الاعتقاد بين سلطان البيّنة وحدود الإرادة.. في إتيقا المعرفة ومسؤولية التصديق (1)

تتناول هذه الدراسة محاضرة حول إتيقا الاعتقاد، من جهة مساءلة بنيتها الفلسفية ومفاهيم الإرادة والبيّنة ومسؤولية التصديق وحدود سلطان الإرادة على الاعتقاد.
تتناول هذه الدراسة محاضرة الدكتور شفيق اكريكر المنشورة على اليوتيوب، الملقاة عن بعد بتاريخ 4 يونيو 2025، في ضيافة جمعية الفلسفة السعودية، والموسومة بـ: "الاعتقاد والإرادة: بحث في إتيقا الاعتقاد"، لا من جهة عرض مضمونها فقط، بل من جهة مساءلة معماريتها الفلسفية الداخلية، وتحديد أطروحتها المركزية، وتفكيك جهازها المفاهيمي، ورصد بنيتها الحجاجية، وبيان رهاناتها النظرية والعملية.

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن المحاضرة لا تسائل مجرد العلاقة التقنية بين الإرادة والاعتقاد، بل تؤسس، في العمق، لمفهوم معياري للاعتقاد المسؤول، قوامه إخضاع التصديق لمقتضى البيّنة، أي الدليل، وردُّ سلطان الإرادة إلى مستوى غير مباشر لا يملك أن يفرض على الذهن تصديقاً مخالفاً لما انتهى إليه النظر. ولا يتوقف البحث عند المضامين العقدية في ذاتها، بل يتجه رأساً نحو مساءلة البنْية القصدية للفعل الاعتقادي، متوسلاً بجهاز مفاهيمي يزاوج ببراعة بين الصرامة التحليلية المعاصرة والعمق البرهاني في التراث الفلسفي والكلامي الإسلامي.

غير أن أجوبة المحاضر عن أسئلة المتدخلين تكشف أن هذا المشروع أوسع مما يبدو لأول وهلة؛ إذ تتصل به مسائل أخرى من قبيل الفرق بين الاعتقاد والفعل، وموقع المعتقد الديني ضمن جنس الاعتقاد العام، وحدود البيّنة، وتعدد أنساق المعقولية، وامتداد جذور المسألة في التراث الكلامي، وإمكان توسيعها من جهة الفينومينولوجيا ومن جهة تحليل الشهادة والتقليد والعلاقة بين النخبة والعامة.

وعليه، تُظهر الدراسة أن القيمة الفلسفية الأساسية للمحاضرة لا تكمن فقط في دفاعها عن "اللاإرادوية" الاعتقادية المقترنة بركن البيّنة، بل أيضاً في قدرتها على فتح أفق مركب يربط بين الإبستمولوجي والأخلاقي والتأويلي والسياسي. غير أنها، على ما فيها من تمكّن معرفي وقوة تركيبية ووضوح نظري، تظل محتاجة إلى مزيد من التوسيط والتحقيق في بعض الحدود: حدود البيّنة، وحدود التمييز بين الاعتقاد والفعل، وحدود التعميم في مسألة أهلية النظر، وحدود الانتقال من وصف الاعتقاد إلى تقويمه.

مقدمة

تُعدّ إتيقا الاعتقاد من المباحث الفلسفية التي تتقاطع فيها الإبستمولوجيا مع الأخلاق، والمنطق مع المسؤولية، والنظر مع مقتضيات العيش المشترك. وإذا كانت الفلسفة التقليدية قد انشغلت طويلاً بالسؤال عن صدق الاعتقاد أو بطلانه، فإن إتيقا الاعتقاد تنقل مركز الثقل إلى سؤال آخر لا يقل عمقاً، هو: بأي حق نعتقد؟ وعلى أي أساس؟ وهل الاعتقاد مما ندخل فيه من باب الاختيار، أم أنه انفعال يفرضه الدليل أو الوضعية الإبستيمية على الذهن؟

وقد صاغ الدكتور شفيق اكريكر هذا السؤال بصيغة مباشرة: هل للإرادة سلطان على الاعتقاد؟ وهل نعتقد ما نشاء أو نرفض بمحض الإرادة ما نشاء من الاعتقادات؟ ثم ربط مآلات هذا السؤال بموقفنا من الآخر المختلف في اعتقاداته: تسامحاً أو تعصباً أو رفضاً، بما يدل على أن البحث هنا لا يخص مجرد الحياة الداخلية للذهن، بل يتصل أيضاً بأخلاق الاختلاف وآداب الحكم على الغير.

