الخشت والغزالي.. العقل المنضبط بين الوحي والفلسفة في مواجهة فخ الاستشراق

الغزالي نقد التقليد الأعمى، واعتبره عيبا، ونقد علماء السوء الباحثين عن مصالحهم الشخصية، ونقد التصوف المنفلت من الشريعة، ولا أظن أن هذا من طبيعة التفكير الخرافي.
يستعرض هذا المقال، ضمن سلسلة المقالات الخاصة التي يكتبها الكاتب والباحث المصري الدكتور حاتم عبد العظيم لصحيفة "عربي21"، قراءة نقدية لمحاضرة الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ الفلسفة ورئيس جامعة القاهرة السابق، حول الإمام الغزالي.

يقدّم المقال تأملاً فلسفياً معمقاً في أفكار الخشت، ويوازن بينها وبين التراث الغزالي العميق، مسلّطاً الضوء على القضايا الجوهرية المتعلقة بالعقل والوحي والفلسفة والسببية، في محاولة لفهم موقف الغزالي الحقيقي بعيداً عن خطاب الاستشراق الاستعماري ومنظوره النقدي الأحادي.

ويهدف النص إلى فتح حوار فكري متكافئ حول العقلانية الدينية وتجديد الخطاب الديني المعاصر، مع التذكير بأن العقل الذي انتصر له الغزالي ليس عقلًا مطلقًا متفلّتًا، بل عقل منضبط بالوحي ومتوافق مع المعايير الأخلاقية والبرهانية، في مقابل الادعاءات التي تصوره كبطل للخرافة أو معادٍ للفكر العقلاني.


نقطة مفصلية فى تاريخ "استقالة العقل"

قبل أيام طالعتنا وسائل الإعلام بأخبار محاضرة ـ نشرت لاحقا ـ للدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ الفلسفة ورئيس جامعة القاهرة السابق، وعضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ألقاها في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي الثالث "المعتقد والعلم والعقل" المنعقد بجامعة السوربون في باريس، بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وعلى إثرها كرم المؤتمر في جلسته الختامية الدكتور الخشت، تقديرًا لمحاضرته المعمقة وجهوده العلمية، وجاء التكريم في قاعة لويس ليار التاريخية(Salle Louis Liard)  في جامعة السوربون، حيث سلم البروفيسور بيير كاي مدير المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية، دبلوم (شهادة تقدير) للدكتور محمد الخشت، مؤكدًا أن المحاضرة التي قدمها تمثل إضافة علمية رفيعة المستوى، وتعكس عمق تجربته البحثية والفلسفية!

وبالنظر إلى الأفكار التي تضمنتها المحاضرة والتي نريد مناقشتها في هذه المقالة فقد وجه الدكتور الخشت نقدًا حادًا للإمام أبى حامد الغزالى، معتبرًا أن الغزالى مثل نقطة مفصلية فى تاريخ "استقالة العقل" وسيادة المنهج الخرافي في الثقافة الإسلامية . ويرى الخشت أن إنكار الغزالى لمبدأ السببية الطبيعية، كما ورد فى أطروحاته الكلامية الشهيرة، لم يكن مجرد نقاش نظرى، بل أدى إلى إضعاف الثقة فى قوانين الطبيعة، وفتح الباب أمام هيمنة التفكير الخرافى وتبرير الخوارق والكرامات غير المنضبطة، بما أثّر سلبًا فى تشكّل العقل العلمى لدى المسلمين.

لم يكن فكر الغزالي ـ المتوفى في أوائل القرن السادس الهجري- إعلان وفاة للعقل المسلم كما زعم رينان وتابعه، فبعد الغزالي ازدهرت أصول الفقه، وعلم المنطق، وعلم مقاصد الشريعة وغيرها من العلوم المحتفية بالعقل في وظيفته الصحيحة، كما أن الازدهار الحضاري بقي بعد الغزالي قرونا بما يسقط الدعوى من أساسها.
وأكد الدكتور الخشت، أن تجديد الخطاب الدينى المعاصر لن ينجح ما لم يَعُد الاعتبار للعقلانية البرهانية، وما لم يُربط الإيمان بالأخلاق دون مصادرة دور العقل أو تعطيل قوانين الطبيعة.

