قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن الإخوان المسلمين في مصر (6)

استطاعت حركة الإخوان المسلمين أن تواجه التغريب الذي تمثل في التوجه القومي المصري الفرعوني الذي بلغ أوج نجاحه على يد الدكتور طه حسين والدكتور محمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد وغيرهم..
أنشأ حسن البنا "جماعة الإخوان المسلمين" عام 1928، وقد جاء إنشاؤها إثر حدث مهم هو إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، لذلك استهدف البنا من إنشاء "الإخوان المسلمين" إعادة الحكم الإسلامي والخلافة الإسلامية، وقد ترافق حدث إنشاء "الإخوان المسلمين" مع حركة فكرية ناقشت نتائج سقوط الخلافة العثمانية وحكم إعادتها، وأبرز ما يمثل ذلك ما كتبه محمد رشيد رضا في كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى).

وقد قام "الإخوان المسلمون" بدور تغييري كبير في مصر في مختلف المجالات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية إلخ..

وقد كان ذلك بسبب سلامة المنهج الذي أنشأ حسن البنا "الإخوان المسلمين" عليه، وهذه بعض ملامح المنهج التي أقام جماعته عليها:

1 ـ بنى الإنسان المسلم الذي انتمى إلى جماعة الإخوان بناءً سليماً يقوم على بناء قلبه وعقله وجسده بشكل متوازن، ضمن برنامج فكري وثقافي متوازن، رسمه ووضع مواده من القرآن الكريم والسنة المشرفة والفقه الإسلامي إلخ..

2 ـ وقف من السلطة ثلاث مواقف: الأول ـ انخرط معها في بعض أعمالها، وأنشأ كثيراً من المدارس التي توسع رقعة التعليم، وأنشأ بعض الشركات التي تساهم في توسع الإنتاج، وشارك في الانتخابات البرلمانية في بعض الأماكن إلخ..

الثاني ـ طلب منها إجراء إصلاحات في القوانين التي خالفت الشريعة مثل قوانين الربا فطلب إلغاءها، وطلب إصلاح النظام المصرفي ليقوم على المشاركة والتجارة الحقيقية بدل الفائدة الربوية، وطالب بإنشاء بنوك إسلامية أو غير ربوية وقد اتضح ذلك في عدة رسائل وجهها إلى مصطفى النحاس رئيس الوزراء وغيره في الأربعينيات.

الثالث ـ حذر الحكومات من الثورة إن لم تقم بالإصلاحات المطلوبة منها، وقد جاء ذلك في إحدى رسائله، ووضح أن الشعب سيثور إن لم تسرع الحكومة بإجراءات الإصلاحات اللازمة والمطلوبة وقد عبر عن ذلك بقوله: "سيعلن الإخوان المسلمون ثورة قرآنية شاملة".

3 ـ كان من الواضح بالنسبة للبنا أن هناك خطرين يتهددان مصر، هما: خطر الإنجليز العسكري الذي احتل مصر منذ عام 1882م، والخطر الصهيوني العسكري في فلسطين والذي تجسد في الحركة الصهيونية التي قاتلت الشعب الفلسطيني ونجحت في إقامة دولة إسرائيل عام 1948، وإن هذين الخطرين لا يمكن التعامل معهما إلا بالإعداد الجهادي، لذلك أنشأ حسن البنا "الجهاز السري الخاص" لمواجهة هذين الخطرين خلال قيادته للإخوان المسلمين.

شكل البنا كتائب قاتلت في فلسطين وساعدت القوات المصرية بشكل خاص، والقوات العربية بشكل عام، وبعد أن خسر العرب المعركة، وقامت إسرائيل عام 1948، لذلك توجهت الحكومة إلى ضرب حركة الإخوان المسلمين واعتقال أفرادها، ومصادرة ممتلكاتها، واغتيال مرشدها عام 1949، وحظر عملها.
من الواضح أن الخطط والبرامج التي رسمها البنا لإعداد القرد والجماعة في الإخوان المسلمين كانت ناجحة جداً، فقد استطاعت الجماعة أن تكسب شعبية كبيرة، جعل حزب الوفد وهو أعرق حزب في مصر يفاوضها من أجل أن يعقد معها تحالفات في بعض المناطق من أجل أن ينجح في الانتخابات بالتعاون معها.

وقد استطاعت حركة الإخوان المسلمين أن تواجه التغريب الذي تمثل في التوجه القومي المصري الفرعوني الذي بلغ أوج نجاحه على يد الدكتور طه حسين والدكتور محمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد وغيرهم، لكنهم اضطروا أن يتراجعوا خطوة إلى الوراء ويسترضوا التيار الإسلامي الذي اكتسح الساحة فألفوا كتباً عن شخصيات إسلامية أو ذات موضوعات إسلامية، فكتب العقاد العبقريات الإسلامية عن أبي بكر وعمر وخالد رضي الله عنهم إلخ..، وكتب طه حسين كتباً عن الإسلام منها: "مرآة الإسلام" و"الشيخان" و"الفتنة الكبرى"، وكتب محمد حسين هيكل "في منزل الوحي" و"حياة محمد" و"الصديق أبو بكر" و"الفاروق عمر".