هل للإرادة سلطان على الاعتقاد؟ وهل نملك أن نختار اعتقاداتنا كما نختار أفعالنا الجوارحية؟
غير أن أهمية أجوبة المحاضر عن أسئلة المتدخلين تكمن في أنها وسّعت دائرة هذا السؤال من الداخل؛ فقد أوضح، على سبيل المثال، أنه لا يميز في مستوى "إتيقا الاعتقاد" بين المعتقد الديني والاعتقاد في وقائع العالم، لأن كليهما يندرجان تحت مفهوم أعم هو مفهوم الاعتقاد. كما شدد على أن انتقال الاعتقاد إلى الفعل ينقلنا من مبحث إتيقا الاعتقاد إلى مبحث آخر هو إتيقا الفعل، حيث تدخل مفاهيم الخير والشر والظلم والمنفعة والمصلحة. وبذلك يتبين أن موضوع المحاضرة، وإن بدا محدداً بصرامة، فإن حدوده الداخلية أكثر دقةً مما قد يوحي به العرض الأول؛ فنحن لا نبحث في أي المعتقدات خير أو شر في ذاتها، ولا في كل ما يترتب عليها من أفعال، بل في الشروط التي يتكون بموجبها الاعتقاد تكوُّناً نزيهاً أو غير نزيه.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية تأويلية مفادها أن المحاضرة، وإن بدت في ظاهرها عرضاً تمهيدياً لسؤال إتيقا الاعتقاد، فإنها تنتهي، في عمقها البنيوي، إلى الدفاع عن أطروحة محددة ترى أن الاعتقاد، من حيث هو تصديق تابع للدليل، ليس فعلاً إرادياً مباشراً، ومن ثَمّ فإن القيمة المعيارية الحقّة لا تتعلق بفرض الاعتقاد على النفس، بل بالنزاهة في تحصيل الدليل، وبالاستقامة في الاستجابة له، وبالعدل في معاملة المخالف حين يكون قد انتهى إلى اعتقاده عن نظر معتبَر. وتؤكد الأجوبة التفاعلية اللاحقة هذا المنحى حين يبيّن المحاضر أن اللاإرادوية لا تعني دائماً نفي الحرية، كما في المثال السبينوزي، بل على العكس، قد تعني أن الحرية الحقّة تتجلى في فهم الآليات والحتميات التي تتكوّن بموجبها الاعتقادات، مما يجعل العقل في حالة انسجام حقيقي مع ذاته ومع البيّنة بعيداً عن الوهم القائل بأننا نخلق اعتقاداتنا من عدم. وتبعاً لذلك، فإن المحاضرة لا تدافع فقط عن اللاإرادوية الاعتقادية، بل تبني عليها تصوراً لـ"الاعتقاد المسؤول".

وسنعتمد في هذه الدراسة منهجاً تركيبياً يجمع بين أربعة مستويات:

ـ المستوى العرضي التفسيري لتحديد مضمون المحاضرة وموضوعها،
ـ المستوى التحليلي المفهومي لفحص المفاهيم المحورية التي تنتظم بها،
ـ المستوى التفكيكي الحجاجي لرصد مفاصل البناء الاستدلالي، وكيفية الانتقال من مقدمة إلى أخرى،
ـ المستوى النقدي التقويمي لبيان قيمة هذا التصور وحدوده وآفاق تطويره.