وقبل أن أناقش بعض الأفكار المحتفى بها باريسيا ينبغي أن نتساءل عن المقصود العام من وراء ترديد هذه الأفكار عن الغزالي خاصة وعن التراث الإسلامي عامة، وضعا في الاعتبار أن هذه اللهجة النقدية الحادة هي ذاتها التي تبنتها المدرسة الاستشراقية الفرنسية الكلاسيكية التي مثلها أرنست رينان ودي بور، وقد زعما ـ خلافا لمدارس استشراقية أخرى كان لها موقف معتدل من الغزالي ـ أن الغزالي قضى على الفلسفة العقلانية، وتسبب في الانحطاط الفكري الذي وصل إليه المسلمون، وبنوا طرحهم على نقده للسببية العقلية، واحتفائه بالذوق والكشف منهجا لمعرفة الحقيقة، وحاولوا جر المسألة إلى صراع بين العقل والدين كالذي عاشته أوربا في العصور الوسطى يمثل فيه الغزالي "طبقة الكهنوت"، وهي ذات العبارة التي وصف بها الخشت أفكار الغزالي " شبه الكهنوتية" في زعمه.

ورأيي أن هذه المدرسة الاستشراقية المتطرفة التي ينتمي إليها الخشت فكريا أرادت تحميل التراث والغزالي خاصة مسؤولية الردة الحضارية في العالم الإسلامي رغبة في تبرئة المستعمر الغربي من التخريب الممنهج والمذابح الوحشية التي ارتكبها في ربوع الأمة، بدعوى أنها كانت حربا حضارية لتحرير العالم الإسلامي وتخليصه من إرث الكهنوت الخرافي الذي اختاروا أن يكون الغزالي هو الذي يمثله.

وعلى صعوبة مناقشة أفكار الغزالي مسوقة على لسان الخشت لما بين الرجلين من المسافات الضوئية في القدرة على التفلسف، حتى إن الخشت في محاضرته "المحتفى بها" لم ينحت مصطلحا واحدا جديدا فضلا عن سبك فكرة فلسفية تستحق المثاقفة، لكن لا ضير من مناقشة أفكار رينان في ثوبها الخشتي الركيك.

ودعونا نسأل مع رينان وتابعه أسئلة ثلاثة مركزية تضمنها ذلك الخطاب الاستشراقي : حول موقف الغزالي من العقل والفلسفة والسببية.

هل انتصر أبو حامد الغزالي للخرافة على العقل؟

رأى رينان وتابعه أن تهافت الفلاسفة كان إعلانًا لنهاية العقل في الحضارة الإسلامية، في محاولة لقياس نقد الغزالي للفلسفة العقلانية بمقياس الفلسفة العلمانية الحديثة باعتبارها الميزان الذي توزن به سائر الأفكار وتمثل الكلمة الأخيرة والحقيقة المطلقة التي يسقط كل ما خالفها.
وهذا لا شك ميزان معوج يخرج الفلسفة العقلية إلى مساحة المقدس، وينشئ منها كهنوتا جديدا في حين يدعي أصحابه حربهم على الكهنوت.

فضلا عن أن هذا الطرح يمثل قراءة مبتورة للغزالي، تختزله في كتاب واحد بقراءة رديئة لهذا الكتاب، وتتجاهل بقية منتجه الفكري العميق، القابل للنقد الموضوعي بكل تأكيد، فلسنا بصدد الدفاع المطلق عن الغزالي بقدر ما نحاول تمحيص الأفكار التي نسجت عنه في أروقة الاستشراق الاستعماري .

هل كان الغزالي حقا ضد العقل؟

القول بازدراء الغزالي للعقل تعميم فادح، فالغزالي كان ضد عقلٍ معيّن لا ضد العقل مطلقًا.
فهو يميّز بين أنواع العقل ووظائفه المختلفة، فلا يهاجم العقل بوصفه أداة للبرهان، ولا بوصفه وسيلة لفهم النص، ولا بوصفه مناطا للتكليف، وإنما يهاجم العقل الميتافيزيقي الفلسفي حين يتجاوز حدوده، ويدّعي القطع فيما لا سبيل إليه بالعقل وحده في مسائل الإلهيات والغيب والمعاد ... ونحوها، ويرى أن العقل والنص يتوافقان ولا يتصارعان يقول الغزالي في كتابه معارج القدس: تحت عنوان: تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر: " اعلم أن العقل لن يهتدي إلَّا بالشرع، والشرع لم يتبين إلَّا بالعقل، فالعقل كالأس والشرع كالبناء، ولا يغني أسٌّ ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس. وأيضًا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يُغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر، فلهذا قال تعالى: " قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ."

وأيضًا فالعقل كالسراج، والشرع كالزيت الذي يمده، فما لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت، وعلى هذا نبَّه الله سبحانه بقوله تعالى:" اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: نُورٌ عَلَى نُور"،  فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متَّحدان، ولكون الشرع عقلًا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن، نحو قوله تعالى:" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقلُونَ"، ولكون العقل شرعًا من داخل، قال تعالى في صفة العقل:" فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" فسُمي العقل دينًا، ولكونهما متحدين، قال: "نورٌ على نور"؛ أي نور العقل ونور الشرع."