ثم جاءت الخطوة التي سلطت الأضواء على الإخوان بشكل كبير، وهي مساهمتهم في حرب فلسطين، فقد شكل البنا كتائب قاتلت في فلسطين وساعدت القوات المصرية بشكل خاص، والقوات العربية بشكل عام، وبعد أن خسر العرب المعركة، وقامت إسرائيل عام 1948، لذلك توجهت الحكومة إلى ضرب حركة الإخوان المسلمين واعتقال أفرادها، ومصادرة ممتلكاتها، واغتيال مرشدها عام 1949، وحظر عملها.

ثم جاء حسن الهضيبي مرشداً للإخوان المسلمين عام 1951 وقام بعدة إجراءات، أولها: إلغاء الجهاز السري واعتبر أنه لا سرية ولا عنف في الدعوة، والثاني: اعتبار الإخوان جماعة دعوية تربوية قائمة على الدعوة والتربية فقط.

ثم مرت مصر بأحداث كبيرة وهي إلغاء مصطفى النحاس معاهدة عام 1936 مع الإنجليز في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1951ووقوع القتال في قناة السويس مع الإنجليز، ثم وقوع حريق القاهرة في 27 يناير 1952، ثم وقوع انقلاب جمال عبد الناصر في 23 تموز 1952، ثم إلغاء الملكية في 18 حزيران 1953.

ثم جرت محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 على يد محمود عبد اللطيف أحد أعضاء الجهاز السري لكنه نجا من المحاولة، وأجرى عبد الناصر اعتقالات واسعة بين الإخوان المسلمين، وأعدم عدداً منهم، وسجن آخرين منهم حسن الهضيبي وسيد قطب.

برز سيد قطب ككاتب ومفكر لدى شباب حركة الإخوان، وركز عمله في تفسير القرآن الكريم الذي سماه "في ظلال القرآن" وقد جاءت كتابات سيد قطب رداً على الوضع في مصر، والذي قاده جمال عبد الناصر وتمثل في أمرين:

الأول ـ إرساء الفكر القومي بدل الفكر القومي المصري الفرعوني، واعتبار أن الشعب المصري جزء من الأمة العربية التي تقوم على عاملي اللغة والتاريخ وأن الدين الإسلامي ليست له علاقة في بناء هذه الأمة، وبالعكس تم السعي إلى ترسيخ العلمانية التي تهدف إلى إبعاد الدين عن كل معطيات الحياة.

اعتبر سيد قطب أن النظام بشقيه القومي العربي والاشتراكي الماركسي يقود إلى تمكين "الجاهلية الغربية"، لذلك على المسلم أن يتمسك بعقيدته، واعتبر أن عقيدة المسلم هي جنسيته في مواجهة أيديولوجية القومية العربية، وأننا يجب أن نحكم بالإسلام لكي نستطيع أن تخلص من "جاهلية الحكم الغربية" التي جاءتنا عن طريق الاشتراكية الماركسية.
الثاني ـ تطبيق الاشتراكية الماركسية على الشعب المصري من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وإلغاء الفروق الطبقية، لذلك بدأ جمال عبد الناصر بالإصلاح الزراعي وسحب الأراضي الزراعية من الإقطاعيين، ووزعها على الفلاحين، ثم قام بتأميم الشركات والبنوك وتشكيل قطاع عام يشمل مصر كلها، وإلغاء القطاع الخاص، ورافق هذه الخطوات القول بمادية الكون، وتأجيج الصراع الطبقي، ومحاربة الرجعية المتمثلة بالدين، ومحاربة الرجعيين وهم المتدينون الذين يتآمرون مع الاستعمار على مصر ونظامها الاشتراكي.

واعتبر سيد قطب أن النظام بشقيه القومي العربي والاشتراكي الماركسي يقود إلى تمكين "الجاهلية الغربية"، لذلك على المسلم أن يتمسك بعقيدته، واعتبر أن عقيدة المسلم هي جنسيته في مواجهة أيديولوجية القومية العربية، وأننا يجب أن نحكم بالإسلام لكي نستطيع أن تخلص من "جاهلية الحكم الغربية" التي جاءتنا عن طريق الاشتراكية الماركسية.

