ميثاق "
مجلس السلام" هو الوثيقة
التي جرى نشرها بالموازاة مع إعلان الرئيس الأميركي عن تأسيس "مجلس
السلام"يوم 22 يناير 2026، وهي وثيقة
تعبر عن تصورات جديدة تكشف عن تحولات واضحة في بنية النظام الدولي المعاصر.
نحاول في هذا المقال أن نجيب عن السؤال
التالي: هل يمثل الميثاق الجديد تهديدا لميثاق الأمم المتحدة؟ وهل نحن بصدد تشكل
قواعد جديدة لنظام دولي جديد؟
الفرضية الأساسية التي تنطلق منها هذه
المقالة أن الميثاق في حد ذاته لا يشكل تهديدا قانونيا مباشرا لميثاق الأمم
المتحدة، لكنه يمثل تقويضا سياسيا ومعياريا لمنظومة الشرعية الدولية التي تأسست
بعد الحرب العالمية الثانية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، يشهد النظام
الدولي توترا متصاعدا بين منطق الشرعية القانونية المتعددة الأطراف ومنطق القوة
الفعلية التي تمارسها الدول الكبرى، غير أن السنوات الأخيرة، خاصة في سياق الصراع
المتعلق بالقضية الفلسطينية، كشفت عن انتقال نوعي في تجاوز الأمم المتحدة عمليا
نحو بناء أطر مؤسسية موازية لها.
في هذا السياق، يبرز ميثاق "مجلس
السلام" كحالة نموذجية لفهم هذا التحول، ليس فقط بوصفه مبادرة سياسية ظرفية،
بل باعتباره مؤشرا على إعادة تعريف مفهومي السلم والأمن الدوليين خارج إطار الأمم
المتحدة.
ميثاق مجلس السلام بين المشروعية القانونية
والتقويض المعياري..
إذا انطلقنا من قواعد القانون الدولي العام
بشكل مجرد، فإن ميثاق الأمم المتحدة لا يمنع الدول من إنشاء منظمات أو تحالفات
دولية جديدة، ما دام ذلك لا يتضمن استخداما غير مشروع للقوة أو ادعاء صريحا بإلغاء
اختصاصات الأمم المتحدة. وعليه، فإن "مجلس السلام" لا يمثل، من الناحية
المبدئية، خرقا مباشرا لميثاق الأمم المتحدة، غير أن القراءة المتفحصة لميثاق
"مجلس السلام" تكشف عن إشكاليات أعمق، فالميثاق يمنح شرعية بناء السلام
لهيئة منتقاة وليست مفتوحة العضوية أمام جميع الدول ذات السيادة، كما يربط النفوذ
السياسي بالقدرة المالية، ويركز السلطة التنفيذية والتفسيرية في يد رئيس واحد،
ويعيد تعريف السلام بوصفه مسألة إدارة واستقرار لا مسألة حقوق وعدالة، وبالتالي
فهو يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها التاريخي المتعلق بقضية تصفية الاستعمار
ليختزلها في إدارة قطاع غزة وضمان الاستقرار بما لا يسمح بتهديد أمن إسرائيل.
منذ نهاية الحرب الباردة، يشهد النظام الدولي توترا متصاعدا بين منطق الشرعية القانونية المتعددة الأطراف ومنطق القوة الفعلية التي تمارسها الدول الكبرى، غير أن السنوات الأخيرة، خاصة في سياق الصراع المتعلق بالقضية الفلسطينية، كشفت عن انتقال نوعي في تجاوز الأمم المتحدة عمليا نحو بناء أطر مؤسسية موازية لها.
هذا التحول يفرغ مبادئ جوهرية في ميثاق
الأمم المتحدة من مضمونها، وعلى رأسها: المساواة في السيادة، فجميع الدول الأعضاء
في الجمعية العامة تتمتع بنفس الحقوق (باستثناء المقتضيات المتعلقة بمجلس الأمن
ولاسيما الامتيازات التي تتمتع بها الدول الخمس الدائمة العضوية)، كما يتجاوز
الميثاق الجديد الطابع الجماعي للقرار الدولي، فضلا عن تهميشه الواضح لمركزية
القانون الدولي في تنظيم السلم والأمن.
قراءة "مجلس السلام" في ضوء
الواقعية الجديدة وما بعد الليبرالية ..
تنطلق الواقعية الجديدة من فرضية أن بنية
النظام الدولي تحكمها موازين القوى، وأن المؤسسات ليست سوى انعكاس لإرادة القوى
المهيمنة، ووفق هذا المنظور فإن المجلس يعتبر تجسيدا لمنطق القوة، فهو ليس بديلا
عن الأمم المتحدة، بل أداة للقوة المهيمنة لتجاوز قيودها، المتمثلة في فشل مجلس
الأمن في فرض إرادة القوى الكبرى، وهو ما يضطر هذه القوى إلى إنشاء أطر بديلة أكثر
مرونة وأقل كلفة سياسية.
