السياسي بشكل واضح
لذاته وللآخرين، فكرة ومشروعا ومنهجا وأهدافا. إذ على الرغم من تطاول زمن ظهوره،
ظل حالة ملتبسة في ذاتها وفي العلاقة بالآخرين داخليا ودوليا.
فهذا التيار الذي جرى تأسيسه قبل ما يناهز
المائة عام وتحديدا في 1928، لا يزال يواجه
تحديات كثيرة، ويجد صعوبة في إحداث
اختراقات حقيقية وجدية في المشهد السياسي العربي. وعندما يتعلّق بالمجال السياسي،
يرتبط اسم هذا التيار بحالة من الاحتقان والتوتر، لم ينجح عمليا في تبديدها أو
تجاوزها.
تلقي هذه التحديات وهذه المؤاخذات بمسؤولية
كبرى على تيار الإسلام السياسي، من أجل أن يدرك أنه لم يعد يسعه الدوران في حلقة
مفرغة، وإنما يبدو اليوم محمولا أكثر من أي وقت مضى على مراجعة مسيره، وتدقيق
أهدافه ومنهجه وأطروحاته، وتبديد العديد من المخاوف والشكوك تجاهه من الآخرين.
ونحن إذ نتوقع من هذا التيار هذه المراجعات، فإننا لا نغفل عن دعوة كل التيارات
السياسية، بمختلف خلفياتها، إلى تطوير رؤاها وأطروحاتها، فليست هي الأخرى معفية من
ذلك، ولا هي أفضل حال من قوى الإسلام السياسي، لجهة الحاجة إلى المراجعة والتقويم.
بيد أن التركيز على تيار الإسلام السياسي اليوم، ينبع من اعتباره التيار الأكثر
انتشارا واتساعا في المنطقة، وبالتالي تقع عليه المسؤولية الأثقل والأكبر في
الاستجابة لاستحقاقات المراجعة والتقييم والتوضّح الفكري والسياسي والثقافي.
هذا التيار الذي جرى تأسيسه قبل ما يناهز المائة عام وتحديدا في 1928، لا يزال يواجه تحديات كثيرة، ويجد صعوبة في إحداث اختراقات حقيقية وجدية في المشهد السياسي العربي. وعندما يتعلّق بالمجال السياسي، يرتبط اسم هذا التيار بحالة من الاحتقان والتوتر، لم ينجح عمليا في تبديدها أو تجاوزها.
لن نبالغ إذا قلنا إن مسألة علاقة الدين
بالدولة أو الدين بالسياسة أو حتى الهوية وكل هذه القضايا التي تتعلق بالاجتماع
السياسي العربي، لا تقتصر على تيار الإسلام السياسي، بل هي مسائل، تعني كل القوى
والتيارات، وهي في الحقيقة قضايا تشق كل المجتمعات والبلدان العربية والإسلامية.
ولا تملك فيها أي جهة رؤية واضحة ونهائية، بسبب الطبيعة العملية لبعضها، وتأثرها
بديناميات الواقع. علما أنها هذه القضايا تحديدا استعيدت موضوعا للاهتمام حتى في
المجتمعات الغربية، في سياق الجدل بشأن حدود العلمنة واللائكية. وبالتالي فإن
التأكيد على أن تيار الإسلام السياسي هو المحمول والمطالب برسم الحدود بين الدين
والسياسة أو تقديم رؤية في علاقة الدين بالدولة، أو حسم القول في مسألة الهوية
الوطنية، هو مصادرة على المطلوب، لأنها في الحقيقة إشكاليات تعني الجميع والكل
محمول على المساهمة في توضيحها. فهذه القضايا المتجددة، مرتبطة بالتحولات السياسية
والاجتماعية، وإلى حد كبير بطبيعة السلطة القائمة. ويتعقّد التعاطي مع هذه
الإشكاليات أكثر عندما توضع في السياقات الموضوعية الراهنة، في المنطقة وفي العالم.
