قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن الفكر القومي المصري في مصر (4)

استهدفت القومية المصرية تعزيز الانتماء المصري وإبراز الهوية المصرية وتقديمها على حساب الانتماء الإسلامي والهوية الإسلامية.
احتل نابليون مصر عام 1799م، وجاءت معه بعثة علمية من مختلف التخصصات واكتشفت "حجر رشيد" في دمياط عام 1799، الذي فك رموز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، وبهذا فتحت أمام المؤرخين مغاليق التاريخ المصري، واستطاعوا أن يكتشفوا تفاصيل حياة الفراعنة وعباداتهم وأسرار الاهرامات ومداخلها ومخارجها واكتشفوا تاريخ معاركهم إلخ...، وبعد هذه الاكتشافات الواسعة للتاريخ الفرعوني القديم، بدأت تعلو عند المصريين قضية الانتماء إلى الفراعنة، والاعتزاز بهذا الانتماء لعظمة الآثار الموجدة كالأهرامات والمعابد والمقابر والقصور وضخامتها، وتعقيد بنائها، وكثرة العلوم التي ساعدت في إنجازها.

ثم لما جاء الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882.، مما في توسيع الاكتشافات والبحث عن الآثار في كل مصر، مما زاد في حجم المعلومات عن التاريخ الفرعوني وملوكه وقياداته العسكرية والدينية، ومقابره ومعابده وحياته الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلخ...،  مما زاد في تعلق المصريين بهذا التاريخ والتوجه إليه، وقد تناول الكتاب والمؤرخون والروائيون والشعراء هذا التاريخ، فقد كتب الشاعر أحمد ش"، ومسرحية (مصرع كليوباترا) وكتب حافظ إبراهيم قصيدة "مصر تتحدث عن نفسها"، وكتب نجيب محفوظ ثلاث روايات تاريخية في بداية مسيرته الأدبية تدور حول الفراعنة ومصر القديمة، وهي: "عبث الأقدار"، "رادوبيس"،  و"كفاح طيبة"، وكتب كثيرون غيرهم عما كان يثير الدهشة والتعجب والانبهار من تاريخ مصر الفرعوني.

استبعدت القومية المصرية الفرعونية أن يكون للدين الإسلامي أثر في تكوين الأمة المصرية كما فعلت القومية العربية في العراق على يد ساطع الحصري مع أنك لا تستطيع أن تفسر وتفهم مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والنفسية والعقلية المنتشرة في مصر إلا من خلال الإسلام.
ثار المصريون عام 1919 بقيادة سعد زغلول يطالبون باستقلال مصر عن الانتداب البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، وكوّن حزب الوفد المصري الذي يقوم على القومية المصرية الفرعونية، وجد جماهير مصرية كثيرة تلتف حوله، وتتبنى روايته، وبرز كتاب يؤيدون الطرح القومي المصري الفرعوني الذي تبناه زغلول من أمثال: أحمد لطفي السيد، طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد حسين هيكل، وسلامة موسى إلخ..، وقد اعتبرت هذه القومية أن الجغرافيا لها تأثير كبير في نشوء الأمم، لذلك تكونت مصر على مدار التاريخ كأثر من آثار النيل، وقد تأثرت "القومية المصرية" "بالقومية الفرنسية" في انعكاس الجغرافيا على وجودها، وخير من نظر لتأثير النيل على قيام القومية المصرية هو الدكتور جمال حمدان في كتابه "شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان" في أربع مجلدات، وقد بيّن في هذا الكتاب أثر النيل والطبيعة في تكوين مصر، وقد سبق أن قال المؤرخ اليوناني هيرودوت "مصر هبة النيل".

وقد استبعدت القومية المصرية الفرعونية أن يكون للدين الإسلامي أثر في تكوين الأمة المصرية كما فعلت القومية العربية في العراق على يد ساطع الحصري مع أنك لا تستطيع أن تفسر وتفهم مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والنفسية والعقلية المنتشرة في مصر إلا من خلال الإسلام.

ومن أبرز الكتب التي صدرت في هذه الفترة ترسخ العلمانية، وتهوّن  من شأن الدين الإسلامي كتابان، هما: "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وقد أثار الكتابان معركتين كبيرتين على مستوى الواقع الديني، وقد اعتبر الأول أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء داعية ولم يأت حاكماًَ، وأن الخلافة هي من اختراع المسلمين لذلك فإن خلاصة ما توصل إليه الكتاب هو فصل السياسة عن الدين، وهو ما تريده العلمانية.

وأما الكتاب الثاني "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، فقد انطلق من مقولة أن القرآن أصدق تصويراً للحياة الجاهلية من الشعر الجاهلي، وهو يريد ان يصل أن القرآن الكريم صناعة بشرية، وهو انعكاس للبيئة الجاهلية في عقل الرسول -صلى الله عليه وسلم، لكن الكتابين أثارا ضجة كبيرة، وجرت محاكمة للكاتبين والكتابين، وأعدم الكتابان، وجرّد الكاتبان من درجتهما العلمية، وقام عدد كبير من العلماء بالرد على الكتابين، ومع ذلك فإن الكتابين قد زعزعا الحياة الثقافية في مصر، ومهّدا الطريق أمام التهوين من شأن الدين والهوية الدينية والانتماء الديني.

