إن لله تعالى سنن ثابتة وجارية في الظالمين
وأتباعهم ومن عاونهم، وهي تجري على الأمم والحضارات كما تجري على الأفراد
والجماعات، ومنها سنن زوال الأمم بالعلو والطغيان والظلم والإجحاف، قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي
لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ
بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ *
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 6 ـ 14] .
فهذه الايات الكريمة تقرّرُ سنةً من سنن
الله الربانية التي لا تحابي أحداً من خلقه، إنّها سنةُ زوال الأمم بالفساد
والتجبر وزوالها بالطغيان والعدوان، وزوالها أيضاً بالعصيان والبطر والكبرياء كما
في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}
[الاسراء: 16]. أي أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات واجتناب المعاصي فعصوا
وفسقوا وحققوا أسباب الزوال والانهيار، فحقّت عليهم سنةُ الأخذِ والزوال والتدمير
والتنكيل جزاء فسقهم وعصيانهم.
فإذا ما فشى الظلمُ وعدمُ إقامة العدل في
أمة من الأمم ، فقد تحقّقت فيهم أسبابُ الهلاك، وحقت عليهم سنةُ الله بالعذاب،
ووقعت عليهم القاصمة، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ
ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11].
فالله سبحانه تعالى قد حرّم الظلمَ على
نفسه، وجعله بين العباد محرّماً، كما في الحديث القدسي: "يا عبادي إنّي
حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تظالموا. "
إذا ما فشى الظلمُ وعدمُ إقامة العدل في أمة من الأمم ، فقد تحقّقت فيهم أسبابُ الهلاك، وحقت عليهم سنةُ الله بالعذاب، ووقعت عليهم القاصمة، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11].
فإذا اختلّت الموازينُ وانعدمتِ القيمُ،
وتحكّم الأقوياءُ في رقاب الضعفاء، وقسم المجتمع إلى طبقاتٍ من سادة وعبيد،
وتلاعبَ السادةُ بحدود الله وأوامره، فقد حقّت عليه سنةُ الله في الهلاك والتي لا
تحابي أحداً من خلقه، ولن تجدَ لسنّة الله تبديلاً ولا تحويلاً، وقد جاء في الحديث
الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّما هلك الذين مِنْ قبلكم أنّهم كانوا
إذا سرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ
اللهِ، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها".
فالأمم والحضارات تهلك وتزول إذا فشا فيها
الظلم وساد دون أي مقاومة أو محاولة للإصلاح وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وهنا يمكن القول أن أجل هذه الأمة الظالمة أو تلك الحضارة التي انعدم
فيها العدل قد حان، وأن موعد تحقق سنة الله فيها بالهلاك والزوال قد اقترب، قد يرى
الناسُ موجبات العذاب والانهيار قد حلّت بأمة من الأمم ثم لا يرون زوالها بأنفسهم،
لكنَّ عمر الأمم أطولُ من عمر الأفراد، ولا تقع إلا بأجل محدود لابدّ من استيفائه،
قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ
سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف : 34]. وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا
مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبَقُ مِنْ أُمَّةٍ
أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر : 4 ـ 5]. وقال تعالى: {وَتِلْكَ
الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}
[الكهف : 59].
وإن الله تعالى ينزع القوة والعلو والتمكين
من الظالمين المتكبرين والمتجبرين، فيذيقهم الذل بعد العز، والضعف بعد القوة، فقد
نزع الله تعالى ملك جالوت الظالم، ومكن لداوود (عليه السلام) الصالح المصلح؛ فالله
تعالى ينزع الملك ممن آتاه إياه إذا ظلم وجار صاحبه، وذلك حتى لا تخلد النفوس
الظالمة الجائرة في وهم الأمان من هذا النزع، بعدما صاروا في غيبوبة سكر الملك أو
السلطان الجائر. وكذلك فإن في قصة لقاء بني إسرائيل بجالوت وجنده بشارات
للمظلومين، وأنه تعالى ناصرهم على من ظلمهم وتجبر عليهم، وأن عليهم الأخذ بأسباب
دفع الظلم عنهم والصبر على هذا، والمصابرة أثناء دفع الظالم ليزول عنهم ظلمه
(المبارك، 2017: 150). والله تعالى يأخذ الملك ممن يشاء ويهبه لمن يشاء بحكمته
وعدله الذي لا يفضي إلا إلى الخير، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ
مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
ولأن سنن الله تعالى في إهلاك الظالمين
واستبدالهم لا تحابي أحداً من الخلق، فقد وقعت على بني إسرائيل أنفسهم بعد أن
نصرهم الله تعالى على جالوت وجنده من قبل، ومكّن لهم في أرض فلسطين وحولها، فلما
انحرف اليهود عن دعوة أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام) تم عزلهم عن منصب قيادة
الإنسانية ، وقد جاء تفصيل ذلك بشكل واضح وصريح في سورة الإسراء وذلك بعد قوله
تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ
مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]، فبدأ بعدها في
ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ونبّه المؤمنين إلى أن هذا
القرآن يهدي للتي هي أقوم.
