لم يعد ممكنا النظر إلى ما يجري في منطقتنا بوصفه مجرد تتابع لأحداث
سياسية أو عسكرية معزولة، ولا حتى باعتباره صراعات إقليمية ذات أثر محدود. ذلك أن
هذه الوقائع، في عمقها، تكشف عن تحوّل أعمق يمسّ بنية النظام الدولي ذاته، ويعيد
طرح أسئلة القوة والمعنى والمركز والهامش من جديد. فالعالم الذي تشكّل، نظريًا
وعمليًا، على سردية تفوّق مراكز بعينها، وتراجع أطراف أخرى، يجد نفسه اليوم أمام
اختلال في هذه المسلّمات، حيث تتقدم الجغرافيا التي وُصفت طويلاً بالهشاشة لتفرض
حضورها كعنصر فاعل في إعادة تشكيل التوازنات.
ضمن هذا الأفق، لا تبدو المنطقة مجرد موضوع للأحداث، بل تتحول إلى
منتج لها، ومحدِّد لمساراتها. وهي بذلك تكشف عن مفارقة فكرية لافتة: منطقة تُقدَّم
في الخطاب السائد باعتبارها فضاءً للضعف والتفكك، لكنها في الآن ذاته تمتلك من
عناصر التأثير ما يجعلها في قلب التحولات العالمية. هذه المفارقة ليست عرضًا
طارئًا، بل تعبير عن خلل في طرائق القراءة ذاتها، التي اختزلت القوة في مظاهرها
التقليدية، وغفلت عن تحوّلاتها العميقة في عالم يتغير.
من هنا، يندرج هذا النص، الذي كتبه خصيصا لـ "عربي21"
الكاتب والباحث التونسي جلال الورغي، في محاولة لإعادة قراءة المنطقة خارج ثنائيات
جاهزة، ومن داخل جدل القوة والضعف، بوصفه جدلًا منتجًا لا تناقضًا عابرًا. فهو سعي
إلى تفكيك وهم التهميش، واستكشاف شروط الصعود الممكن، في لحظة تاريخية تتداخل فيها
الإرادات المحلية مع التحولات الدولية، بما يجعل من هذه الجغرافيا أحد مفاتيح فهم
العالم لا مجرد هامش على أطرافه.
من الطوفان إلى الحرب على إيران
كشفت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران وما ما خلفته من
تداعيات إقليمية ودولية خطيرة، عن المكانة والأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة.
فمنذ أحداث طوفان الأقصى وصولا إلى الحرب الراهنة على إيران، يمكن القول إن أحداث
هذه المنطقة هي التي تؤطر وإلى حد كبير المشهد العالمي وتعيد ترتيب الأجندة
الدولية بشكل واضح، وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية
والدبلوماسية. حتى كأننا أمام تحولات عالمية كبرى ومعادلات دولية جديدة، بصدد
التشكل، تساهم هذه المنطقة فيها بشكل واضح ولافت، عكس ما بدا إلى وقت قريب سائد
وهو أن هذه المنطقة، مجرد هامش، لا قيمة ولا تأثير لها في المشهد الدولي.
بعد ما يناهز القرن على مشروع سايكس بيكو الذي هندس المنطقة وشكلها بما يستجيب لشروط ومصالح الأمم الكبرى، تعيد هذه المنطقة من خلال شعوبها ونخبها اكتشاف ذاتها، متحفزة للنهوض والتقدم وتقرير مصيرها، واستقبال مائوية جديدة مختلفة.
سادت خلال العقدين الماضيين، سردية مفادها أن الولايات المتحدة
الأمريكية، تنسحب من المنطقة بعد عقود من الحضور الطاغي. وجرى تفسير هذا التوجه
الأمريكي، باعتباره خيارا استراتيجيا، للتخفف من منطقة تتزايد هامشيتها، وتتناقص
أهميتها وتتراجع حيوتها، لصالح مناطق أخرى أهم استراتيجيا واقتصاديا وعسكريا، على
غرار منطقة آسيا والمحيط الهادي. وحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانشغال بفضاءات جيوسياسية
أهم، والالتفات إلى المنافسين والخطرين الصيني والروسي.
وخُطت في هذا الصدد تقارير ورؤى من الخبراء وصناع القرار في الولايات
المتحدة الأمريكية. وتصدّر هذا التوجه وزير الخارجية الأمريكي الراحل هنري كسينجر
الذي دعا مرارا إلى إعادة رسم السياسة الخارجية الأمريكية وتوجيهها نحو المناطق
الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، محذرا من خطر الغفلة عن
المخاطر المتزايدة الناشئة عن الصعود الصيني المتسارع والمتوسع، والعودة الروسية
القوية.