كما يتم النظر إلى السلام انطلاقا من
المنظور الواقعي، باعتباره وظيفة أمنية، وليس باعتباره تجسيدا لمعاني العدالة أو
تقرير المصير، بل بالمعنى الذي يعني غياب التهديد وضمان الاستقرار الذي يخدم توازن
القوى، وهنا يتحول بناء السلام إلى عملية تقنية-إدارية، لا سياسية ـ قانونية.
أما المقاربة النظرية لما بعد الليبرالية،
فتنطلق من نقد فشل الليبرالية الدولية في الوفاء بوعودها حول تعميم الشرعية؛
وعالمية القانون؛ وضمان حياد المؤسسات، لتنتقل من التعددية إلى الانتقائية.
وبالتالي فإن "مجلس السلام" يمثل
انتقالا من فكرة التعددية إلى الانتقائية المؤسسية، أي إنشاء مؤسسات بمنطق الدعوة
لا العضوية المفتوحة؛ وبمنطق النجاعة لا الشرعية؛ وبمنطق التمويل لا التمثيل،
بالإضافة إلى إعادة تعريف الشرعية، فلم تعد الشرعية مستمدة من الاعتراف الدولي
الواسع، بل من "القدرة على الإنجاز" كما تراها القوى الراعية، وعلى
رأسها الإدارة الأمريكية أساسا.
وللتذكير فإن التاريخ الدولي المعاصر يحتفظ
بنماذج لـ"السلام خارج الشرعية الدولية" في معالجة العديد من الأزمات،
فخلال أزمة كوسوفو (1999)، تابعنا التدخل العسكري خارج تفويض مجلس الأمن؛ قبل أن
تتم شرعنته لاحقا اعترافا بالأمر الواقع، وهو ما يمكن اعتباره تهميشا متعمدا للأمم
المتحدة. كما تابعنا في أزمة العراق (2003) إسقاط النظام بالقوة وإعادة بناء
الدولة عبر سلطة احتلال، وما واكبه من انهيار لمبدأ حظر استخدام القوة. كما جرى في
أفغانستان (2001–2021) إنشاء إدارة دولية موازية بغرض بناء سلام أمني لا مجتمعي
وهو ما تابعنا انهياره لاحقا. واليوم يتم التعامل مع غزة كنموذج راهن، من خلال
محاولة احتواء الأزمة بواسطة إدارة مقترحة من خارج الأمم المتحدة مع تحويل الحق في
تقرير المصير إلى "مسار تدريجي مشروط" وبدون ضمانات، واختزال حقوق الشعب
الفلسطيني في الملف الإنساني والإداري.
هل نحن بصدد التحول إلى نظام دولي جديد؟
قراءة في لحظة الانتقال الدولي الراهنة..
في أدبيات العلاقات الدولية، لا يقصد
بالنظام الدولي مجرد تغير في موازين القوى، بل تحول في ثلاثة مستويات متداخلة،
تحول في البنية (توزيع القوة) وفي القواعد والمعايير وفي المؤسسات الناظمة، ولذلك
فإن السؤال الأدق ليس: هل يتغير العالم؟ بل: هل نشهد تزامنا في التحول البنيوي
والمعياري والمؤسسي معًا؟
انطلاقا من المقاربة الواقعية الجديدة يمكن
القول بأننا بصدد تحول في البنية دون الوصول إلى نظام بديل، بمعنى أن النظام
الدولي سيتغير حين يتغير توزيع القدرات المادية، ووفق هذا المنظور فإن الأحادية
القطبية الأمريكية بعد 1991 توجد في حالة تآكل واضح مع تسجيل صعود قوى كبرى
كالصين، وروسيا، وبعض القوى الإقليمية، وهو ما يخلق نوعا من التنافس البنيوي لكن
دون قدرة أي قطب على فرض نظام بديل شامل، والنتيجة أننا أمام تحوّل في ميزان
القوى، لكن دون استقرار بنيوي جديد.
الملمح الثاني في التحولات الجارية، أن
المؤسسات الدولية لا تستطيع أن تقيّد القوى الكبرى حين تتعارض مع مصالحها، لكن هذه
الملاحظة لا تعني نهاية المؤسسات، ولكنها تعني أننا بصدد إعادة توظيفها أو
تجاوزها. وفي هذا السياق، تظهر أطر مثل "مجلس السلام" كآليات منخفضة
الكلفة السياسية، عالية التحكم، وخاضعة بشكل مباشر لإرادة القوة الراعية. إذن نحن
لسنا أمام نظام دولي جديد، ولكننا أمام مرحلة سيولة استراتيجية.
الانتقال من "نظام دولي" قائم على
قواعد عامة إلى "وضع دولي" مرن، ظرفي..
