قراءة في تعثر النهضة بقيادة الفكر القومي العربي.. وجهة نظر نقدية

بسبب هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة جعل القوميين يخطئون في التعامل مع الواقع والمستقبل، فهم يهدمون ما بناه الإسلام في واقع الأمة، ولا يستفيدون منه في بناء المستقبل..
في قلب سؤال النهضة العربية، الذي شغل العقول العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، يكمن الإخفاق قبل الإنجاز، والتعثر قبل النهوض. فمنذ لحظة الاصطدام بالحداثة الغربية وتفكك الدولة العثمانية، تعددت المشاريع الفكرية التي سعت إلى تشخيص أسباب الانحطاط واقتراح سبل الخلاص، وكان الفكر القومي العربي أحد أبرز هذه المشاريع وأكثرها تأثيرًا في المجالين السياسي والثقافي.

غير أن مرور قرنٍ كامل على انبثاقه، وما رافقه من تجارب دول ومشاريع وحدوية، يفرض إعادة مساءلة جذرية لفرضياته التأسيسية ومنهجيته في فهم المجتمع والتاريخ والإنسان العربي.

في هذا السياق، تأتي هذه الدراسة ضمن سلسلة خاصة يكتبها الدكتور غازي التوبة لـ"عربي21"، لتعيد قراءة أطروحات النهضة القومية، لا بوصفها لحظة مجيدة مكتملة، بل كخيار فكري تاريخي أخفق في تشخيص واقع الأمة، فأخطأ طريق النهوض، متخذة من التجربة العراقية وساطع الحصري نموذجًا كاشفًا لتعثر النهضة حين أُقصي الدين الإسلامي عن معادلة التكوين الاجتماعي والحضاري للأمة.


لماذا تعثرت النهضة؟

من الواضح المؤكد أنه لم تتحقق النهضة، وأننا في تأخر في كل المجالات: مجال الاقتصاد والسياسة والزراعة والتربية والعلم والجامعات والصناعة إلخ..، وأظن أنه لا حاجة لحشد الأدلة، واستحضار الإحصائيات التي تدل على ذلك، فهذا الواقع يشاهده الجميع ويقر به الجميع، لكن السؤال الأهم هو: لماذا تعثرت النهضة؟ وللإجابة على هذا السؤال سندرس تعثر النهضة من خلال الفكر القومي العربي ومنهجيته التي طرحها بعد قيام الثورة العربية الكبرى وفي دولة العراق بالتحديد.

من الجلي أن التشخيص السليم للواقع الذي نعيشه وتحديد المشاكل التي نعانيها هما الأصلان الصحيحان لكل نهوض صحيح وبعيد عن التعثر.

لقد اعتبر ساطع الحصري أن هذه الأمة التي تسكن المنطقة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وتقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وعند التدقيق في الكلام السابق لا نجد أن هذا الكلام صحيح، "فاللغة والتاريخ" لا يفسران واقع هذه الأمة وعقليتها ونفسيتها واقتصادها وتركيبتها الاجتماعية، والمشاكل التي تعيشها
بعد أن انتهت سيطرة الخلافة العثمانية على الدول العربية، وتوج الملك فيصل بن الحسين ملكاً على العراق عام 1921، برز الفكر القومي العربي كفكر قائد لمملكة العراق، ومن أبرز المفكرين الذين دعوا إلى الفكر القومي العربي ساطع الحصري، وقد اعتبر ساطع الحصري أن الشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وهي "الأمة العربية"، ويمكن أن نعتبر أن هذا الجواب صحيح إذا قصدنا أن السكان الذين يسكنون هذه الأرض من جنس عربي ولغتهم عربية، ولكن الحصري لم يقصد هذا فحسب بل اعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملي "اللغة والتاريخ" واعتبر أن اللغة هي شعور الأمة وروحها، وأن التاريخ هو ذاكرة الامة وجسدها، واعتبر ساطع الحصري أن مشكلة الأمة الرئيسية تتجسد في التجزئة التي صنعها الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى ولذلك فإن الهدف الرئيسي يجب أن يكون هو إقامة الوحدة، ولا حاجة للتفصيل عن قيمة ساطع الحصري الفكرية في التاريخ الحديث، وبخاصة في "الفكر القومي العربي" فهو يعتبر رائداً في "الفكر القومي العربي" في العصر الحديث، ويعتبر المؤسس الفكري الرئيسي للعراق بعد نشوئها عام 1192 بقيادة الملك فيصل، وكذلك سورية بعد استقلالها عام 1945، حيث لعب دوراً رئيسياً في صياغة المناهج التربوية، كما لعب دوراً رئيسياً في صياغة الجامعة العربية وعمل مستشاراً ثقافياً لدى جامعة الدول العربية في الخمسينيات، ثم عمل عميداً لمعهد الدراسات العربية العليا، بتكليف خاص من الرئيس جمال عبد الناصر، ومن هذا يتبين لنا قيمة ساطع الحصري الفكرية والسياسية والعلمية والعملية في العصر الحديث في العالم العربي.