إن الغزالي قد انتصر للعقل المنضبط بالوحي، في مقابل العقل المتأله الذي يدعي الإحاطة بكل شيء، وانتصر للعقل المؤمن المتطلع للعلم المتعطش للمعرفة، في مقابل العقل الملحد المتطاول على عالم الغيب. تلك هي المسألة.
وهذه عبارة بالغة العمق والحكمة في ضبط العلاقة بين العقل والشرع، ولا أدري ما وجه اختلاف الخشت مع هذا التصور؟ وهل يريد الرجل مثلا أن يكون التصور البشري عن " الله " متروكا للعقل بعيدا عن أنوار الوحي؟ أين ازدراء العقل هاهنا؟ أم أن العقل المقصود والمنشود لدى الخشت هو العقل المنفلت من كل منطلق أو ضابط أو محدد، والذي يسعى لإخضاع عالم الغيب لقوانين الشهادة على المذهب العالماني البئيس؟ وهل نحن بإزاء دعوة لتحرير العقل أم دعوة لازدراء الوحي؟

أما موقف الغزالي من الفلسفة فيكفي لباحث متجرد أن يقرأ كتابه" مقاصد الفلاسفة " ليدرك الملكة الفلسفية المكينة لدى الرجل، حتى يمكن أن نقول: إنه نقد الفلسفة نقدا فلسفيا من داخل حيزها لا من خارج، ونقدها نقدا موجها لا نقدا شاملا يرفضها جملة، وصب الغزالي نقمته على الفلاسفة " العقلانيين " بعبارة الخشت في  ثلاث مسائل: هي قولهم بقِدَم العالم، وإنكارهم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم البعث بعد الموت. فالرجل إذن رفض إقحام الفلسفة العقلية في الغيبيات الدينية فهل يسمي الخشت ذلك انتصارا للكهنوت والخرافة؟

أما المنطق العقلي في العقليات لا في السمعيات، والمنطق الرياضي والعلوم الطبيعية كالطب ونحوه فقد دافع عنها الغزالي وعدّها علومًا يقينية، بل اعتبر إنكارها جهلا بالدين، يقول في المنقذ من الضلال: "ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الدين يُنصر بإنكار هذه العلوم".

ومن ثم فاتهام الغزالي بالانتصار للتفكير الخرافي على حساب التفكير البرهاني اتهام منحاز ـ لا ريب ـ في ذلك؛ فالغزالي نقد التقليد الأعمى، واعتبره عيبا، ونقد علماء السوء الباحثين عن مصالحهم الشخصية، ونقد التصوف المنفلت من الشريعة، ولا أظن أن هذا من طبيعة التفكير الخرافي .

أما موقفه من السببية فالغزالي لا يقول: النار لا تحرق. بل يقول: الاحتراق ليس واجبًا بذات النار، بل بسنّة أجراها الله فيها عادة، فخاصية الإحراق منشؤها الخلق الإلهي لا الفعل الطبيعي بذاته، فالاختلاف واقع في تفسير السببية لا في وجودها، يستند الغزالي في فهمه إلى قوله تعالى: " والله خلقكم وما تعملون" وإلى قوله : "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل " فالخلق إلهي والخصائص السببية بعض الخلق الإلهي، والإنسان متصل هنا بعالمين: عالم الفهم الذي يكشف السببية في مواضعها وعالم الكسب الذي يوظف السببية في الخير أو الشر. وهذا التصور لا يُبطل العلم، ولا يُلغي التجربة، ولا ينفي السببية، بل يمنع تأليه الطبيعة وادعاء الضرورة الفلسفية المطلقة، وهو قريب مما سيقوله لاحقًا ديفيد هيوم، وآخرون كثيرون. فهل يرى الخشت ذلك نفيا مطلقا للسببية وانتصارا للخرافة؟

لم يكن فكر الغزالي ـ المتوفى في أوائل القرن السادس الهجري- إعلان وفاة للعقل المسلم كما زعم رينان وتابعه، فبعد الغزالي ازدهرت أصول الفقه، وعلم المنطق، وعلم مقاصد الشريعة وغيرها من العلوم المحتفية بالعقل في وظيفته الصحيحة، كما أن الازدهار الحضاري بقي بعد الغزالي قرونا بما يسقط الدعوى من أساسها.

وخلاصة القول: إن الغزالي قد انتصر للعقل المنضبط بالوحي، في مقابل العقل المتأله الذي يدعي الإحاطة بكل شيء، وانتصر للعقل المؤمن المتطلع للعلم المتعطش للمعرفة، في مقابل العقل الملحد المتطاول على عالم الغيب. تلك هي المسألة.