أولاً ـ إشكالية المحاضرة: من سؤال الإرادة إلى سؤال المسؤولية

الإشكال المعلن في المحاضرة بسيط من حيث الصياغة، لكنه بالغ التعقيد من حيث المضمون: هل للإرادة سلطان على الاعتقاد؟ وهل نملك أن نختار اعتقاداتنا كما نختار أفعالنا الجوارحية؟ غير أن هذا السؤال لا يُطرح في فراغ نفسي أو منطقي، بل في أفق أوسع؛ فإذا كان الاعتقاد مما نختاره كما نختار الأفعال الجوارحية، أمكن أن نؤاخذ الناس عليه مؤاخذة مباشرة، وإذا لم يكن كذلك، وجب أن يُعاد النظر في معنى اللّوم والمدح والتكفير والتعصب. ولهذا كان لافتاً أن المحاضر لم يربط السؤال ابتداءً بالتجريد الفلسفي المحض، بل بآثاره في تدبير الاختلاف الإنساني وتأسيس المسؤولية.

لكن أجوبة المناقشة أظهرت أن الإشكال الحقيقي للمحاضرة أكثر تركيباً؛ فالمسألة ليست فقط: هل الاعتقاد اختياري أم اضطراري؟ بل هي أيضاً: ما الحد الذي تنتهي عنده إتيقا الاعتقاد ليبدأ مجال آخر هو إتيقا الفعل؟ وقد أوضح المحاضر هذا بجلاء حين سُئل عن الاعتقادات التي قد تفضي إلى أفعال عنيفة أو مدمرة، فأجاب بأن الحكم على تلك الأفعال لا ينبغي أن يخلط بمسألة الاعتقاد من حيث هو اعتقاد؛ إذ ما إن ينتقل المعتقد إلى الفعل حتى تتدخل معايير أخلاقية أخرى. وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يمنع من اختزال مبحث إتيقا الاعتقاد في محاكمة سلوكية مباشرة، كما يمنع في المقابل من تبرئة الممارسات بدعوى أن أصلها اعتقادي. إنه، بالأحرى، تفريق بين مستويين متداخلين لكن غير متطابقين: مستوى تكوّن الاعتقاد، ومستوى آثاره الفعلية في العالم. وهو التمييز الذي يعود جذره إلى الفلسفة السياسية عند اسبينوزا الذي أجاز حرية التفكير والاعتقاد شريطة ألا تتحول إلى فعل مادي يضر بالدولة.

ومن جهة أخرى، يتعمق الإشكال حين يصرّح المحاضر بأنه لا فرق، من حيث المبدأ، بين الاعتقاد في وقائع العالم والاعتقاد الديني ما داما كلاهما يقعان تحت الجنس الأعم للاعتقاد. وهذا التقرير مهم؛ لأنه ينقل النقاش من المعالجة القطاعية لأنواع مخصوصة من المعتقدات إلى معالجة مبدئية لفعل الاعتقاد نفسه. فالمشكلة ليست هنا: هل الاعتقاد ديني أم واقعي؟ بل: كيف يتكوّن الاعتقاد أيّاً كان مجاله؟ وكيف يسوغ؟ وما الذي يجعل صاحبه نزيهاً أو مقصّراً؟ وبهذا تنتقل الإشكالية من التصنيف الموضوعي للمعتقدات إلى تقويم بنيتها الإبستيمية - الأخلاقية.

من هنا فإن الإشكال العميق للمحاضرة لا يقتصر على تقرير ما إذا كان الاعتقاد خاضعاً للإرادة أو لا، بل يمتد إلى إعادة تعريف المسؤولية الإنسانية ذاتها؛ فإذا كان الاعتقاد، في كثير من حالاته، لا يدخل تحت الاختيار المباشر، فإن المسؤولية لا تختفي، بل تُنقَل من مستوى النتيجة الذهنية إلى مستوى الشروط والإجراءات والمسالك: اختيار مصادر المعرفة، وعدم الإعراض المتعمّد عن البينات المخالفة، وبذل الجهد في الفحص، وعدم الاحتماء بالهوى أو التقليد حين يقتضي المقام نظراً. بهذا المعنى، تتحول الإشكالية من سؤال في سيكولوجيا الإرادة إلى سؤال في أخلاقية المسار المعرفي.