فثمة شروط وسياقات تبدو اليوم جلية وملائمة،
ليس فقط لجهة استمرار تيار الإسلام السياسي، وإنما أيضا انتعاشة هذا التيار وصعوده
في المشهد.
أولا ـ أزمة الهوية:
لا شك أنه رغم كل ما قيل بشأن حسم قضية
الهوية في المنطقة دولا وشعوبا، إلا أن مؤشرات وإشكاليات كثيرة تؤكد أن الأمر لم
يكن محسوما مطلقا، بل ولما تزال مسألة الهوية محل جدل وتجاذب وتنازع. فعلى المستوى
الرسمي، لا تكاد الكثير من الدول، تتوقف عن نبش الماضي ونبش الجغرافيا ونبش
التاريخ، بحثا عن عراقة مفقودة، أو استدعاء لهوية مطموسة، أو إرث مندرس. بيد أن
هذا السعي، بالت اليوم يتجاوز مجرد البحث عن ثراء الماضي ولتعزيز أصالة الحاضر،
وإنما يتقصّد لإعادة تشكيل الحاضر هوية وانتماء، ومن ثمة إعادة صياغة معالم
الهوية، وتوجيهها وفق استحقاقات الحاضر، وموازين القوة فيه. وليس غريبا اليوم
العودة النشطة للطائفية والقبلية والانتماءات الضيقة، كمعقل الهوية الصلبة، في ظل
تهديدات ومخاطر عاصفة، تهب على الشرق الدامي بكل أركانه.
وفي هذا الصدد يجد التيار الإسلامي بيئة
مواتية لتعزيز حضوره، كأحد الإجابات الناجعة على هذه المخاطر.
ثانيا ـ الدين والدولة:
بعد عقود من الاستقلال وقيام ما يسمى
بالدولة الوطنية، لا يبدو اليوم أن هناك نجاح في صياغة معادلة واضحة ودقيقة في
علاقة الدين بالدولة. بل نستطيع أن نقول إن العلاقة ظلت دوما ملتبسة. فقدمت الدولة
نفسها مرة راعية للدين وحاميته، ومرة مفسرة له، ومرة مشتبكة معه، ومرة مستعملة
ومستغلة له، ومرة تاركة له، ومرة مستثنية له. وفي المقابل تتفاعل المجتمعات في
المنطقة مع الدولة وفق لمقاربتها وطبيعة علاقتها بهذا الشأن الديني. ولعل ذلك ما
يفسّر تباين الموقف المجتمعي بين دولة وأخرى، وفي البلد الواحد. وفي المجمل وفي ظل
الغياب شبه الكلي لمنظومة الحكم الرشيد في المنطقة، تنظر المجتمعات لدولها بحذر
وارتياب عندما يتعلّق الأمر بالدين والشأن الدين، والمرد الأساسي في ذلك غياب
الثقة والاطمئنان للدولة في تدبير الشأن الديني، أو في رسم العلاقة الصحية بين
الدولة والدين.
إذ لا تتوقف شبهة خلط الدين بالسياسة عن
ملاحقة الإسلاميين، رغم أن مبدأ أن الإسلام دين ودولة، يبدو مبدأ بديها للكثيرين،
إلا أن البعض يراه بدعة غير مسبوقة في التراث الإسلامي، وأنها فكرة نابعة أساسا من
عملية "أدلجة الإسلام"، وتبنى الكثير من علماء الإسلام وفقهائه لفكرة
جوب إقامة "الإمامة" لتنظيم شؤون الجماعة المسلمة وتجنب الفتنة. كما
ارتبطت أدلجة الإسلام بفكرة أن الأحكام في الإسلام ذات طابع جماعي، وبالتالي لا
يجوز حصر شريعة الإسلام في التدين الفردي، وإقصائها من تنظيم حياة الجماعة ورعاية
مصالحهم.