والارتباط بين الآيات في سورة الإسراء يشير
إلى أن اليهود سيُعزَلون عن منصب قيادة الإنسانية؛ نظراً لما ارتكبوه من الجرائم
التي لم يبق معها مجال لبقائهم في هذا المنصب، وأنه سيصير إلى رسول الله ﷺ وأمته،
وأنه سيجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما. فقد آن أوان انتقال القيادة
الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والظلم والإثم
والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتتتمسك
بالوحي الإلهي المحفوظ، فتحافظ عليه وتعمل به (المباركفوري، 1996، ص 120).
إنّ سورة الإسراء تعرضت للاستبداد
الإسرائيلي، وبيّنت كيف تهاوى بين مخالب القوى الدولية الكبرى في ذلك الزمان
(الفرس والروم) (التيجاني، 1995: 149). قال تعالى : ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي
وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ
أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا
خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا
مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ
أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ
أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا
عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)﴾ [الإسراء: 2-7].
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن
(بختنصّر) قام بتخريب مملكة اليهود، وجاس خلال الديار، وتفرقت بسبب ذلك بنو
إسرائيل فنزلت طائفة في الحجاز وطائفة في يثرب، وطائفة بوادي القرى، وذهبت شرذمة
لمصر، وحدث ما يعرف بــ " السبي البابلي"، وقد وقع هذا الدمار الفارسي لدولة
اليهود، في القرن السادس قبل الميلاد سنة (597 ق.م).
أما الدمار الثاني، وهو الدمار الروماني
للدولة اليهودية (بعد أن أعيد بناؤها)، فقد وقع في القرن الميلادي الأول (70م)،
وذلك حين هدم القائد الروماني (تيتوس) هيكل أورشليم، وفرّ اليهود من وجه الاضطهاد
الروماني السياسي والديني، وتتابعت هجرتهم وانتهى بعضهم إلى جنوب الجزيرة العربية،
حيث سبقهم أجدادهم الأوائل (التيجاني، 1995: 152).
إذا اختلّت الموازينُ وانعدمتِ القيمُ، وتحكّم الأقوياءُ في رقاب الضعفاء، وقسم المجتمع إلى طبقاتٍ من سادة وعبيد، وتلاعبَ السادةُ بحدود الله وأوامره، فقد حقّت عليه سنةُ الله في الهلاك والتي لا تحابي أحداً من خلقه، ولن تجدَ لسنّة الله تبديلاً ولا تحويلاً، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّما هلك الذين مِنْ قبلكم أنّهم كانوا إذا سرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ اللهِ، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها".
ويعدُّ الظلم من أكبر عوامل سقوط الحضارات،
والظلم المقصود بهذا المعنى له مفهوم شامل عريض، يؤدي إلى فقدان التوازن في كافة
مجالات الحياة وعلاقة الإنسان مع نفسه ومع الله ومع غيره، وعن هذا تنبثق ظواهر
نفسية واجتماعية واقتصادية سلبية ومرضية،
وتصورات فاسدة عن الوجود كله، فيعم الفساد الحياة الإنسانية بأسرها (هيشور، 1997:
23)، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
ولعل أبرز الأمثلة وأولى النماذج على سقوط
الحضارات بظلم أهلها هو سقوط ونهاية الحضارة الإنسانية الأولى مع هلاط قوم نوح
بالطوفان العظيم، فإنَّ نوحاً عليه السلام جاء في نهاية الحضارة الإنسانية الأولى،
والتي بدأت من آدم عليه السلام، ثم انحرفت عن التوحيد وإفراد العبادة للخالق
العظيم، حيث تطورت الحياة الإنسانية على وجه الأرض في قضاياها المادية، وضعفت
وأخطأت السبيل في قيمها الروحية ومعرفتها بخالقها العظيم، فأرسل الله عز وجل نوحاً
عليه السلام، فأقام الحجة على الكافرين والظالمين والفاسقين والمعاندين، ومضت سنة
الله في زوالهم واستئصالهم، وآمن معه القليل الذين أنشأ بهم حضارة السلام والبركات
بعد الطوفان، فكان الظلم من أبرز أسباب زوال ونهاية الحضارة الإنسانية الأولى بعد
الشرك بالله، وقد تكرر وصف قوم نوح بالظلم في القرآن الكريم مرات عديدة:
ـ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: 70].