هذا التحويل هو الذي يمنح المحاضرة قيمتها الفلسفية؛ فهي لا تشتغل على الاعتقاد بوصفه حدثاً نفسياً خالصاً، ولا بوصفه محتوى أيديولوجياً محضاً، بل بوصفه موضعاً تتقاطع فيه ثلاثة أبعاد: البعد المعرفي، والبعد الأخلاقي، والبعد العلائقي. ولذلك كان استدعاء ابن رشد في المحاضرة ذا وظيفة تأسيسية، لا استشهادية فحسب؛ إذ يُستخرج من كتابه "فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال" مبدأٌ بالغ الأهمية يتمثّل في أن التصديق القائم على الدليل شيء اضطراري لا اختياري، ومن ثمّ فإن تكفير المختلف في مسائل نظرية لمجرد انتهاء نظره إلى نتيجة مغايرة ينطوي على ظلم وتحامل.

ثانياً ـ الأطروحة المركزية للمحاضرة

يمكننا تكثيف الأطروحة المركزية للمحاضرة في القضية الآتية: الاعتقاد، متى حصل عن مقتضى الدليل، لا يخضع لسلطان الإرادة المباشر، ولذلك لا يصح أن يُعامَل معاملة الفعل الاختياري الذي يمكن للمرء أن يباشره أو يتركه بإرادة آنية؛ غير أن هذا لا يعفي الإنسان من مسؤولية أخلاقية معرفية عن شروط تحصيل اعتقاده وعن نزاهته في الاستجابة للدليل.

هذه الأطروحة لا تعلَن دفعة واحدة في صدر المحاضرة، بل تتكون تدريجياً عبر مسار متدرّج يبدأ بتحديد الاعتقاد باعتباره حالة ذهنية قصدية، ثم بتمييزه عن المحتوى الذي يقصده، ثم بتأصيل السؤال رشدياً، ثم بعرض المواقف الكبرى في ركن البيّنة وركن الإرادة، قبل أن ينتهي إلى ترجيح واضح لصالح اللاإرادوية الاعتقادية المقترنة بركن البيّنة.

لا فرق، من حيث المبدأ، بين الاعتقاد في وقائع العالم والاعتقاد الديني ما داما كلاهما يقعان تحت الجنس الأعم للاعتقاد. وهذا التقرير مهم؛ لأنه ينقل النقاش من المعالجة القطاعية لأنواع مخصوصة من المعتقدات إلى معالجة مبدئية لفعل الاعتقاد نفسه. فالمشكلة ليست هنا: هل الاعتقاد ديني أم واقعي؟ بل: كيف يتكوّن الاعتقاد أيّاً كان مجاله؟ وكيف يسوغ؟ وما الذي يجعل صاحبه نزيهاً أو مقصّراً؟ وبهذا تنتقل الإشكالية من التصنيف الموضوعي للمعتقدات إلى تقويم بنيتها الإبستيمية - الأخلاقية.
لكن الأجوبة التفاعلية في المناقشة منحت هذه الأطروحة مزيداً من العمق والدقة؛ فقد صرح المحاضر، مثلاً، بأنه لو كُتبت "إتيقا اعتقاد" عند باروخ اسبينوزا، فإن فيلسوفنا سيكون لاإرادوياً في باب الاعتقاد، غير أن لاإرادويته لا تعني نفي الحرية، بل تعني أن الحرية الحقة تتجلى في فهم الضرورة التي تنتظم الكون والاعتقاد معاً. وهذا التوضيح مهم للغاية، لأنه يحُول دون فهم اللاإرادوية فهماً سطحياً يساوي بينها وبين الجبرية المبتذَلة أو العجز الإنساني المحض. فالمقصود ليس أن الإنسان كتلة سلبية أمام اعتقاداته، بل إن ارتقاءه العقلي يتمثل في وعيه الشروطَ والعلل التي ينتظم بها تَشكُّلها. ومن ثم يغدو وعي الضرورة نفسه شكلاً من أشكال الحرية.