تفترض الليبرالية المؤسسية أن التعاون ممكن
عبر القواعد وأن الشرعية هي مصدر للاستقرار، لكن الواقع المعاصر يكشف أننا أمام
شلل واضح لمجلس الأمن وأن القانون الدولي جرى تسييسه ليتلاءم مع مصالح القوى
الكبرى، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة العالمية في حياد المؤسسات. وهذا ما يدفع حتى
القوى الغربية إلى تجاوز المؤسسات التي أنشأتها هي نفسها أو بناء أطر موازية أكثر
"مرونة".
ففي أدبيات ما بعد الليبرالية لم يعد العالم
يُدار عبر نظام واحد بل عبر شبكات حكم متداخلة ومؤسسات جزئية، وظيفية، غير شاملة.
نحن بصدد الانتقال من النظام الدولي إلى الحوكمة العالمية المجزأة، وهذا يعني غياب
مركز شرعي واحد وتعدد مصادر القرار وتنافس على تعريف "الشرعية" نفسها.
يتم النظر إلى السلام انطلاقا من المنظور الواقعي، باعتباره وظيفة أمنية، وليس باعتباره تجسيدا لمعاني العدالة أو تقرير المصير، بل بالمعنى الذي يعني غياب التهديد وضمان الاستقرار الذي يخدم توازن القوى، وهنا يتحول بناء السلام إلى عملية تقنية-إدارية، لا سياسية ـ قانونية.
إن أحد أهم التحولات
المفاهيمية اليوم هو
الانتقال من "نظام دولي" قائم على قواعد عامة إلى "وضع دولي"
مرن، ظرفي، قابل للتشكيل حسب الحالة. ومن سمات هذا الوضع وجود مؤسسات موازية بدل
المؤسسات الجامعة؛ وشرعية قائمة على الفعالية لا القانون؛ وإدارة النزاعات لا
حلّها؛ والسلام كاستقرار أمني لا كعدالة سياسية.
إن ميثاق "مجلس السلام" ينسجم
تماما مع هذا المنطق، فهو ليس مؤسسة عالمية ولا تحالفا تقليديا؛ بل أداة حوكمة
انتقائية لحالات محددة.
وبالرجوع إلى ميثاق "مجلس السلام"
يمكن القول بأننا لسنا بصدد ميلاد نظام دولي جديد، يمثل بديلا بشكل مكتمل، ولكننا
بصدد تفكك تدريجي لنظام ما بعد 1945 مع غياب بديل مؤسسي جامع وتصاعد منطق
"اللا ـ نظام الدولي". إنه انتقال من نظام تحكمه قواعد (ولو منتهكة) إلى
فضاء دولي تحكمه السوابق.
فرغم مؤشرات التفكك، لا يمكن الحديث عن نظام
بديل مكتمل، وذلك للأسباب التالية: غياب قوة مهيمنة جديدة قادرة على فرض قواعد
عامة؛ وغياب توافق دولي حول نموذج بديل (ليبرالي/سيادي/حضاري)؛ وتضارب المصالح
داخل المعسكرات نفسها واعتماد القوى الكبرى على الغموض بدل الحسم. إن ما نعيشه
حاليا هو مرحلة انتقال ممتدة لا لحظة تأسيس.
ويمكن القول، بشكل أكثر دقة، إن ما نشهده
ليس انتقالا من نظام إلى نظام، بل تآكل فكرة النظام الدولي نفسها، أي نهاية
الإيمان بوجود قواعد عالمية جامعة وصعود منطق الحالات الاستثنائية الدائمة حيث
تصبح القاعدة هي التجاوز، لا الالتزام.
والخلاصة
إن تفكك منظومة ما بعد 1945 لا يعني ولادة
نظام دولي جديد بالمعنى البنيوي والمؤسسي، بل إننا بصدد مرحلة سيولة دولية تتسم
بتعدد الفاعلين، وتآكل الشرعية الجامعة، وصعود أنماط حكم انتقائية لإدارة السلم
والأمن. وفي هذا السياق، تمثل مبادرات مثل "مجلس السلام" أدوات انتقالية
تعكس أزمة النظام أكثر مما تؤسس لبديل عنه.
ويمثل ميثاق "مجلس السلام" لحظة
كاشفة في مسار التحول الدولي الراهن ليس بوصفه ثورة على ميثاق الأمم المتحدة، بل
بوصفه إعلانا غير مباشر عن أن الشرعية الدولية لم تعد شرطا ضروريا لإدارة السلم
والأمن. ومع غياب إصلاح جذري للنظام الأممي، يُخشى أن يتحول "السلام خارج
الشرعية" من استثناء مؤقت إلى قاعدة حاكمة، وهو السيناريو الذي يبدو أن
العالم يتجه إليه بسرعة كبيرة خصوصا مع السياسة
الترامبية التي تغذيها تصورات
وتمثلات إيديولوجية وقيمية تتقاطع مع النزعة النرجسية التي تبرز بشكل واضح في خطاب
الرئيس الأمريكي.