لقد اعتبر ساطع الحصري أن هذه الأمة التي تسكن المنطقة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وتقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وعند التدقيق في الكلام السابق لا نجد أن هذا الكلام صحيح، "فاللغة والتاريخ" لا يفسران واقع هذه الأمة وعقليتها ونفسيتها واقتصادها وتركيبتها الاجتماعية، والمشاكل التي تعيشها إلخ..، وقد أغفل ساطع الحصري "عامل الدين الإسلامي" في تكوين هذه الأمة، وليس الحصري فقط بل أخطأ كل المفكرين  القوميين في مثل هذا الإغفال لعامل الدين مثل: عبدالله عبد الدايم، ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، زكي الأرسوزي، هاني الهندي، عصمت سيف الدولة، محمود الريماوي إلخ..

والحقيقة أننا لا تستطيع تفسير واقع هذه الأمة الموجودة من "المحيط إلى الخليج" إلا بوجود الإسلام ومن خلال الإسلام، فهو الذي يفسر لنا وحدتها الثقافية، ووحدتها النفسية، ووحدتها الفكرية، ووحدة العادات والتقاليد عندها، ووحدتها الاجتماعية إلخ...، بل إننا لا نستطيع أن نفسر وجود العاملين وهما "اللغة والتاريخ" إلا بالإسلام، فالإسلام هو الذي حفظ اللغة العربية من أن تتحول عدة لغات، فإن القرآن الكريم نزل بلهجة قريش، وأصبحت لهجة قريش هي اللغة السائدة على مدى التاريخ، وبهذا حفظ اللغة العربية من أن تصبح عدة لغات بعدد اللهجات التي كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم، كذلك فإن "عامل التاريخ" الذي اعتبره الحصري العامل الآخر في بناء الأمة العربية، هو مرتبط بالإسلام، فتاريخ المنطقة العربية مرتبط بنشأة الدعوة الإسلامية في مكة، ثم في هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة إلى المدينة، ثم مرتبط بالفتوحات الإسلامية، ومرتبط بكيفية بناء الحضارة الإسلامية إلخ ...

لكن الحصري وجميع المفكرين القوميين كانوا حريصين على إبعاد الإسلام من أن يكون له دور في بناء الحاضر، بل كانوا ينظرون له كعامل سلبي لعب دوراً في تأخر الأمة وتخلفها، وهم يعتقدون أننا لن ننهض إلا بإبعاد الإسلام كما فعلت أوروبا، فالدين معاد للعقل، ولا بد من استحضار العقل لكي ننهض.

لا أريد أن أناقش خطأ المقولات السابقة وعدم انطباقها على الدين الإسلامي، لأن الحصري أسقط واقع الغرب على واقعنا دون تمحيص لهذا الواقع، ودون تدقيق في مدى اختلاف الواقعين، بل عمم حقيقة معاداة المسيحية في الغرب للعقل على الدين الإسلامي، وهذا مخالف لحقائق التاريخ.