وتتأكد هذه الأطروحة أيضاً حين يميز المحاضر، في معرض جوابه عن سؤال ابن رشد والمعتزلة، بين المجال الاعتقادي والمجال العملي؛ فهو يرى أن ابن رشد، بخصوص الاعتقاد، يميل إلى نوع من "الجبرية" بالمعنى الدقيق، أي إن التصديق الحاصل من قِبَل الدليل اضطراريٌّ، لأن لزوم النتائج عن المقدمات في البرهان لا يترك للمستدل خياراً في قبولها إذا فهمها حق الفهم. وهذه الفكرة تكشف أن الأطروحة المركزية للمحاضرة ليست مجرد استعارة نفسية، بل قائمة على خلفية منطقية: البراهين لا تقنعنا لأننا أردنا أن نقتنع، بل لأن بنية اللزوم فيها تُوقِع اليقين في النفس اضطراراً متى استُجمعت شروط الفهم. وهنا تبرز براعة المحاضر في استدعاء المنطق الرشدي لمواجهة نظرية "خلق الأفعال" المعتزلية؛ فبينما فرّ المعتزلة من الجبر في الأفعال العملية، أثبت ابن رشد ما يمكن تسميته بـ"الجبرية الإبستيمية" في حقل التصديق الذهني.

وعليه، فالمحاضرة تنتهي إلى دفاع مزدوج: دفاع عن اللاإرادوية في مستوى النتيجة الذهنية، ودفاع عن النزاهة في مستوى السلوك الإبستيمي، نزاهةٍ لا تعني أن نعتقد ما نريد، بل أن تنسجم إرادتنا مع ما انتهى إليه الذهن بعد بذل الوسع في النظر في تحصيل الدليل، ضمن حدود الوضع الإنساني وتحيزاته. وهذا ما يجعل المحاضرة لا تنفي الأخلاق عن مجال الاعتقاد، بل تعيد تعريف موقعها؛ فالأخلاق لا تظهر هنا بوصفها أمراً يفرض على النفس أن تصدق ما لا يظهر لها صدقُه، بل بوصفها فضيلة في تحصيل الدليل، وإنصافاً في ملاقاته، وشجاعة في احتمال نتائجه، وعدالة في الحكم على من خالفنا إذا كان قد سار في طريق النظر المعتبر.

ثالثاً ـ أبرز قضايا المحاضرة

تنتظم المحاضرة، بعرضها وأجوبة مؤطرها، حول حزمة من القضايا الفلسفية المتداخلة:

1 ـ قضية التقييم المعياري للاعتقاد

تسأل المحاضرة: هل يقع فعل الاعتقاد تحت طائلة التقييم من حيث الحسن والقبح والوجوب؟ وهل يكون المعتقِد مقصِّراً مستحقاً للمدح أو الذم؟ وهل الخطأ في الاعتقاد خطأ أخلاقي أم مجرد خطأ إبستيمي؟ هذه الأسئلة تنقل الاعتقاد من كونه مجرد حالة ذهنية إلى كونه موضوعاً للتقويم. غير أن المناقشة أظهرت أن هذا التقويم لا يستوي على جميع المستويات بالكيفية نفسها؛ إذ إن هناك فرقاً بين الحكم على تشَكُّل الاعتقاد نفسه، والحكم على ما قد ينتج عنه من أفعال في العالم. وبهذا يكتسب سؤال المعيارية مزيداً من التحديد: نحن لا نقوّم الاعتقاد بمعايير الأخلاق العملية ذاتها إلا بعد انتقاله إلى الفعل.