غير أن من يتهمون الإسلاميين بالخلط بين
الدين والسياسة، يؤكدون على أن كثيرا من فقهاء الإسلام يرون بأن "مسائل
الإمامة تدبيرية سلطانية لا شأن لها بالدِّين، وإن من واجب الدولة رعاية الدين
وحراسته لا تجسيده. كما أن الطابع الجماعي للدين لا يعني أن له طابعاً سياسياً، بل
إن ما يحول دون علمانية الدولة في المجتمعات المسلمة بالمفهوم الغربي التقليدي هو
هذه السمة الجماعية التي تحوّل الدين إلى عماد المجتمع الأهلي وتخرجه من تجاذبات
السياسة وقبضتها، في حين أن مفهوم "الدولة الإسلامية" يؤول في نهاية
المطاف إلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا للدولة الشمولية، بما يعني أقصى درجات
العلمنة وأخطرها"، حسب المفكر الموريتاني عبد الله سيد ولد أباه.
بل ويعتبر ولد أباه أن حتى ما يسمى حالياً
بـ"الإسلام الديمقراطي" كنسخة متطورة عن أحزاب الإسلام السياسي، والذي
انخرط في الصراع السياسي التعددي يجد نفسه اليوم مرغما على قبول كسر احتكار
الشرعية الدينية في بلدان يشكل الإسلام فيها محور المرجعية الدستورية والمجتمعية
وسقف الإجماع الوطني، وهو إذ يقبل ويمضي في هذا التنازل، يفقد آليا جوهر ومبرر
وجوده، وهو تلك الخصوصية الفكرية والسياسية.
إن مسألة علاقة الدين بالدولة أو الدين بالسياسة أو حتى الهوية وكل هذه القضايا التي تتعلق بالاجتماع السياسي العربي، لا تقتصر على تيار الإسلام السياسي، بل هي مسائل، تعني كل القوى والتيارات، وهي في الحقيقة قضايا تشق كل المجتمعات والبلدان العربية والإسلامية. ولا تملك فيها أي جهة رؤية واضحة ونهائية، بسبب الطبيعة العملية لبعضها، وتأثرها بديناميات الواقع.
بيد أن هناك من جهة أخرى انطباع عام بات
سائدا اليوم هو الخشية على الدين من الدولة، بسبب ضمور شرعيتها، وانحرافات
مؤسساتها، وضعف قياداتها، وفساد إدارتها، وفشلها في التنمية، وضعف شوكتها في
الدفاع عن السيادة. وهذا الانطباع حفز قوى اجتماعية إلى البحث عن بديل يقدم لهم
رؤية حضارية للدين، حفاظا على ثوابته وتفاعلا مع المتغيرات، نوازلا وتقدما. ولا شك
أن هذه العلاقة الملتبسة بين الدولة الوطنية وبين الدين، تعزز وتبرر وتفسّر قوة
وصعود التيار الإسلامي، وتقدمه كبديل وإجابة على عدم الثقة في نظم الحكم لا سيما
في العلاقة بالدين والتدين.