لقد استهدفت القومية المصرية التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى والتي قادها سعد زغلول عدة أهداف، منها:

أولها ـ تعزيز الانتماء المصري وإبراز الهوية المصرية وتقديمها على حساب الانتماء الإسلامي والهوية الإسلامية.

وسرعان ما تقهقر هذا التوجه، فقد برزت حركة "الإخوان المسلمين" واكتسبت جماهيرية واسعة عام 1928 في الحياة المصرية، في فترة الثلاثينات، ووازت جماهيرية حزب الوفد إن لم تكن فاتته، وأهم ما قامت عليه هذه الجماهيرية هو "إعلاء الانتماء الإسلامي" وإبراز "أولوية الهوية الإسلامية العربية".

إن هذه الجماهيرية الكاسحة للتيار الإسلامي استدعت كبار كتاب "القومية المصرية" أن يوجهوا أقلامهم لاسترضاء هذا التيار فكتب: د. طه حسين "على هامش السيرة"، و"مرآة الإسلام"، و"الشيخان"، "الفتنة الكبرى بجزئيه: عثمان، علي وبنوه"، كما كتب عباس محمود العقاد: "عبقرية محمد"، "عبقرية الصديق"، "عبقرية عمر"، "عبقرية علي" وغيرها من العبقريات، كما كتب محمد حسين هيكل "في منزل الوحي"، "حياة محمد"، "الصديق أبو بكر"، "الفاروق عمر"، "عثمان بن عفان".

ثانيها ـ إنشاء حياة ديمقراطية:

لقد سعى سعد زغلول إلى إيجاد حياة ديمقراطية في مصر فكتب دستوراً لمصر عام 1923، وأصبحت مصر ذات نظام ملكي دستوري، وأجرى انتخابات برلمانية فاز فيها حزب الوفد بالأغلبية، وتشكلت عدة أحزاب، وقلمت نقابات لمختلف المهن، وقد صدرت عدة صحف إلخ..

إن انقلاب جمال عبد الناصر عام 1952 لم يكن لينجح في السيطرة على مصر وبدء مسيرة جديدة مناهضة لكل ما بناه الفكر القومي المصري من هوية وانتماء وحياة سياسية واقتصادية لولا تعثر البناء القومي المصري السابق، وهشاشته، وعدم استطاعته القيام بنهضة حقيقية.
لكن هذه الحياة الديمقراطية كانت فاسدة تحكمها الرشاوي، والمحسوبيات، والولاءات العائلية والعشائرية، والطبقات الأكثر غنى، لذلك لم تنتج حياة سياسية نظيفة، ولم تعط الحرية بشكل حقيقي للشعب، لذلك انهارت أمام قيام انقلاب عبد الناصر عليها عام 1952.

ثالثهما ـ إنشاء نظام اقتصادي وطني:

من المعروف أن مصر ذات أرض زراعية واسعة تملكها طبقة من العائلات الإقطاعية، ثم نشأت إلى جانب ذلك طبقة من التجار والرأسماليين الذين أنشأوا عدداً من البنوك وعدداً من المصانع، ونشأت طبقة وسطى بدأت تنمو في مصر، وتكونت إلى جانب ذلك طبقة من الرأسمالية المصرية عميلة للرأسمالية العالمية، واشتركت معها في نهب خيرات مصر، لذلك لم تتحول مصر إلى دولة صناعية كبيرة.

الخلاصة ـ لقد سعى زغلول إلى إقامة نهضة من خلال المناداة بالقومية المصرية والهوية المصرية والانتماء المصري، ومن خلال إنشاء حياة ديمقراطية برلمانية، ومن خلال إيجاد اقتصاد رأسمالي وطني، لكن هذا تعثر، فلم تصمد الدعوى المصرية الفرعونية أمام الانتماء الإسلامي العربي الذي قاده "الإخوان المسلمون" ثم أجهز جمال عبد الناصر على دعوى "القومية المصرية" عندما أعلن انتماء مصر إلى بعدها "القومي العربي" بعد انقلابه عام1952.

كما أجهز عبد الناصر في انقلاب عام 1952 على الحياة البرلمانية والحزبية التي ظهر فسادها، ودور المال في تحريكها، وأنها لم تكن تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب أو مصالحه.

إن انقلاب جمال عبد الناصر عام 1952 لم يكن لينجح في السيطرة على مصر وبدء مسيرة جديدة مناهضة لكل ما بناه الفكر القومي المصري من هوية وانتماء وحياة سياسية واقتصادية لولا تعثر البناء القومي المصري السابق، وهشاشته، وعدم استطاعته القيام بنهضة حقيقية.