2 ـ قضية التكليف

تسائل المحاضرة إمكان أن يُؤمر الإنسان باعتقاد ما، وتبحث علاقة الاعتقاد بالعمل، وهل يمكن للمثابرة على أفعال معينة أن تُنتِج اعتقادات معينةً. وقد ازداد هذا المحور عمقاً حين أوضح المحاضر، في جوابه عن جذور المسألة في الفكر الإسلامي، أن المتكلمين أنفسهم أثاروا السؤال من خلال قول المعتزلة والأشاعرة بوجوب النظر على المكلفين، وعدم الاعتداد بإيمان العوام إذا كان مجرد تقليد. ثم استحضر الآمدي وهو يرد على أبي هاشم الجبائي، مميزاً بين "ابتداء الشك" الذي لا يقع تحت القدرة المباشرة، و"دوام الشك" الذي قد يكون مقدوراً لما يستلزمه من عمل إرادي مستمر. وبذلك يتضح أن قضية التكليف في الاعتقاد لم تكن طارئة، بل لها عمق كلامي أصيل: هل يمكن أن يُكلَّف المرء بما لا يدخل في مقدوره ابتداءً؟ وقد سلط ذلك الضوء على دقة الفيلسوف الآمدي الذي أثبت استحالة الأمر بالشك الابتدائي لكونه غير مقدور عليه، ليربط المسؤولية بالاستمرار فيه. وإذا كانت بعض مقدمات النظر نفسها، كالشك الأول، غير مقدور عليها، فما حدود المشروعية في إيجابها؟

3 ـ قضية الإرادة

وهي قلب المحاضرة؛ فهل الاعتقاد فعل نحصّله، أم حالة تَحْصُل لنا؟ وهل يمكن أن نؤمن أو نكفر أو نقتنع أو نرفض بقرار إرادي خالص؟ عرضت المحاضرة هنا ثنائية الإرادوية واللاإرادوية، لكن أجوبة المناقشة قوّت هذا المحور من جهتين: جهة باروخ اسبينوزا، حيث أمكن تصور لاإرادوية لا تفضي إلى محو الحرية، بل إلى تعميقها؛ وجهة الآمدي، حيث ظهر أن حتى بعض المقدمات النفسية للنظر لا تكون كلها في متناول الإرادة. وبهذا تغدو اللاإرادوية في المحاضرة أوسع من كونها أطروحة نفسية جزئية؛ إنها تقارب بنية الاعتقاد من جهة العلة واللزوم والقدرة والمقدور.

4 ـ قضية الدليل

تطرح المحاضرة سؤالاً فاصلاً: هل يجوز الاعتقاد من غير دليل، أو بدليل ظني غير كاف؟ وهنا برز النزاع بين البريطاني ويليام كليفورد والأمريكي ويليام جيمس. ولبيان فداحة التخلي عن البيّنة، استحضر المحاضر مثال ويليام كليفورد الشهير عن "مالك السفينة" الذي أقنع نفسه بسلامة سفينته المتهالكة وصلاحيتها للإبحار طمعاً في الربح، فتغاضى عن البيّنات المضادة لسلامتها حتى يخلص له اعتقادُه المحبوب، فكانت النتيجة غرقَها.

هل الاعتقاد فعل نحصّله، أم حالة تَحْصُل لنا؟ وهل يمكن أن نؤمن أو نكفر أو نقتنع أو نرفض بقرار إرادي خالص؟
إن المشكل هنا ليس فقط أن اعتقاده انتهى إلى الخطأ، بل إن خطأه كان مسبوقاً بتقصير إبستيمي وأخلاقي معاً: لقد آثر الاعتقاد المريح أو المرغوب فيه على الاعتقاد الذي تفرضه البيّنة، وأعرض عن الشواهد المناقضة بدل أن يواجهها. ومن ثم يغدو المثال كاشفاً عن الفكرة المركزية في إتيقا الاعتقاد عند كليفورد: ليست المسؤولية في مجرد ما نعتقده في النهاية، بل في الطريقة التي نسمح بها لاعتقاد ما أن يستقر في النفس، رغم هشاشة ما يسنده أو رغم وجود ما ينقضه. وبذلك يتحول مثال السفينة من واقعة جزئية إلى نموذج فلسفي مكثف للاعتقاد غير النزيه.