فما أطلق عليه الرئيس الأمريكي "عملية عسكرية" ضد إيران، وما
انبثق عنها إلى حد الآن من ملامح المواجهة في أسابيعها الأولى، وتجليات القوة
وحدودها لدى الأطراف المتواجهة، وما خلفته من تداعيات إقليمية ودولية كبيرة
وخطيرة، أكد مجموعة من الحقائق تستوجب التوقف.
أولا ـ الأهمية القصوى للمنطقة في الجغرافيا السياسية العالمية.
أهمية لا تُختزل في الموارد الاقتصادية وإنما على جميع المستويات، السياسية
والعسكرية والأمنية والاقتصادية واللوجستية والاستراتيجية والحضارية. وهي حقيقة
تسفّه السردية التي تم الترويج لها منذ حوالي العقدين، ومقتضاها أن المنطقة، فقدت
أهميتها، واستُهلكت، واستنزفت ثرواتها، ولم يعد لها أي وزن على في التوازنات
الدولية. بينما أثبتت الأحداث أن مجرّد مواجهة عسكرية ولو محدودة في المنطقة لمدة
أسابيع، كالتي حصلت، كفيلة بإرباك العالم، أمنا واقتصادا واستقرارا.
ثانيا ـ كشفت أحداث المنطقة أن الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة
دولية، حلت منذ الحرب العالمية الثانية كصاحبة النفوذ في المنطقة، بعد إبعاد فرنسا
وبريطانيا، بعيد العدوان الثلاثي على مصر في 1956، غير قادرة بالضرورة على إثبات
نفوذها وهيمنتها على المنطقة، ولا على حماية مصالحها وقواعدها المنتشرة فيها. ويعود السبب في ذلك إلى تغير موازين القوة الإقليمي والدولي، فضلا عن
التغيّر المتسارع في معادلات الردع العسكرية. هذا التغيّر قلّص إلى حد كبير من
معادلات القوة والردع التقليديين، لصالح معادلات جديدة، دخلت فيها المسيّرات
ومعادلات ردع غير تقليدية تتعلّق بالجغرافيا والموقع الاستراتيجي. فمنذ العدوان
الإسرائيلي على غزة معطوفا تاليا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت
بشكل لافت الأهمية الاستراتيجية الدولية للمنطقة، سواء لجهة الثروات أو لجهة
الممرات البحرية أو لجهة حتى المسارات الجوية.
ثالثا ـ تمتلك المنطقة بما لها من مقدرات تقليدية وغير تقليدية وما
تحوز عليه من موقع، وزنا ديمغرافيا واستراتيجيا تتأكد حيويته إقليميا ودوليا، ما
يؤهلها لكسب رهان الاستقلال الاستراتيجي، والنهوض كقوة إقليمية ودولية فاعلة
ومؤثرة، ومحددة في التوازنات الدولية، وليست مجرّد مصدر للثروة أو سوقا مستهلكا
للأسلحة والمنتوجات العالمية. فالتحولات التكنولوجية النوعية، تمكّن بلدان
المنطقة، من امتلاك ناصية التكنولوجيا العسكرية في جميع مستوياتها، دون الحاجة
للارتهان لقوى دولية، تمن بما تشاء وتحجب ما تشاء من هذه التكنولوجيا. وتنهض تركيا
وإيران في الإقليم وأوكرانيا في العالم نماذج لافتة في تطوير التكنولوجيا العسكرية.
رابعا ـ تحوز منطقة
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على فرص نمو كبيرة
واعدة، تشير إلى أنها يمكن أن تتحول إلى قطب عالمي للنمو والاستثمار والتحول
التكنولوجي. والمنطقة التي تتمتع بثقل ديمغرافي يتجاوز نصف مليار نسمة، تمثل هي
نفسها بوابة القارة الأفريقية بكل ثقلها الديمغرافي الذي يناهز المليار ونصف
المليار نسمة، فضلا عن ثروات واعدة، يتضمن بعضها المواد النادرة التي بات العالم
اليوم في أشد الحاجة إليها.
كما أن هذه القارة المجاورة للشرق الأوسط تحوز على ثقل دبلوماسي لافت
بوجود 54 دولة أفريقية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعضوية مجموعة العشرين،
وحضور نوعي يمكن أن يتعزز في مجموعة "بريكس". هذا الحضور لا شك له تأثير
وازن على القرارات الأممية، إذا ما اُستعمل واُستثمر على الوجه المتوقع.