الفكر القومي العربي كان أمامه تحد رئيسي هو إيجاد "رابطة قومية وطنية" مكان "الرابطة الإسلامية" التي كانت تسود المجتمعات العربية قبل الحرب العالمية الأولى، لكن الفكر القومي العربي فكك الرابطة الإسلامية السابقة ولم يستطع أن يحل مكانها "رابطة قومية عربية" أو "رابطة وطنية عربية"
وبالإضافة لهذا القياس الخاطئ الذي وقع فيه ساطع الحصري، وهو الذي طابق فيه بين واقعين مختلفين، وقع الحصري في خطأ آخر هو انطلاقه من العلمانية من أجل إبعاد الدين الإسلامي من التأثير في أي جانب من جوانب الحياة الدينية، لاعتقاده أن العلمانية شرط أساسي للنهضة.

فأعتقد أن هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة واعتبارها تقوم على عاملي اللغة والتاريخ فقط وتجاهل دور الدين الإسلامي هو العامل الأساسي في عدم قيام النهضة وتحققها.

ومما يؤكد ذلك أن الفكر القومي العربي كان أمامه تحد رئيسي هو إيجاد "رابطة قومية وطنية" مكان "الرابطة الإسلامية" التي كانت تسود المجتمعات العربية قبل الحرب العالمية الأولى، لكن الفكر القومي العربي فكك الرابطة الإسلامية السابقة ولم يستطع أن يحل مكانها "رابطة قومية عربية" أو "رابطة وطنية عربية" والدليل الواضح على ذلك يمكن ان نأخذه من العراق الذي هو أقدم مكان لانبعاث الفكر القومي العربي على يد ساطع الحصري أكبر مفكر قومي، فقد تعرض العراق عام 2003 إلى غزو أمريكي، ونجحت القوات الأمريكية في إسقاط نظام الحكم القومي في أقل من ثلاثة أسابيع وذلك بسبب انعدام وجود الرابطة القومية أو الوطنية، بل بروز الروابط المذهبية من رابطة شيعية وسنية ومسيحية وصابئية إلخ.... أو بروز الروابط الإثنية من كردية وعربية وآشورية وكلدانية إلخ..

لذلك أمكن للاحتلال الأمريكي بعد غزوه العراق عام 2003، أن يجعل العراق الموحد ثلاث دول: كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب، وقد استتبع فشل الفكر القومي العربي في إنشاء رابطة واحدة تجمع الشعب العراقي إلى الفشل في إيجاد الوحدة الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والنفسية، والثقافية للشعب العراقي، وهذا ما سهل احتلاله من قبل الغازي الأمريكي.

الخلاصة: لقد حاولت الأمة أن تنهض منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكان الفكر القومي العربي هو من أوائل الأفكار التي برزت لقيادة هذه النهضة، وقد جاءت فرصة ذهبية لهذا الفكر عندما وصل الملك فيصل الأول بن الحسين إلى العراق عام 1921، وحاول أن يصنع نهضة عمادها الفكر القومي العربي، وقد تولى تلك المهمة ساطح الحصري رائد الفكر القومي العربي وصاحب المؤلفات المتعددة في مجال الفكر القومي العربي، لكن النهضة تعثرت، ولم تقم نهضة وكان السبب الرئيسي كما حللنا هو اعتبار الفكر القومي العربي أن الأمة تقوم على عاملين فقط، هما: اللغة العربية والتاريخ، وهذا التشخيص خاطئ، فهذه الأمة تقوم على اللغة والتاريخ والدين الإسلامي.

ولذلك بسبب هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة جعل القوميين يخطئون في التعامل مع الواقع والمستقبل، فهم يهدمون ما بناه الإسلام في واقع الأمة، ولا يستفيدون منه في بناء المستقبل لأنه ـ في نظرهم ـ دين خرافي كبقية الأديان لا يصلح للبناء بل يجب ابعاده وعدم التعامل معه، لذلك هم هدموا الروابط الإسلامية التي كانت تجمع الشعب العراقي أثناء الخلافة، ولم يفلحوا في إيجاد روابط جديدة "قومية" أو "وطنية" لذلك سقط العراق بسرعة في يد أمريكا في عام 2003.