ثالثا ـ الدولة القطرية:
قد يكون الحديث بشأن مسألة الدولة القطرية،
خفت أو تراجع بشكل واضح، في ظل الأحداث الصاخبة التي تعصف بشرقنا الدامي. لكن لا
شك أن الموقف السلبي من هذه الدولة قائما ولا يزال، بل ويتعزز بشكل واضح. ومرد هذا
الجدل بشأن الدولة القطرية، هو أنه رغم الجهود والمحاولات المتعددة والتجارب
المتنوعة، لا تبدو هذه الدولة القطرية في منطقتنا صلبة المعالم، ولا هي قادرة على
إحداث اختراقات معقولة في النهضة والتنمية والازدهار، ولا تختلف في ذلك الدول
القطرية سواء ذات الموارد المحدودة أو ذات الموارد اللامحدودة، وسواء تلك ذات
الوزن الجغرافي والديمغرافي، أو تلك الأخرى. والذي يزيد مأزق دولنا القطرية،
الظهور المتصاعد للنزاعات والخلافات بينها، فلا نكاد اليوم نجد بلدا بيس في توتر
مع بلد عربي آخر أو أكثر، لدرجة أن الحديث عن التضامن العربي، بات نوستالجيا وضربا
من الوهم. في هذه المشهد الانقسامي والمتوتر في الفضاء الجيوسياسي العربي، يجد
الإسلام مجددا مناخات ملائمة للازدهار والعودة للمشهد بقوة، على اعتبار أنه يتبنى
فكرة الاخوة العربية والإسلامية، ووحدة الأمة، والنظر بسلبية للحدود والانقسامات.
رابعا ـ التغول الإسرائيلي والتحيز الغربي:
لا شك أن ما تتعرض له المنطقة العربية اليوم
من تغول إسرائيلي متمادي، وتوسّع اعتداءاتها على بلدان المنطقة، من فلسطين إلى
لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن، يبعث برسائل واضحة لشعوب المنطقة، مفادها أن
المنطقة اليوم ويدعم أمريكي وغربي واضح تحت النفوذ الإسرائيلي، وهي التي تعيد
تشكيلها وهندستها ورسم المشهد فيها. وهذه الرسالة تصاحبها رسالة إسرائيلية أخرى
مفادها أن دول المنطقة غير قادرة على وقف التغوّل الصهيوني، ولا ردعه، وهي بالتالي
عاجزة عن تأمين المنطقة وحماية مقدراتها والدفاع عن سيادتها. وإذ يتخذ هذا التغوّل
الصهيوني اليوم أكثر من أي وقت مضى بعدا دينيا واضحا، بسيطرة اليمين الديني
المتطرف على الحكم في تل أبيب، ويجد له رافعة واضحة من المسيحية الصهيونية في
الولايات المتحدة الأمريكية، فإن شعوب المنطقة إذ تستشعر هذا الخطر المتمدد، سترى
في التيار الإسلامي المؤهل أكثر من غيره، باعتباره المعبأ دينيا للوعي بمخاطر هذا
التغوّل الصهيوني المتمادي، والمتحفز تنظيميا للتعبئة والمواجهة الشاملة للمشروع
الصهيوني المحمول غربيا.
إن الموقف التجريمي من التيار الإسلامي
عموما والإخوان المسلمين، خصوصا، بدل التعامل معه باعتباره جزءا من الاجتماع
السياسي العربي، وباعتباره جزءا من النسيج المجتمعي، لا يحقق أي مصلحة لا وطنية
ولا دولية. بل إن الإصرار على هذا الخيار، يفاقم أزمة الاجتماع السياسي العربي،
ويعمّق هشاشته، وانقساماته. وعلى العكس من ذلك إن التعامل مع هذا التيار، حوارا
واحتواء، من شأنه أن يحقق مصالح كثيرة، أدناها امتصاص الاحتقان داخل المجتمعات،
وأقصاها تحفيز هذا التيار على تطوير أطروحاته ورؤيته وعلاقاته، لا سيما وأنه
التيار الذي أظهر دوما أكثر من أي تيار آخر استعدادا وقابلية للتطور والتجدد
ومواكبة المتغيرات الوطنية والدولية والانفتاح عليها.
وبقدر ما تبدو السياقات الراهنة مواتية
للتيار الإسلامي للصمود ومواجهة ما يتهدده من تحديات، بقدر ما يبدو هذا التيار
محمولا أكثر من أي وقت على إحداث انعطافة نوعية، وإطلاق رؤى ومبادرات جديدة، تؤكد
جدارته بعب أدوارا إصلاحية وتغييرية متقدمة، تحتاجها المنطقة وشعوبها.