كشفت أحداث المنطقة أن الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة دولية، حلت منذ الحرب العالمية الثانية كصاحبة النفوذ في المنطقة، بعد إبعاد فرنسا وبريطانيا، بعيد العدوان الثلاثي على مصر في 1956، غير قادرة بالضرورة على إثبات نفوذها وهيمنتها على المنطقة، ولا على حماية مصالحها وقواعدها المنتشرة فيها.
خامسا ـ تمثل المنطقة مهد الأديان وملتقى الحضارات، وتحوز على أهمية
قصوى لجهة التراث العالمي. ففيها تتقاطع الحضارات، وتتعايش الثقافات، وهي مهد
الأديان، ومركز انتشارها. وتنهض هذه الأهمية الحضارية والثقافية، في تضاد مع
السردية التي تقلّل من أهمية وقيمة المنطقة. وهي اليوم كمنطقة من الفضاءات
الحضارية القليلة التي تتجلى هويتها واضحة، وثقافة التعدد والتعايش فيها ساطعة،
ورسوخ أصالتها وعمقها ماثلا.
وتكتسي هذه السمات الثقافية والحضارية للمنطقة أهمية بالغة، تمثل
نقطة قوة، بسبب ما يمر به عالم اليوم من فراغ واضطراب المعنى، وتراجع الأفكار
الجاذبة، والقيم الدافعة، لصالح ثقافة الاستهلاك التي كرسها منوال ثقافي ومجتمعي
غربي، استهلكت حيويته، وضمرت جاذبيته، وخفت بريقه.
سادسا ـ تحفّز التحديات والمخاطر الكبيرة التي تواجهها المنطقة اليوم
شعوبها على المواجهة والحق في تقرير المصير. فشعوب هذه المنطقة التي يمثل الشباب
فيها النسبة الديمغرافية الأكبر والأوسع، لا تبدو اليوم قابلة بالانكسار والدونية،
وإنما تتطلع متحفزة إلى أن يكون لها مكانة بين دول العالم، واعتبارا بين شعوب
العالم، وأدوارا في لعبة الأمم. وتعي نخب المنطقة، في الحكم والمجتمع أنها اليوم
ليست مخيّرة في توجيه البوصلة وتقرير المصير باتجاه المستقبل، مدركة أكثر من أي
وقت مضى بأنها تستطيع إحداث اختراق حقيقي خارج قوقعة قرن انقضى، ضاقت فيها
المناورة وفُرضت فيه معادلات وتوازنات راجحة للآخرين على حساب هذه المنطقة وشعوبها.
سابعا ـ بعد ما يناهز القرن على مشروع سايكس بيكو الذي هندس المنطقة
وشكلها بما يستجيب لشروط ومصالح الأمم الكبرى، تعيد هذه المنطقة من خلال شعوبها
ونخبها اكتشاف ذاتها، متحفزة للنهوض والتقدم وتقرير مصيرها، واستقبال مائوية جديدة
مختلفة.
وبينما تجد هذه المنطقة ذاتها أمام مخطط جديد لإعادة إنتاجها
وصياغتها على عين الآخرين، الجدد ـ القدامى، إخضاعا وهيمنة وسيطرة، كمنطقة تبدو
ضعيفة جدا ومغرية للآخرين لنيلها والتمكن منها، فإنها تتجلى قوية جدا، استعصاء
وتمنّعا وصلابة في مواجهة هذه المخططات. وهي تكتشف اليوم ذاتها قوية قادرة على
تقرير مصيرها وتقدير اتجاهها وتحديد بوصلتها، ليس فقط بسبب ما تجد في ذاتها، وإنما
بسبب ما ترى من ملامح ضعف وتراجع في الآخرين. فهذه المنطقة اليوم تسوق لها الأقدار
ملامح مشهد متعدد متدافع، تلوح فيه فرص تاريخية للتقرير والاختيار والمناورة. مشهد
دولي، ارتخت فيه قبضة المهيمنين، ووازنتها قبضات أخرى صاعدة ومعاندة.
في خضم هذا الأفق المفتوح للمنطقة للعبور للمستقبل أكثر تماسكا
وصلابة وإصرارا، تبدو الحاجة ملحة لخيال أرحب، ولفكرة جديدة جاذبة، على شاكلة
مشروع نهضوي شامل، ورؤية للتقدم، وحلم للتحقق، وإرادة تردد: نعم يمكن.. نعم
نستطيع.
*كاتب وباحث