غير أن أجوبة المناقشة قدمت توضيحين حاسمين: الأول أن ويليام جيمس، كما فهمه المحاضر، لا يقول ببساطة إننا نبرم الاعتقاد لأنه نافع لنا، بل يفتح باب الترخيص في مواقف مخصوصة استثنائية (وهي ما يسميه بمواقف الاختيار الصميمية) حين يتعذر الحسم بالأدلة المنطقية المباشرة، دون أن يعني ذلك اختلاق اعتقاد لمجرد منفعته البراغماتية السطحية. والثاني أن البيّنة نفسها ليست مفهوماً بسيطاً مطلقاً، إذ إن البشر يحملون اعتقادات مختلفة، وكل فريق يحتج ببينات من جنسه، بل قد تكون هناك "عقلانيات جهوية" تتحدد داخل مجالات مختلفة من العلم والدين والميتافيزيقا والسياسة. ومن ثم، لا يصبح سؤال البيّنة سؤالاً عن حضور الدليل فقط، بل عن معايير قبول الدليل، وحدود كفايته، ونسق المعقولية الذي يعمل داخله، بما يزيح النظرة المطلقة للبيّنة، ويبيّن أن "الصرامة الكليفوردية" لا تطلب المحال، بل تقصد عدم التغاضي وصم الآذان عن البينات المضادة.

5 ـ قضية الشهادة والتقليد وأهلية النظر

برزت هذه القضية بوضوح في جواب المحاضر عن موقف العوام الذين يقلدون المخطئ المعذور من أهل النظر. وهنا يتكشف توتر مهم داخل إتيقا الاعتقاد؛ فالعالِم قد يكون معذوراً لأنه نظر وبذل الجهد، لكن من يقلده دون قيام الدليل عنده لا يحوز الوضع الإبستيمي نفسه. وقد واجه ابن رشد هذا الإشكال بردّه إلى التفاوت في الأهلية وإلى خطر الفتنة الناجم عن تعميم مسائل النظر على غير أهلها، سعياً منه إلى حماية الفضاء المجتمعي من الاستقطاب الدغمائي. وهذه القضية لا تتعلق فقط بحدود النظر، بل أيضاً بمكانة الشهادة والثقة والوساطة بين العالِم والعامّي، وهي مسألة أساسية في كل نظرية حديثة أو قديمة عن الاعتقاد.

6 ـ قضية أفق التوسيع الفينومينولوجي والتأويلي

أشار المحاضر إلى أن اهتمامه بالفينومينولوجيا اقتصر على مفهوم القصدية، لأن الاعتقاد من الأفعال القصدية، لكنه لم يوسع البحث في كيفية تشكل الاعتقادات من منظور ظاهراتي. كما أشار إلى إمكان، بل فائدة التفكير في القرآن أو في قصة "حي بن يقظان" من زاوية إتيقا الاعتقاد. وهذه الإشارات، وإن وردت في صيغة جواب لا في صلب المحاضرة، تكشف أن المشروع لم يغلق بعد، بل ما يزال مفتوحاً على أفقيْن: أفق تحليل سيرورات التكوُّن الاعتقادي، وأفق توسيع مدونة النصوص المرجعية التي يمكن أن تؤسس لهذا الحقل في الثقافة الإسلامية.

وهكذا يتبين، من مجموع هذه النقط السّتّ، أن المحاضرة لا تدور حول مسألة واحدة بسيطة، بل حول أرخبيل قضايا، تتقاطع كلها في مسألة مركزية هي: ما الشروط التي تجعل الاعتقاد فعلاً مسؤولاً؟

رابعاً ـ الجهاز المفاهيمي للمحاضرة

من أبرز عناصر القوة في المحاضرة أنها لا تدخل مباشرة في الجدل، بل تؤسس أولاً جهازاً مفاهيمياً ضرورياً لفهم المسألة. ويمكن ردُّ هذا الجهاز إلى المفاهيم الآتية:

1 ـ الإرادة

يعرّفها المحاضر بأنها ما به يتم تخصيص أحد المقدورَيْن، وأنها تتضمن معنى التصميم الواعي والعزم، وأنها تفترض الحرية. وهذا التعريف ليس إجراءً تمهيدياً فحسب، بل هو مدماك يحدد لاحقاً معيار السؤال كله: هل الاعتقاد من المقدورات التي تُخصصها الإرادة، أم أنه يقع للنفس وقوعاً اضطرارياً متى حصل سببُه المعرفي؟

2 ـ الاعتقاد

يميّز المحاضر بين معنييْن للاعتقاد: الأول هو الاعتقاد بوصفه حالاً ذهنية يُوقَر فيها للنفس أن قضية ما صادقة، والثاني هو الاعتقاد بوصفه محتوى قصدياً تتجه إليه هذه الحال، كالمعتقدات الدينية أو الأيديولوجية.