لقد كانت قضية الحكم الإسلامي أكبر مسألة تشغل تفكير سيد قطب وأراد إيجاد حل لها، وقد كان يعتقد مثل حسن البنا أن الحكم بالشرع الإسلامي أصبح "فرض عين" بعد أن كان "فرض كفاية"، لذلك رسم بعض معالم الطريق إلى إعادة تطبيق شرع الله، ويتحقق ذلك بوجود "طليعة مؤمنة" أو "قاعدة صلبة"، كما سماها حيناً آخر، وتحدث هذه الطليعة المؤمنة مفاصلة شعورية مع محيطها الجاهلي، ثم تنتصر هذه الطليعة بعد أن تتمثل فيها حقيقة كلمة "لا إله إلا الله".

إن حديث سيد قطب عن "جاهلية المجتمع" جعل معارضيه يتهمونه بتكفير المجتمع، لكنه لم يقصد ذلك بحال من الأحوال، وإنما قصد أن المجتمع أصبح جاهلياً لأنه لا يحكم بشرع الله، كالمجتمعات الأخرى الجاهلية التي تحكم بشرع آخر غير شرع الله، وبخاصة الدول الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي التي تقوم على الاشتراكية الماركسية التي تنكر وجود الله، وتسعى إلى اقتلاع الدين من حياة الناس.

وربما جاء اتهام سيد قطب بتكفير المجتمع نتيجة بعض عباراته الأدبية التي فسّر بها القرآن الكريم في تفسير "في ظلال القرآن" فقد كانت محلقه وغامضة وغير دقيقة، وهو ما تتطلبه الكتابة الأدبية على عكس الكتابة الفقهية والأصولية، ومن هنا جاء اتهامه بالتكفير نتيجة الغموض والتصوير الذي لا بد منه في الكتابة الأدبية.

ليس من شك بأن القول بتكفير المجتمع قول خاطئ، ولا يقول به الشرع، وربما جاء اتهام سيد قطب ذلك من كلمة "المجتمع الجاهلي"، فكلمة "مجتمع" تعني ثلاثة أمور، هي: الحكم والحاكم والشعب، وهو يقصد "جاهلية الحكم"، بمعنى أن الحكم غير إسلامي، لذلك أصبح الحاكم والشعب يعيشون في جاهلية، في حين انه لو استخدم كلمة "الأمة" القرآنية لكان أولى ولخرج من هذا الإشكال لأن الأمة لا تصبح كافرة، بل تبقى مسلمة، ولا ينسحب حكم الكفر إلا على بعض الأفراد الذين تنطبق عليهم أحكام "كفر المعين" قضائياً.

جاء التعثر في "جماعة الإخوان المسلمين" من أن حسن الهضيبي لم يجمع بين ما بنى عليه البنا "جماعة الإخوان المسلمين"، وبين ما طرحه سيد قطب من صحة تشخيص النظام المصري وما طرحه من وسائل لمواجهة النظام الجديد الذي قاده جمال عبد الناصر، والذي جمع بين الفكر القومي العربي والاشتراكية الماركسية
لقد أعطى سيد قطب أجوبة سليمة وصحيحة في تشخيص واقع مصر القومي الاشتراكي الماركسي الذي ولّده جمال عبد الناصر بعد انقلابه عام 1952، وفي كيفية إصلاح ومواجهة الأخطاء والانحرافات فيه.

لقد تصدى حسن الهضيبي لسيد قطب وألف كتاباً بعنوان "دعاة لا قضاة" ناقش فيه فكرة القول بتكفير المجتمع والقول بهذا التكفير، وتحدث عن الشروط التي وضعها الفقهاء لتكفير المعين وأنه يجب أن نميز بين القول الفكري وتكفير القائل، وأنه يجب أن تثبت أمور في حق الكافر المعيّن وتنتفي موانع، ومن المؤكد أن أقوال الهضيبي صحيحة فقهياً.

إن هذا الهجوم من قبل المرشد حسن الهضيبي على كتابات سيد قطب جعل الاستفادة من كتابات سيد قطب داخل الإخوان محدوداً إن لم يكن معدوماً، وجعل جماعات أخرى خارج الإخوان تأخذ مما قاله سيد قطب مع الشطط في فهم أقواله كـ "جماعة التكفير والهجرة" وبعض حركات "الجهاد".

الخلاصة: لقد جاء التعثر في "جماعة الإخوان المسلمين" من أن حسن الهضيبي لم يجمع بين ما بنى عليه البنا "جماعة الإخوان المسلمين"، وبين ما طرحه سيد قطب من صحة تشخيص النظام المصري وما طرحه من وسائل لمواجهة النظام الجديد الذي قاده جمال عبد الناصر، والذي جمع بين الفكر القومي العربي والاشتراكية الماركسية، إنما غيّر حسن الهضيبي في بعض القواعد التي أنشأ البنا عليها "الإخوان المسلمين"، ولم يأخذ بما طرحه سيد قطب من تطوير في بناء الجماعة في مواجهة الواقع المستجد أثناء حكم عبد الناصر.