ـ وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ
كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: 52]، أي أكثر ظلماً وطغياناً من عاد
وثمود (الميداني، 2006: 24). وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]. وقال تعالى: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ
ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37]. وفي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا
لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود 44].
إنَّ قوم نوح عليه السلام استفحل فيهم الظلم
وأصبح ظاهرة على مستوى المجتمع، وارتكبوه بكل أنواعه، واستمروا على ذلك إلى أن نزل
بهم العقاب الرباني" فأخذهم الطوفان وهم ظالمون " وتحقق فيهم قوله
تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا
قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: 11]. فإنَّ الإهلاك بسبب الظلم سنة من سنن الله في
سقوط الحضارة الإنسانية الأولى وإبادة مدنيتها المتخلفة عن نور الوحي، وإزالة
سلطان الملأ الذي يمثل القيادة السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك الحقبة من
تاريخ البشر.
وقد مضت سنة الله في الاجتماع البشري أنه ما
أهلك قوماً إلا أنشأ من بعدهم قوماً آخرين، يقومون بعمارة الأرض، قال تعالى:
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا
أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]، ذلك أن ذهاب أمة وإنشاء أخرى لا يكون عبثاً وصدفة،
ولكنه سنة الله في الأمم والدول لتتجدد خلايا الإنسانية، وتتداول الحياة الحضارية
بين البشر، ليستمر
العالم قائماً على عقيدة سليمة وأسس صحيحة صالحة للبقاء (هيشور،
1997: 73).
وإن الحضارات كما أن لها سنن قيام وسقوط،
فلها سنن تجدد وانبعاث واستبدال، وقد تحدث القرآن الكريم عن الاستبدال الحضاري
وهذا ما حدث لقوم نوح حيث تجمعت فيهم أسباب الهلاك فمضت سنة الله فيهم بالطوفان،
ولكي تستأنف الإنسانية رسالتها استبدلهم الله بنوح عليه السلام والذين آمنوا به،
وكان نوح عليه السلام ومن آمن معه تميزوا بتوحيدهم لله ومنظومة سلوكية أخلاقية
ربانية، متمسكين بالحق وصابرين عليه، وكانوا محاربين للظلم بكافة أنواعه، فأجرى
الله قدره عليهم ومكن لهم في الأرض، وجمع الله فيهم شروط التمكين وأسبابه.
وقوم نوح هم أول الأمم الهالكة التي وردت
قصتها في القرآن الكريم لقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن
بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
[الإسراء: 17]، ويُفهم من هذه الآية الكريمة أن الهلاك بدأ بقوم نوح، ثم استمر إلى
الفترة ما قبل البعثة النبوية، حيث كان هلاك أصحاب الفيل، وكان قوم نوح سكان الأرض
في تلك الحقبة الزمنية البعيدة في أغوار التاريخ قبل انتشار الناس لقرب العهد من
آدم أبي البشر عليه السلام (أمحزون: 3/579).
وبالرغم من أن الله سبحانه وتعالى قضى بجعل
الحساب والجزاء يوم القيامة، لكن جرت سنته بالفصل بين أهل الحق وأهل الباطل في
الدنيا لحكمة ربانية عليا، وذلك بإهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين في الصراع الدائر
بين الرسل عليهم السلام وأعدائهم، وفي هذا الصراع دارت الدائرة وفق سنة الله على
أهل الشقاوة، فمنهم من أغرقه الله بالطوفان، ومنهم من أرسل عليه الريح العقيم،
ومنهم من أخمدته الصيحة، ومنهم من أخذته الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم
من مسخوا فغدوا قردة وخنازير، على أن الهلاك الذي حل بأولئك الظالمين إنما هو خزي
لهم في الدنيا ونصرة للمؤمنين وعبرة لمن يجيء بعدهم من الأمم ليتعظوا بمصائر
الغابرين، ويبتعدوا عن سبل الشيطان التي كانت سبباً في إهلاك القرون الخالية
المحادّة لله ورسوله.
المراجع:
1 ـ الصلابي، علي محمد، العدالة من المنظور
الإسلامي، دار المعرفة، بيروت.
2 ـ المبارك، إبراهيم، (2017)، سنن التمكين
وأثرها على السياسة الشرعية، دار اليسر، ط1.
3 ـ المباركفوري، صفيِّ الرَّحمن،
(1996)، الرَّحيق المختوم، ، ط1، مؤسَّسة
الرِّسالة – لبنان.
4 ـ التيجاني، عبدالقادر حامد، (1995)، أصول الفكر
السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، عمَّان - الأردن، دار البشير.
5 ـ هيشور، محمد، (1997)، سنن القرآن في
قيام الحضارات وسقوطها، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى.
6 ـ أمحزون، محمد، السنن الاجتماعية في
القرآن الكريم وعملها في الأمم والدول، دار طيبة، ط1 1432هـ.