ثم يقرر أن البحث معنيّ بالمعنى الأول، لكن أجوبة المناقشة تضيف هنا توضيحاً مهماً: لا فرق، في هذا المستوى، بين المعتقد الديني والاعتقاد في وقائع العالم، لأن الجميع يندرج تحت المفهوم الأعم للاعتقاد. وهذا التوسيع يحصّن التحليل من أن يتحول إلى معالجة استثنائية للدين أو للعلم، ويجعله تحليلاً لفعل الاعتقاد بما هو كذلك.

3 ـ القصدية

لم تكن القصدية حاضرة في صلب المحاضرة إلا ضمنياً، لكن جواب المحاضر عن السؤال الفينومينولوجي أوضح أنه استحضرها لأن الاعتقاد من الأفعال القصدية التي تتجه إلى محتوى معين. وهذا المفهوم مهم، لأنه يمنع فهم الاعتقاد بوصفه انفعالاً معتماً أو حالة غُفْل صماء؛ إنه دوماً متجه إلى موضوع، ومن ثم فإن تحليله يظل محتاجاً إلى مراعاة بنية هذا التوجه، لا إلى الاقتصار على وصف النتيجة النهائية.

4 ـ البيّنة

البيّنة في المحاضرة هي ما يسوّغ التصديق، لكنها في الأجوبة تكتسب تركيباً أكبر؛ فليست البيّنة مفهوماً مطلقاً بسيطاً، بل تختلف شروط قبولها بحسب مجالات المعقولية. ومن ثم فإن "الاعتقاد النزيه" لا يعني دائماً الخضوع لنمط واحد من الأدلة، بل يعني بذل الوسع في تحصيل ما يُعد بيّنة معتبَرة داخل المجال المعرفي المعني، مع تجنب الإعراض المتعمد عن البيّنات المناقضة. بهذه الإضافة ينتقل مفهوم البيّنة من الصرامة المجردة إلى نوع من الصرامة السياقية؛ فما يُعَد بيّنة في الميتافيزيقا (كاستنادها إلى مسلمات وحدوس عقلية) يختلف جذرياً عن المعايير التجريبية لدى الوضعيين المناطقة، مما يشرعن وجود أنساق معقولية متعددة.

5 ـ الوضعية الإبستيمية

تستعمل المحاضرة هذا المفهوم عبر إحالتها إلى الأمريكي ويليام ألستون؛ فالاعتقادات ردود أفعال تجاه مجموع ما لدى الشخص من معرفة وقدرات ووسائل فهم. وهو مفهوم محوري، لأن اللاإرادوية لا تقوم هنا على دعوى فيزيولوجية أو قدرية مبتذلة، بل على أن الذهن يستجيب لما هو متاح له من معطيات ومهارات وأدوات إدراك. وهذا ما يفسر أيضاً لماذا تختلف الاعتقادات باختلاف الشروط المعرفية للأشخاص والجماعات.

6 ـ النزاهة

هذا هو المفهوم الجامع في المحاضرة؛ فالنزاهة لا تعني إرغام النفس على التصديق، بل تعني انسجام الإرادة مع الاعتقاد الذي حصل بمقتضى الدليل بعد بذل الوسع في تحصيله، ضمن إكراهات الوضع الإنساني وتحيزاته. وتزداد قيمة هذا المفهوم في ضوء أجوبة المناقشة؛ إذ يصبح مقابلاً للإعراض عن الدليل، والتهرب من ملاقاته، والكتمان، والانتقائية، والتعلق بالاعتقاد المحبوب دون امتحان كافٍ. وبهذا تتحول النزاهة إلى فضيلة معرفية ـ أخلاقية معاً؛ إنها خلُق معرفي، لا مجرد تقنية استدلالية.

*باحث في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب